د أحمد أبوراشد يكتب :بوتين والتحولات التي مهدت للوصول إلى السلطة


حقبة من التحولات في الاتحاد السوفييتي ” السابق ” حققت إختراقات مهمة مهدت لوصول بوتين إلى السلطة في روسيا.

قال أحد علماء السياسة الروس : جاء ميخائيل غورباتشوف إلى الحكم في عام 1985 حاملاً معه دعوات الاصلاح السياسي والاقتصادي . وفي كتابه البيريسترويكا ” إعادة البناء ”  دعا إلى العلانية والشفافية وإلى إعادة بناء الإقتصاد وتطويره .

ومنذ إستلامه السلطة ” استناداً للوثائق الروسية ” ، قام بإقصاء الشخصيات القوية في المكتب السياسي للحزب الشيوعي ، وسلم القيادة الإيديولوجية لشخصية كانت مشبوهة بعلاقاتها الصهيونية ، وهو ألكسندر ياكوفليف . وأقال المئات من كبار الضباط في الجيش والمخابرات ، ومنهم وزير الدفاع .

طبقاً لصحيفة ” دين ” الروسية ، قام ميخائيل غورباتشوف وقتها بتجريد الحزب الشيوعي السوفييتي من أهم أسلحته الإيديولوجية ، وذلك عندما سلم الصحافة والإذاعة والتلفزيون إلى من يدعون الإصلاح .

وبعد فترة من التدريب في الغرب وخاصة في أمريكا ، عاد هؤلاء وتسلموا المراكز القيادية في وسائل الإعلام . وأخذوا يهاجمون الحزب الشيوعي والجيش وأجهزة الأمن والقطاع العام .

بعد ذلك أخذت تختفي من المحلات والأسواق ، البضائع والمواد التموينية والبرادات والغسلات والأدوات الكهرابائية والمعلبات والكثير من السلع محلية الصنع ، والتي كانت متوفرة بشكل دائم ، وأثار ذلك إحداث قلاقل وغضب عارم في المجتمع وظهور انتقادات للسلطة الحاكمة .

وتخلى غورباتشوف عن حلفائه ، وأخذ يقوم بالتنازل تلو الآخر في مجال السياسة الدولية ، وأجبر قادة دول حلف وارسو على التنحي وترك السلطة في بلادهم لأحزاب وحركات معادية للإشتراكية  ومدعومة من قبل المنظمات الصهيونية .

وفي آب عام 1991 م حدث إنقلاب ، جرى استغلاله من أجل تسليم السلطة إلى بوريس يلتسين ، وتكريس إنهيار الاتحاد السوفييتي .

نحي غورباتشوف عن السلطة بعد أن انتهى دوره ، وحل بدلاً منه بوريس يلتسن كرئيس لروسيا الإتحادية ، وأعلن رسمياً عن حل الإتحاد السوفييتي في إجتماع لرؤساء روسيا واوكرانيا وبيلاروسيا في منتجع ” بيلافيجسكايا بوشا ” في روسيا البيضاء .

 أعلن يلتسين عن اصلاحات جذرية في الإقتصاد الروسي ، حيث تم الاستيلاء على مدخرات الناس في بنوك الدولة ، وتمت عملية خصخصة ضخمة ، وبيع الشركات والمؤسسات الحكومية العملاقة بأسعار زهيدة ، من قبل حكومة ايغورغايدار ، وبإشراف اناتولي تشوبايس ، وجرى خلال ذلك بيع شركات التعدين والصناعات الثقيلة والخفيفة والشركات النفطية .

وفتحت البلاد أمام البضائع والمنتوجات الأجنبية ، وهو أمر أدى الى خنق الصناعة الوطنية ، التي  لم تستطيع الصمود في مجال الصناعات الخفيفة والغذائية .

وعلى الفور ظهرت شريحة رقيقة من الأغنياء وطبقة واسعة من الفقراء الروس ، وهو أمر أدى الى هزات إجتماعية واسعة في بداية حكم يلتسن .

