دكتور/ حمدي عبد الرحمن يكتب : سد النهضة والفرص الضائعة


عندما وصلت المفاوضات الثلاثية الخاصة بسد النهضة إلى طريق مسدود بات اللجوء إلى الوساطة الخارجية أمرا لا مفر منه لتحقيق اختراق دبلوماسي والتوصل لاتفاق. كانت هناك خيارات متعددة منها الرئيس بوتين الذي التقى الرئيس المصري ورئيس الوزراء الأثيوبي في قمة سوشي. على أن مصر سعت إلى طلب الوساطة الأمريكية بعد أن وافق رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد على إشراك طرف ثالث للوساطة .لاحظ هنا أن الولايات المتحدة تمثل حليفا استراتيجيا لكل من مصر وإثيوبيا كما أن السودان الجديدة تسعي إلي تحسين صورتها للخروج من قائمة الإرهاب الأمريكية. وبالفعل جرت جولات مكوكية بين وفود الدول الثلاثة خلال الفترة من نوفمبر إلى فبراير ، في كل من واشنطن العاصمة والخرطوم والقاهرة وأديس أبابا. وقد حضر ممثليين عن وزارة الخزانة الأمريكية و البنك الدولي .

في البداية ، وافقت إثيوبيا من حيث المبدأ على طلب مصري بأن تتم عملية ملء السد على مراحل على مدى سبع سنوات. لكن التفاصيل الدقيقة لكيفية تنفيذها ، بما في ذلك السرعة التي سيتم بها ملء الخزان وإجراءات التخفيف من حدة الجفاف خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد وقفت عائقا أمام التوصل لاتفاق.

وبعد صياغة المسودة النهائية للاتفاق قررت إثيوبيا عدم حضور الجولة النهائية من المفاوضات في أواخر فبراير ، حيث كان من المفترض أن يوقع الجانبان على اتفاقية قانونية ملزمة. رفضت إثيوبيا شروط الصفقة واعتبرتها مواتية لمصر . وهكذا عادت ريما لعادتها القديمة بالمماطلة والتسويف ولكن هذه المرة بعملية تعبئة غير مسبوقة من أجل شيطنة مصر واتهامها بسرقة مياه النيل .وقد بات سد النهضة موضوعا للمناورات السياسية والحزبية في إثيوبيا وهكذا ضاعت فرصة مهمة لتسوية هذا الملف الشائك.

لم تقبل مصر غياب إثيوبيا غير المبرر عن الجولة الأخيرة من المحادثات ، ورفضها التوقيع على الاتفاقية التي تم وضعها بالفعل من قبل الوسطاء من الولايات المتحدة والبنك الدولي. كان على مصر أن تتوجه إلى مجلس الأمن الدولي بسبب “التصرفات الأحادية من قبل إثيوبيا ، وافتقارها إلى الرغبة في التعاون ورغبتها في ملء سد النهضة بغض النظر عن تأثيره على دولتي المصب”

جاء الرد الأثيوبي متعجرفا حيث أكد على حق إثيوبيا في المضي قدما وخططها الخاصة بملء السد في موسم الأمطار في يوليو القادم حتى بدون اتفاق. وهكذا ضاعت فرصة أخرى للحل السلمي.
وأخيرا أدرك السودان خطورة الموقف ولاسيما التصرف الأحادي من قبل أثيوبيا التي عرضت توقيع اتفاق مؤقت قبل الملء الأول .أبدى رئيس الوزراء عبد الله حمدوك رغبته في تخفيف حدة التوتر ورتب لاستئناف المحادثات الثلاثية من خلال التواصل مع نظيريه الإثيوبي والمصري في الأسابيع الأخيرة. كما ضغطت الصين على الدولتين لوضع حد للصراع والعمل من أجل التوصل لحل سلمي.و من المعروف أن اهتمام بكين ينبع من دعمها المالي لمشروع سد النهضة . فقد حصلت شركتان صينيتان حكوميتان على 150 مليون دولار في عقود بناء السد العام الماضي. كما صدرت مناشدات من الأمين العام للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومفوضية الاتحاد الأفريقي. لكن الرد الأثيوبي هو مزيد من التعنت حيث صرح أبي أحمد بأن فيروس كورونا نفسه لا يستطيع وقف خطط بناء وتشغيل السد كما أن لغة مصر الحاسمة في رسالتها لمجلس الأمن تعني أن فرصة أخرى ضائعة.

في الأول من هذا الشهر حدثت نقلة نوعية في الموقف السوداني الذي اعتاد الركون إلى الحياد الايجابي حيث تم توجيه رسالة تحذير إلى مجلس الأمن الدولي من أجل وقف أي عمل أحادي من قبل الأطراف الثلاثة وضرورة عدم ملء السد قبل التوصل لاتفاق .
كما أكدت الرسالة على التزام السودان بقواعد القانون الدولي المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، وعلى رأسها الاستخدام المنصف والمعقول للمصادر المائية والامتناع عن التسبب في أخطار جسيمة للدول الأخرى والتسوية السلمية للنزاعات.

على الرغم من أن الرسالة السودانية تبدو في ظاهرها تحولا نوعيا في الموقف السوداني إلا أنها تشير إلى تعثر المفاوضات الأولية بين السودان وأثيوبيا ولاسيما بعد الاعتداءات الإثيوبية على منطقة الفشقة الحدودية واتهام الجيش الأثيوبي بأنه يقف خلف هذه الهجمات.
يبدو أن الفرص الضائعة تلك قد تصل بنا إلى طريق مسدود ومزيد من التدهور في يوليو المقبل.في هذه الحالة سوف يكون الثمن باهظا بحيث يؤثر على السلم والأمن ليس في الإقليم فقط وإنما فيما وراءه كذلك.


Comments

comments

شاهد أيضاً

د. أحمد ذكرالله يكتب :المال الضائع: أين تذهب أموال قناة السويس.. وبقية الإيرادات؟!

وهذا يعني ان 25 ألف موظف فقط في قناة السويس ينفقون أكثر من مليون موظف …