دافعت عنه أمام أوباما .. كيف تستعد إسرائيل لتسويق السيسي لدى بايدن؟


عقب انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 في مصر، تولت إسرائيل دور المحامي في الدفاع عن قائد الانقلاب الجنرال عبد الفتاح السيسي، لدى إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، ونجحت في إثنائها عن وصف ما جرى بأنه انقلاب.

جهود تل أبيب نجحت حينها في رفع عقوبات مؤقتة فرضتها واشنطن على مصر، وألغت واشنطن في أبريل/نيسان 2014، قرار تجميد صفقة تسليم القاهرة بعض شحنات السلاح، كطائرات الأباتشي.

وقتها، أقنعت تل أبيب الإدارة الأميركية أن السيسي خلصهم من تهديد “الإسلام السياسي”، وأن سيناء تتعرض للإرهاب الذي يضر بمصالح إسرائيل وأميركا وقناة السويس، والسيسي يحتاج السلاح لمواجهة الإرهاب.

ويُلزم قانون المساعدات الخارجية الأميركي الإدارة بقطع المساعدات عن أي دولة تشهد انقلابا عسكريا ضد حكومة منتخبة بطريقة ديمقراطية، وهو ما نجحت إسرائيل في حماية السيسي منه، حسبما قالت صحف عبرية حينها.

مرحلة بايدن

الآن، وبعد تولي الرئيس الجديد جو بايدن إدارة شؤون أميركا، واحتمالات تضييقه على مصر بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، بدأت تل أبيب تستعد لارتداء روب المحاماة للدفاع عن السيسي.

موقع صحيفة “وللا” الإسرائيلي كشف في 14 يناير/ كانون الثاني 2021، أن إسرائيل ستطالب إدارة بايدن بعدم الضغط على السيسي والسعودية والإمارات بشأن ملف حقوق الإنسان، وستحذرها من “أخطاء أوباما التي قادت إلى صعود الإخوان المسلمين”، بحسب تقرير لموقع “الاستقلال”.

غالبية رموز إدارة أوباما عادوا لإدارة بايدن، وهو ما يُقلق إسرائيل لذلك تسعى للترويج مجددا لدور السيسي في حماية إسرائيل ومصالح أميركا في المنطقة ودوره في التطبيع المكثف بين العرب وإسرائيل خلال الشهور القليلة الماضية.

في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2020، توقع تقرير لمركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي بجامعة تل أبيب أن يعيد فوز جو بايدن برئاسة أميركا “الأجواء الباردة التي سادت بين مصر وأميركا خلال ولاية الرئيس السابق أوباما”.

التوقع الإسرائيلي استند لعودة أفراد طاقم أوباما ممن شجعوا خطا متشددا تجاه نظام السيسي، لمناصب أساسية في إدارة بايدن، ولمقال نشره بايدن في مجلة “فورين بوليسي” عدد مارس/ أبريل 2020، تعهد فيه بتبني سياسة خارجية تستند إلى حقوق الإنسان ودفع الديمقراطية.

وندد بايدن، في تغريدة على تويتر في يوليو/ تموز 2020 باعتقال ناشطين حقوقيين في مصر وحذر من أنه بعد انتخابه “لن يكون هناك شيكات مفتوحة لديكتاتور ترامب المفضل” في إشارة للسيسي.

وطالب 40 عضوا كونغرس، غالبيتهم من الحزب الديمقراطي، وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، بالربط بين العلاقات الأمنية والثنائية مع مصر بتحسين وضع حقوق الإنسان، كما طالب 56 عضوا بالكونغرس السيسي، في رسالة يوم 14 أكتوبر/تشرين الأول 2020، بإطلاق سراح معتقلين سياسيين.