ويؤكد عدد كبير من الباحثين في الشأن الروسي ، أن حكم يلتسين  منذ بدايته ساد عليه الطابع الصهيوني .

في مرحلة رئاسته الأولى ، اصطدم يلتسن مع مجلس السوفيت الأعلى لروسيا الإتحادية ( البرلمان ) ، وقام بحله وظهر برلمان جديد يسمى الدوما ، سيطرت عليه أغلبية شيوعية ، الا أنه لم يمتلك أية صلاحيات فعلية حسب الدستور الجديد الذي ركز السلطات بأكملها في يد رئيس الدولة .

كان أول ما أعلن عنه يلتسين  ” إستناداً للتقاريروالملفات الروسية ” هو العمل على إنتقال روسيا إلى ” إقتصاد السوق ” ، وبناء دولة ديمقراطية . ولكن يلتسن قام ببناء نظام سياسي ” غريب ” يجمع بين عناصر من الديمقراطية الموجهة والحكم الشخصي للعائلة المقربة من رأس الدولة . وقتها عمل على التخلص من البرلمان وقصفه بالدبابات ، ووضع دستور جديد يمنحه صلاحيات كبيرة وواسعة في مواجهة السلطة التشريعية ، واجراء انتخابات رئاسية ، امتزج فيها المال السياسي بالسلطة والتزوير ، من أجل الإستمرار في الحكم لولاية ثانية . وبعد ذلك قام يلتسن بنقل السلطة الرئاسية إلى ” فلاديمر بوتين ” ، من أجل الحفاظ عل النظام الذي أسسه .

استناداً للمصادر الروسية ، في تلك الفترة بالذات ، كان رجل روسيا القوي ، هو الجنرال ألكسندر كورجاكوف وهو ضابط استخبارات سابق ، كان مسؤولاً عن أمن بوريس يلتسين ، عندما كان عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي ، وعندما أصبح يلتسين رئيساً للدولة ، استلم كورجاكوف ادارة أمن الكرملين ، وكورجاكوف بالذات ، كما تؤكد بعض المصادر الروسية ، هو الذي أدخل اليهودي بوريس بيرزوفسكي إلى دائرة معارف يلتسين وعائلته .

بوريس بيرزوفسكي استاذ رياضيات يهودي ، استفاد في بداية التسعينيات من الانفتاح الإقتصادي ، قام بتأسيس شركة ” لادا ” لبيع السيارات ومع دخوله الى حلقة أصدقاء عائلة يلتسين وخصوصاً ابنته ” تاتيانا دياتشينكو” ، أصبح الرجل الأقوى على الساحة السياسية الروسية ، وفيما بعد استولى على شركات ضخمة أهمها قناة التلفزيون الفيدرالية الأولى .

عن طريق بيرزوفسكي دخل الى حلقة أصدقاء يلتسن ، الميلياردير اليهودي رومان أبراموفيتش ، وهو لايزال حتى الان من أغنى أغنياء روسيا وكان صاحب شركة ” سيب نفط ” الروسية ، ونادي تشيلز الإنكليزي لكرة القدم . وهناك يهودي ثالث صعد نجمه في التسعينيات ، وحاز شهرة واسعة في روسيا ، وهو فلاديمر غوسينسكي ، الذي كان صاحب مجموعة ” موست ” المالية وقناة ” إن تي في ” التلفزيونية الشهيرة .

في عام 1996 هبطت شعبية بوريس يلتسين ووصلت إلى الحضيض ، وكان من المحتمل جداً ، كما أفادت التقارير الروسية ، أن يخسر الإنتخابات الرئاسية ، التي كانت مقررة في تلك السنة . إلا أن الإصلاحيين بقيادة تشوبايس ، أصروا على دخوله الإنتخابات ، ومن جراء ذلك ، وفقاً للمصادر الروسية ، حصل صراع في الكرملين بين الجنرال كورجاكوف وعائلة يلتسين وأنصاره ، وعلى رأسهم بوريس بيرزوفسكي ، فقد خلاله كورجاكوف منصبه ، واستطاع تشوبايس بدعم وتمويل من خارج روسيا ، تنظيم حملة إنتخابية ضخمة ، إستخدمت فيها كل الوسائل الشرعية وغير الشرعية ، ونتيجة لذلك ، فاز بوريس يلتسين بفترة رئاسية جديدة .

