ديفيد هيرست يكتب : أساطير الشرق الأوسط.. كيف يلوي الغرب الحقيقة لخدمة مصالحه؟


ليست كلمة “منتصرة” الوصف الذي يستخدمه المرء كثيراً هذه الأيام لوصف حركة طالبان، حكام أفغانستان الجدد. إذ إن الاقتصاد المعطل، المعتمد على المساعدات الدولية صار الآن معزولاً وسط مستويات مرتفعة من الفقر. يمكث أحد قادة طالبان في قندهار، بينما يسيطر فصيل آخر منافس على كابول. وتواجه جميع فصائل طالبان حملة تفجير نشطة عن طريق تنظيم داعش.

لكن طالبان نجحت في إطباق السيطرة على أفغانستان، وأدت تلك السيطرة إلى انهيار الأساطير التي تدور في الغرب خلال الأشهر القليلة الماضية. وفرت هذه الأساطير مزيداً من الدعم لعقدين من الصراع في وسط آسيا والشرق الأوسط، وهو ما يُعرف بصورة أفضل بما يسمى “الحرب على الإرهاب”.

الأساطير المرتبطة بأفغانستان متشعبة؛ الحلفاء الغربيون يخوضون حرباً فاضلة. حيث تجسد طالبان الصورة الإسلامية من العصور الوسطى، ويطالب الأفغان الغرب بالبقاء. الغرب الذي كان يقاتل من أجل حقوق المرأة. والقوة المميتة كانت تستخدم ضد الأهداف المشروعة حصراً، وبعد مراقبة متطورة وتحليل عميق لتلك الأهداف.

 كافحت هذه “الأساطير الليبرالية” وأخواتها؛ من أجل أن تطغى على الواقع وتغمره حتى وصلنا للنهاية المرعبة للتورط الغربي في أفغانستان في شهر أغسطس/آب، بل وما تلاها.

كان الجنرال الأمريكي مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة بالجيش الأمريكي، متأكداً من أنهم أصابوا الهدف الصحيح -وهو حسب الزعم سيارة معبأة بالمتفجرات لتنظيم “داعش خراسان” وكانت على وشك التحرك نحو مطار كابول- عندما قتلت طائرات أمريكية مسيرة في 29 أغسطس/آب 10 أشخاص من أبناء عائلة واحدة، من بينهم 7 أطفال.

قال ميلي إن الانفجارات الثانوية التي نشبت من اغتيال الأطفال، دعمت هذا الاستنتاج، ووصف هجوم المسيّرات بأنه “دفاعي” و”بار”. لاحظوا استخدام كلمة “بار”، وهي كلمة توراتية.

وبعد ذلك خفّض تحليل عسكري أوردته صحيفة The New York Times، اليقين التوراتي لدى الجنرال ميلي من “مرجح” إلى “ممكن”.

لكن في 17 سبتمبر/أيلول، اعترفت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أخيراً بقتل 10 أشخاص من عائلة بريئة، عندما كُشف عن أن “المتفجرات” التي شاهدها مشغلو الطائرات المسيّرة وهي مُحمّلة داخل السيارة كانت في الواقع علب مياه. 

الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما

السياسة واستعراض القوة

بدأت “الحرب على الإرهاب” بوصفها إحدى دعائم المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري الأمريكي للعثور على عدو عالمي جديد ليحل محل الاتحاد السوفييتي. لكنها صارت بعد مدة وجيزة مشروعاً يعمل عليه كلا الحزبين. فالكارثة في أفغانستان كانت من عمل أربعة رؤساء أمريكيين.

من أجل أن يصدر حكمه عن طريق الطائرات المسيّرة والضربات الجوية فقط، قتل الرئيس الأسبق باراك أوباما أناساً في باكستان والصومال واليمن يصل عددهم عشرة أضعاف من قتلهم الرئيس السابق جورج دبليو بوش. بحسب كتاب مارك هالبرين وجون هيلمان المعنون بـ Double Down

قال أوباما الفائز بجائزة نوبل للسلام، لمساعديه في عام 2011: “اتضح أنني جيد حقاً في قتل الأشخاص”.

ولكن بالنسبة لأي إنسان يقف على الجهة الثانية من استعراضٍ القوة الأمريكية في الشرق الأوسط، فإن صناعة الأساطير التي تعزز الهيمنة الغربية ليست شيئاً جديداً.

ثمة قائمة طويلة من الصراعات التي تكون روايتها الرسمية لدى وسائل الإعلام الغربية، بلا أي علاقة مع ما حدث فعلياً على الأرض، وهي قائمة ليست مستفيضة.

أسطورة: هزم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في العراق.

الحقيقة: لم يكن من الممكن تحقيق ذلك بدون فيلق حرس الثورة الإسلامية، وقوات الحشد الشعبي الشيعية، والجيش العراقي، والشرطة العراقية.

أسطورة: الصراع الدموي في سوريا بدأ بوصفه معركة بين ديمقراطيين وديكتاتور.

الحقيقة: يعد الموقف أكثر تعقيداً من ذلك؛ إذ إن الصراع تطور لتصير القوات المناهضة للأسد تهيمن عليها قوات متحالفة مع تنظيم القاعدة

الأسطورة: لبنان هو بلد اختُطف رهينة عن طريق منظمة إرهابية تسمى حزب الله.