صحيفة “وللا” WALLA نقلت عن خبراء عسكريين إسرائيليين في 14 يناير/ كانون الثاني 2021 قولهم إنهم سيتدخلون لدى إدارة بايدن لإعطاء الأولوية لتعزيز التحالف مع الأنظمة العربية، على انتهاكات حقوق الإنسان، ويثنونه عن عدم التعاون مع أنظمة لا تحترم المعايير الديمقراطية.

ووعد الخبراء وفق الصحيفة، بأنهم سيحذرون الأميركيين: “كنا قريبين جدًا من خسارة مصر قبل بضع سنوات (بعد فوز الإخوان وحكمهم مصر) لذلك رسالتنا لبايدن: لا تجعلنا نخسر مصر مرة أخرى”، وإلا سيعود الإخوان وستذهب مصر لروسيا والصين.

ولضمان ذلك، أبلغت تل أبيب لولايات المتحدة أنها “شجعت” مصر والسعودية على اتخاذ تدابير حقوقية وتحسين المناخ وتمهيد الأرضية للحوار مع إدارة بايدن بإطلاق سجناء، بحسب المسؤولين الإسرائيليين.

المسؤولون الإسرائيليون الكبار قالوا للصحيفة إنهم يتحركون لدعم السيسي لتوقعهم تعاملا خشنا من جانب إدارة بايدن مع مصر والسعودية والإمارات، بعد نقده لهم وعدم اتصاله بزعمائهم حتى الآن رغم أنهم حلفاء رئيسين لبلاده.

وفق الصحيفة، فإن إسرائيل ترى أن علاقاتها الأمنية والاستخباراتية مع مصر والسعودية والإمارات عاملاً رئيسا في إستراتيجية احتواء إيران وتخشى أن يصب صدام بايدن مع هؤلاء الحلفاء العرب في صالح إيران.

وتخشى إسرائيل أيضا أن يغير بايدن السياسة الأميركية تجاه اليمن، ويدين الدور السعودي والإماراتي وقتل مدنيين الأبرياء في الغارات الجوية، لهذا تعمل على عدم تغيير السياسة الأميركية ضد هؤلاء الحلفاء العرب، بحسب “وللا”.

شبح الإخوان

تقدير صادر عن “مركز أبحاث الأمن القومي” الإسرائيلي في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2020، قال إن “طريق السيسي إلى بايدن سيمر عبر البوابة الإسرائيلية”، وأن السيسي سيطلب تدخل إسرائيل لدى واشنطن.

المركز الإسرائيلي أشار إلى أن السيسي سبق أن طلب عام 2013 من الحكومة واللوبي الإسرائيلي في واشنطن، تخفيف الضغط عليه من قبل إدارة أوباما، وأن عودة الضغوط من إدارة بايدن “سيؤدي إلى تقوية جماعة الإخوان المسلمين”

أشار الباحثان تسفي ليف وأوفير وينتر في التقرير لقلق القاهرة أيضا من تعيين بايدن ما زعموا أنهم “أشخاصا متعاطفين مع جماعة الإخوان في مناصب رئيسة في إدارته”.

سبق أن وبخت إسرائيل، أميركا وأوروبا، في 23 فبراير/ شباط 2015 لعدم دعمهم السيسي وخليفة حفتر خلال عملية غزو العاصمة طرابلس وإنهاء سيطرة حكومة الوفاق التي تضم منتمين لجماعة الإخوان المسلمين، بدعوى محاربة الإرهاب، وفق دراسة إسرائيلية.

دراسة “مركز يروشلايم لدراسات المجتمع والدولة”، الذي يديره دوري جولد، كبير مستشاري نتنياهو، بتاريخ 23 فبراير/ شباط 2015، استهجنت حينئذ “عودة سامح شكري مطأطئ الرأس من نيويورك بعد أن رفض ممثلو أوروبا وأميركا في الأمم المتحدة، طلبه الاعتراف بحكومة طبرق، وتزويدها بالسلاح، ودعم حرب السيسي في ليبيا”.