في العام نفسه ، أجريت للرئيس بوريس يلتسين عملية جراحية معقدة في القلب ، أصبح بعدها فعلياً عاجزاً عن العمل ، وأخذ بيرزوفسكي يدير روسيا عملياً ، وفي هذه الفترة انتشرت الرشوة وعم الفساد بشكل لم يكن يعرف من قبل ، وتمت السيطرة على ماتبقى من أملاك الدولة الروسية .

في خريف عام 1998 حدثت في روسيا أزمة إقتصادية حادة وتدهور سعر صرف الروبل أمام الدولار ، وأفلست عشرات البنوك والمؤسسات المالية الضخمة ، وفقد الناس مدخراتهم من جديد ، وإضطر بوريس يلتسين إلى تعين يفغيني بريماكوف رئيساً للوزراء ، الذي كما يقول الخبراء : استطاع خلال فترة وجيزة جداً ، إعادة التوازن إلى الحياة الإقتصادية ، وبدأ محاولات مستميتة لاعادة روسيا إلى مكانها القيادي في الحياة الدولية ، وأصبح الموقف الروسي يتميز عن الموقف الأمريكي لأول مرة منذ سنوات عديدة .

عمل بريماكوف على مكافحة الفساد والرشوة ، وعمليات الإختلاس الكبيرة ، والإنفلات الأمني ، وحاز شعبية واسعة في الأوساط الجماهيرية ، وبدأت النيابة العامة الروسية في ملاحقة المختلسين لأموال الدولة .

هذا الأمر ، لم يعجب بيرزوفسكي وشلته من ” الأوليغارشيين ” السبعة ، الذين كانوا يسيطرون على الأموال وعلى مراكز القوى ووسائل الإعلام الروسية ، وبدأت حملة إعلامية واسعة وقذرة ضد بريماكوف ، في الصحافة والتلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى ، التي كانت تقع تحت سيطرتهم . وقام يلتسين بضغط من هؤلاء ، بإقالته وتعين فلاديمر بوتين رئيساً للوزراء ، وقتها كان مدير جهاز الأمن الروسي ، حيث تشير التقارير الروسية ، إلى أن بوتين أبدى حكمة  فائقة خلال عمله لرئيس الوزراء ، فلم يصطدم مع مراكز القوى المسيطرة على رأس المال وعلى الإعلام ، وقام بجهد فائق لمنع إنتشار الحرب الإنفصالية في القفقاز ، وانتشارها إلى جمهوريات ومقاطعات روسية أخرى .

أجبر الوضع الصحي بوريس يلتسين على التنحي عن السلطة ” للوريث ” فلاديمر بوتين ، وبعد فترة من الزمن ، قام أنصار يلتسين وعلى رأسهم بيرزوفسكي ، بإجراء انتخابات رئاسية عامة فاز بها بوتين ، وحصل على شعبية واسعة وحقيقية لأول مرة في روسيا .

قال أحد المعلقين الروس : لقد شاهد الناس فيه الأمل في إنقاذ روسيا من الإنهيار والدمار ،

فإصلاحات السوق والنتائج السلبية التي نتجت عنها ، انتهت بأزمة سياسية وإقتصادية ، جعلت الروس يهللون للزعيم الجديد ، صاحب القبضة القوية .