الحقيقة: لقد وصل لبنان إلى انهيار مالي واقتصادي على يد كليبتوقراطيين متحالفين في الأساس مع الولايات المتحدة والسعودية.

الأسطورة: الحرب في اليمن هي مؤامرة إيرانية.

الحقيقة: السعودية والإمارات استخدمتاها للسيطرة على بلد جامح في حديقتهما الخلفية. 

الأسطورة: الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو معركة بين الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وبين الإرهاب.

الحقيقة: لقد عانت المنطقة بكل أسف من عقود من الاحتلال، وعانت في الآونة الأخيرة من نظام منظم ومكتمل الأركان لحكم الفصل العنصري.

لا مجال للندم

حتى لو انفصلت بنفسك عن التداعيات الأخلاقية والمادية لتلك الأساطير، التي تشمل الوفيات والدمار والتهجير نتيجة الحرب الدائمة، ونظرت مرةً أخرى إلى السياسة الغربية في الشرق الأوسط، فستجد أنّها ما تزال مختلةً وظيفياً.

إذ يستهين جنرالات الغرب بأهمية المهمة الموكلة إليهم. حيث يعيش الأشخاص المنوط بهم بجمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها في حالةٍ شبه دائمة من المفاجأة والذهول مثلاً.

حيث تحدّث صديقي وزميلي ماركو كارنيلوس، سفير إيطاليا السابق في العراق ومبعوثها الخاص إلى سوريا، ذات مرة عن لقاءٍ خاص يُثير الاهتمام بين ديفيد بتريوس وسيلفيو برلسكوني، رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك، وبعد اللقاء، قال بتريوس عن برلسكوني إنّه “لم يُدرك سوى مؤخراً مدى أهمية قاسم سليماني في ديناميات الواقع على الأرض بمنطقة الشرق الأوسط”.

وقد جرى ذلك اللقاء عام 2008، أي بعد عقدٍ كامل من تولّي قاسم سليماني منصب قائد فيلق القدس الاستخباراتي العسكري. بينما بتريوس، المسؤول عن زيادة أعداد القوات الأمريكية في العراق، لم يكُن يعلم عن أمر سليماني شيئاً رغم وجوده في منصبه منذ 10 سنوات.

حين تسقط طائرةٌ من السماء في أي مكان بالعالم، بغض النظر عن عمرها أو سوء صيانتها؛ تستجيب صناعة الطيران بأسلوبٍ متعقل. وحتى حين تتورط المصالح الشخصية لكبرى الشركات، مثل ما حدث خلال فضيحة بوينغ “737 ماكس”؛ فإنّ المحققين في تحطم الطائرات لا يهدأ لهم بال قبل أن يُحددوا السبب الدقيق المسؤول عن الكارثة.

لكن هذا المبدأ لا يجري العمل به حين يتعلّق الأمر بالسياسة الخارجية أو الحروب.

إذ لم أقرأ حتى الآن تعبيراً عن

الندم أو حتى الشك في الذات من جانب الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، ديفيد بتريوس، أو رئيس قيادة العمليات الخاصة المشتركة ستانلي مكريستال، أو أي جنرال بريطاني آخر شارك في محاولات تهدئة ولاية هلمند بأفغانستان، أو حتى من رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير.

وكل منهم يُحمّل غيره مسؤولية الكارثة. ويُؤكّد أنّه اتّخذ القرارات المناسبة في وقتها، وبذلك تتكرر نفس الأخطاء المبنية على نفس الافتراضات المغلوطة إلى ما لا نهاية. وحين تنتهي حربٌ ما، نعثر على عدو جديد، لتُبحر الصناعة بأكملها في اتجاهٍ جديد بكل سلاسة.

وليس من اختصاصنا كصحفيين أن نُوقف هذه الكارثة، لكن دورنا هو فحص وكشف وتفنيد تلك الأساطير، بمعاونة الشجعان من أمثال دانييل هيل الذي كشف معلومات سرية عن حرب الطائرات المسيّرة عام 2014، حتى نعرض لقراء موقع Middle East Eye البريطاني نبذةً عن القوى التي تزعم أنّها تُروّج لنظامٍ عالمي قائم على القواعد.

الكلمات مهمة، ولهذا تُبذل الكثير من الجهود لإخفاء الحقيقة؛ لأنّ الكلمات يُمكنها تغيير الرأي العام والسياسة.

والأهم هو عمل كافة الصحفيين من جميع أنحاء العالم، وخاصةً الصحفيين الشجعان، بما يكفي للتحقيق بشكلٍ مستقل ودون خوف، ووسط ظروفٍ تجعلهم هم أنفسهم عرضةً لأن يكونوا من ضحايا القوى التي يحققون في أمرها.

إذ لم يسبق في التاريخ أن كانت الفجوة بين الرأي السائد وبين الواقع واسعةً بالقدر الذي هي عليه اليوم، بحيث تقترب الأمور من نقطة الانهيار


Comments

comments

شاهد أيضاً

أحمد مفرح يكتب : محاكمة قتلة ريجيني في إيطاليا.. فماذا عن “ريجيني” الآخرين في مصر؟

من المألوف أن تَكتُب الديكتاتوريات العسكرية أهازيج الاستقرار الوهمية خلف سياج الخوف، وعلى أنغام نظريات …