وزعم المركز الصهيوني أن تخلي الغرب عن السيسي “على هذا النحو المهين” يعني “إضفاء شرعية على دور الإخوان المسلمين في إدارة شؤون ليبيا”، متسائلا: “كيف تربطون (الغرب) دعمكم للسيسي بسجل نظام حقوق الإنسان؟”.

وفي 5 ديسمبر/ كانون الأول 2020، كشفت صحيفة “معاريف” أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو سيزور مصر للقاء السيسي، وهي الزيارة التي تأجلت، وقالت عن أسباب الزيارة: “ترتيب الأوراق المصرية الإسرائيلية قبيل قدوم الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن إلى البيت الأبيض 20 يناير/كانون الثاني 2021”

أوراق القاهرة

يتوقع مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في تقريره السابق، وأيضا دراسة نشرتها صحيفة “اليوم السابع” المؤيدة لنظام السيسي يوم 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، حول “الأوراق التي بيد القاهرة في مواجهة إدارة بايدن”، أن تلجأ مصر لأربعة خطوات تجاه إدارة بايدن وتتحدد علاقتها مع الإدارة الجديدة على أساسها.

الخطوة الأولي: ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة بالتعاون مع السعودية والإمارات، حتى لا تدعم بتصرفها “الإسلام السياسي وإيران”، والاستفادة من ثقلهم الإقليمي لإقناع واشنطن بعدم العودة إلى ما يعتبرونه “أخطاء إدارة أوباما السابقة”.

التحرك المصري الثاني سيكون بتحسين صورتها كحليف بالتأكيد أن نظام السيسي يحقق مصالح أميركا، وواشنطن بحاجة له لحماية مصالحها في الشرق الأوسط سواء لمحاربة الإرهاب أو قضية فلسطين أو ليبيا وغيرها.

أما التحرك الثالث، فسيكون “التنويع الدولي” من خلال تعزيز العلاقات المصرية مع روسيا والصين وعدم الاعتماد الحصري على الدعم الأميركي، مثل شراء طائرات حربية من طراز Su-35 من روسيا رغم المعارضة الشديدة من واشنطن.

وأخيرا تحسين صورة مصر السلبية لدى الإدارة الأميركية وفق النصائح الإسرائيلية وملف حقوق الإنسان والترويج لمفهوم مصري بديل لحقوق الإنسان يشدد على التسامح الديني والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

دور آخر تسعى له القاهرة بطرح التعاون لا الصدام، عبر مطالبة إدارة بايدن بالتدخل في ملف سد النهضة الذي يهدد استقرار إفريقيا لو لم يتم التوصل لاتفاق قبل الملء الثاني للسد في يوليو/تموز 2021، أشار له السفير معتز زهران، سفير مصر بواشنطن.

زهران قال خلال مشاركته كضيف في حوار بالفيديو مع المجلس الوطني للعلاقات الأميركية العربية يوم 15 يناير/كانون الثاني 2021، إن هناك العديد من فرص التعاون بين مصر وإدارة بايدن، منها ملف سد النهضة.

وسبق لوزير خارجية بايدن الجديد أنتوني بلينكن الحديث عن “أهمية الدور الأميركي كوسيط في هذه القضية”، وكتب على تويتر: “تصريحات ترامب عن تفجير مصر سد النهضة الإثيوبي متهورة وتقوض دور أميركا كمراقب في مفاوضات السد”

تخشى القاهرة أيضا دور وليم بيرنز مدير المخابرات الأميركية الجديد لأنه في ظل منصبه السابق كمدير لمركز كارنيجي للسلام، أصدر المركز عشرات التقارير التي تدين القمع بمصر، وهيمنة الجيش على الاقتصاد، والفساد والاحتكار وطالب بتفكيك العلاقة بين المساعدات الأميركية وهذا التدخل العسكري المتزايد في شؤون الاقتصاد.