قام بوتين بالعمل على تحديث الجيش وتمويله وتزويده بالمعدات الحديثة ، وأخذت القوات المسلحة الروسية ، ولأول مرة بعد انهيار الإتحاد السوفييتي ، تقوم بالمناورات العسكرية ، في البحر والجو والبر ، واستطاع الجيش الروسي خلال فترة قصيرة من حكم بوتين ، أن يعيد جمهورية الشيشان إلى الدولة الروسية ، وعلى الفور إنقلب بيرزوفسكي وغوسينسكي ضد بوتين ، لأنهما ” طبقاً لبعض المصادر الروسية ” كانا مستفيدان من الحرب الشيشانية ، عن طريق بيع السلاح وغسل الأموال القذرة ، وقتها قامت وسائل الإعلام التي يسيطران عليها ، بحملة لامثيل لها عليه .

تمت ملاحقة غوسينسكي قانونياً لاختلاسه أموال الدولة وتهربه من دفع الضرائب ، واضطر الى استخدام جنسيته الاسرائيلية واللجوء الى أوروبا هرباً من القضاء الروسي .

أما بيرزوفسكي فقد اتهم بالضلوع باختلاسات وقضايا رشاوي في شركة الايرفلوت الحكومية ، وأدى ذلك الى ملاحقته من قبل الدولة الروسية قانونياً ، وهرب إلى انكلترا واستقر فيها حتى وفاته ، واستعادت الدولة من جديد سيطرتها على القناة الفيدرالية الأولى للتلفزيون .

قامت الدولة بملاحقة ماتبقى من ” الاوليغارشيين ” السبعة ، المتهربين من دفع الضرائب ، وأكبر القضايا في هذا المجال كانت قضية شركة ” يوكوس” النفطية .

اتهمت الدولة شركة ” يوكوس” بالتملص من دفع الضرائب ولاحقتها قانونياً ، وقامت بسجن مؤسسها ” خودركوفسكي ” ، وتم بيع حقول ” يوغان نفط غاز ” العائدة لهذه الشركة بالمزاد العلني ، واشترتها شركة النفط الحكومية ” روس نيفط ” . على هذا الشكل تخلصت الدولة الروسية من طواغيت المال ، الذين تمكنوا في بداية التسعينيات من الإستيلاء على الممتلاكات الحكومية البالغ سعرها مليارات عديدة من الدولارات ، بأثمان بخسة وبوسائل ماكرة .

الخطوة الاهم التي قام بها بوتين ، كما يرى الخبراء ، هي خطته لإصلاح السلطة التنفيذية في روسيا ، والتي على أساسها تم تقسيم روسيا الى مناطق اعتماداً على الأسس الجغرافية ، ولم يعد حكام الجمهوريات ذات الحكم الذاتي وحكام المقاطعات ينتخبون بشكل مباشر من الشعب ، بل أصبح انتخابهم يتم ضمن نطاق مجالس الادارة المحلية ، وبترشيح من رئيس الدولة . هذا الاجراء برأي البعض الاخر من الخبراء ، دعم وحدة أراضي روسيا وأبعدعنها خطر النزعات الإنفصالية . وخلال السنوات الأخيرة ، عمل الرئيس بوتين على تقوية سلطته الشخصية ، من خلال تقوية السلطة المركزية في مواجهة الأطراف المكونة للإتحاد الفيدرالي الروسي ، ومن خلال السيطرة على طواغيت المال ” الأوليغارشية ” ووسائل الإعلام ، والسيطرة على النظامين الإنتخابي والحزبي في روسيا .

وعمل على ترسيخ نموذج خاص من الديمقراطية ، لهذا السبب ، كما يرى عدد كبير من المحللين الغربيين ، لم يحظى الشعب الروسي بحكم ديمقراطي ، على غرار بقية دول أوروبا الشرقية ، التي إنتقلت الى النظام الديمقراطي الحقيقي ، وبرأيهم أكبر دليل على ذلك ، مسرحية ” تداول السلطة ” ، خاصة الرئاسية ، ضمن الدائرة الضيقة التي تقود الحكم في روسيا .


Comments

comments

شاهد أيضاً

عامر شماخ يكتب:«الإسلاموفوبيا»: النسخة العربية

«الإسلاموفوبيا» تعنى الخوف والتهديد من الإسلام من دون مبرر، يأتى «الإسلاموفوبى» على أثر ذلك بسلوكات …