ديمة طارق طهبوب

ديمة طارق طهبوب تكتب: رجلا من أهلها

شديد الإيحاء وكثيف العبر؛ حديث أبي ذر في فضل الشام، فالراوي ابتداءً ممدوح بشهادة نبوية ما نالها غيره، إذ قال صلى الله عليه وسلم «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر»، وكأننا بالمصطفى يختار الناقل والوعاء لحديثه شخصا تمثله في سلوكه لتحيا به المعاني قبل المباني ويكون درسا حيا وحديثا في شكل بشر يمشي به على الأرض بين الناس.

أما الحديث فهو “أَنَّ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا فَرَغَ مِنْ خِدْمَتِهِ آوَى إِلَى الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ لَيْلَةً فَوَجَدَ أَبَا ذَرٍّ نَائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَلا أَرَاكَ نَائِمًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَنَامُ هَلْ لِي مِنْ بَيْتٍ غَيْرُهُ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ قَالَ إِذَنْ أَلْحَقَ بِالشَّامِ فَإِنَّ الشَّامَ أَرْضُ الْهِجْرَةِ وَأَرْضُ الْمَحْشَرِ وَأَرْضُ الْأَنْبِيَاءِ فَأَكُونُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنَ الشَّامِ قَالَ إِذَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ فَيَكُونَ هُوَ بَيْتِي وَمَنْزِلِي. قَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَخْرَجُوكَ مِنْهُ الثَّانِيَةَ قَالَ إِذَنْ آخُذَ سَيْفِي فَأُقَاتِلَ عَنِّي حَتَّى أَمُوتَ”.

إن الحديث يُحمل على معان كثيرة؛ فبه استشراف وتربية وتوجيه ولكن لا ينتفع به ولا يحمل عبئه ولا يستحق شرفه إلا من تمثل شرط أبي ذر وهو”رجلا من أهلها”. لقد اختار أبو ذر هذه الصفة دون غيرها علما بمراميها, وكأن الرجولة هناك منبعها ومصنعها, فمستقبل الشام في صناعة الأحداث الفاصلة لا يحتمله إلا رجل قوي الشكيمة, وصبور النفس, واضح الغاية, لا يتأثر بإخراج أول ولا ثان, ولا يحيد عن يقينه حتى يأتيه اليقين إما بالنصر أو الشهادة.

والدلالة أن الرجولة صفة مكتسبة, أنه سبقها بفعل الكينونة، والمرء قد يكون أو لا يكون، وقد يربي ويحمل نفسه أن يكون وقد ينأى بنفسه عن ذلك وكأن في المعنى فائدة أخرى أن الرجال فقط هم الذين يتعلقون بالقضايا العظيمة في تلك الأرض (الهجرة والمحشر ورسالة الأنبياء).

وحتى فعل «فأكون» يوحي بالاستمرارية المستقبلية والتجدد, وكأن لا نهاية لأفعال الرجولة, وكأن لا ختام لدروسها, وكأن سيأتي كل يوم رجلٌ يضيف سطرا ومعنى جديدا في فعل الكينونة المستمر الذي لا يتوقف إلا بالموت. وصدق الحسن البصري إذ قال”المؤمن ما المؤمن! والله ما المؤمن بالذي يعمل شهرا أو شهرين، أو عاما أو عامين، لا والله ما جعل الله لمؤمن أجلا دون الموت”.

ثم تأتي صلة وجدانية في لطيفة مخبأة أخرى فبعد استحقاق شرف الرجولة وما يأتي معه من تكاليف تستحق جنسية ذلك المكان ويستحق الإنسان فيك ذلك التوطين الرفيع فتصبح «من أهلها» فإن للبلاد والأراضي أهلا تعرفهم ويعرفونها, ورحم الأرض كبيرة والمنتسبون إليها أهلٌ لهم برهم وصلتهم وحرمتهم، وليس بعيدا ذلك المثل الذي نتداوله فنقول «البلاد طلبت أهلها» وهذا الطلب هو ذلك الذي عبر عنه أحمد شوقي بقوله:

            وللأوطان في دم كل حر     يد سلفت ودين مستحق

هناك أماكن مخصوصة شرفها الله بالفضائل فاختار لها أهلا بمثل شرفها ومن كان يظن أن الرجولة في هذا المقام أمر سهل التحقيق وطريق قريب الوصول ودرب معبد باليسر فلينظر إلى وصف آخر لأولئك الرجال في الحديث المرفوع عن علي رضي الله عنه “إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ الْأَبْدَالُ يَكُونُونَ بِالشَّامِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلاً يُسْقَى بِهِمْ الْغَيْثُ وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَيُصْرَفُ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمْ الْعَذَابُ”.

وان صح العدد أو كان به ضعف فلقد علمتنا السياقات المتواترة من تاريخ البشرية والأديان أن الرجولة أمرٌ عزيز ومنزلة صعبة لا ينالها المرء بإدعاء ولا بولادة ولا تستقر إلا بعمل صادق مستمر؛ ولذا جاء الوصف متصلا في مكان آخر “رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه”, فالرجولة حالة صدق وجداني ووفاء بالعهود لرب العزة أولا.

المكان وأهله لا ينفكون يذكرون كل طامح إلى البعد وكل راكب لأجنحة الاغتراب أن لهذه الأرض جنسية لا تمنحها بلاد أخرى ومنافع لا يمتلكها مواطنون آخرون حول العالم: إنها جنسية الرجولة التي يرتفع سقفها وتزداد منافعها مع كل درس وكل تضحية يحترفها رجل جديد من أهلها فقط، فقط اثبت فيها أو في أكنافها مهما أخرجوك وأخرجوك ومهما كانت الأسباب فعندما تضيق أسباب الأرض تنفتح أسباب السماء وأنعِم بها من أسباب تأييد وعطاء لا محدود. أبو ذر يقول لنا: في الشام البيت والمنزل وهو ربيب الحرمين خير الأماكن, غير أن مستقبل منزل الرجال في الشام، وفي الشام فقط!

إذن، هل نعلق آمالا كبيرة على الرجولة أم نحمل الرجال فوق طاقتهم أم أن الأمر جليل فعلا؟!

خيار الرسول لأبي ذر, وفهم أبي ذر لدرس الرسول يحدد الصفات والمكان وكيفية التحقق والتحقيق لمن أراد الاعتبار من الرجال.

فأمعن النظر إن كنت تملك من صفات الرجولة، واحذر ما يقدح في رجولتك وينتقص منها فبعض الرجال في الموازين يعدلون قدر الانتصار.

شاهد أيضاً

د عز الدين الكومي يكتب : خيانة الأوطان و”العودة بخفي حنين”

تتلخص قصة هذا المثل العربي “عاد بخفي حنين” أن حُنَيناً هذا كان إسكافياً من أهل …