وسبق أن نشر بيرنز في منتصف الثمانينات كتابا بعنوان “المساعدة الاقتصادية والسياسة الأميركية صوب مصر”، حول دور المساعدات الأميركية وأهميتها في خدمة مصالح واشنطن في مصر، وهو ما يطالب به نواب في الكونغرس حاليا بالربط بين المساعدات والتقدم في ملف حقوق الإنسان.

مصالح إسرائيل

دفاع إسرائيل المستميت عن نظام السيسي يرجع لرصد مراكز الأبحاث الصهيوني وكبار العسكريين في مقالات وتقارير عدة فوائد نظام السيسي لإسرائيل منذ انقلاب 3 يوليو/تموز 2011.

 

أبرز هذه الفوائد هي التخلص من جماعة الإخوان الداعمة للمقاومة الفلسطينية والمعادية لإسرائيل وتصنيفها “إرهابية”، وأيضا القضاء على الديمقراطية التي جاءت في أول انتخابات حرة بمصر بقوى معادية للتطبيع، تعتبره تل أبيب أيضا مكسبا، لأنها ترى أن الأنظمة الديكتاتورية تربط بقاءها بدفاع إسرائيل عنها لدى أميركا.

الفائدة الأكثر أهمية لتل أبيب هي تغيير السيسي “عقيدة الجيش المصري” من محاربة إسرائيل واعتبارها “العدو”، إلى التعاون والتحالف معها، واعتبار التيار الإسلامي هو “العدو”.

سبب آخر للرضا عن نظام السيسي، هو سماحه لإسرائيل بالتدخل في سيناء وقيام طائراتها بقصف قرى سيناء، وهو ما أكده قادة إسرائيليون، إضافة للسيسي في حوار مع قناة CBS وبرنامج 60 دقيقة 60Minutes 7 يناير/ كانون الثاني 2019.

وضمن هذه الفوائد، القرار الذي اتخذته إدارة ترامب 16 يناير/ كانون الثاني 2021 بضم إسرائيل للقيادة المركزيّة العسكرية في الشرق الأوسط التي تضم الخليج والأردن ومصر، والذي يعني التنسيق الرسمي المباشر بين الجيشين المصري والإسرائيلي، وتقبل الجندي المصري والعربي لوجود الجندي الإسرائيلي بجانبه لحماية الأنظمة الحاكمة.

الفوائد الإسرائيلية تمتد كذلك لتوسيع التطبيع مع الأنظمة العربية بمباركة السيسي الذي كان أول المهنئين بالتطبيع مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، والتعاون في منتدى غاز المتوسط مع اليونان وقبرص ضد تركيا.

تستفيد تل أبيب أيضا من تعاظم التطبيع مع السيسي ودفء العلاقات، في فتح الأسواق المصرية والعربية للمنتجات الإسرائيلية، حسبما قالت سفيرة تل أبيب بالقاهرة في حوار مع صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” يوم 11 يناير/ كانون الثاني 2021.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، أجرت شركة تجارية إقليمية استطلاعًا نادرًا للرأي العام المصري بتكليف من “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” أظهر أن المصريين ما زالوا يعارضون إلى حد كبير تلطيف العلاقات مع إسرائيل.

ومع أن مصر كانت أول دولة عربية تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، إلا أن نتائج الاستطلاع كشفت استياء واسع النطاق للمصريين من اتفاقيات السلام الأخيرة بين إسرائيل و4 دول عربية ومن احتمال ازدياد التطبيع المصري مع الإسرائيليين.

ولم ينظر من الجمهور المصري باستحسان إلى هذه الاتفاقيات سوى ربع المصريين الذين شملهم الاستطلاع، في حين رفضتها الأغلبية (67 في المئة).


Comments

comments

شاهد أيضاً

“أبو مرزوق”: مستعدون لوقف القتال حال توقف إسرائيل عملياتها ضد الأقصى والقدس

أكد موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، أن الحركة مستعدة لوقف أي …