د. أسامة الرفاعي يكتب: أخطر ما في مبادرة حمزاوي: 5 رسائل

بداية أرجو أن لا تفسر أي كلمة مما سيأتي في هذا المقال، بشكل سلبي عن الدكتور عمرو حمزاوي، فهو – في قناعتي- من أنظف الشخصيات السياسية والأكاديمية الموجودة على الساحة المصرية.

وفي السطور التالية قراءة في مبادرة د. عمرو حمزاوي، التي طرحها عبر جريدة “واشنطون بوست”، بالاشتراك مع مايكل ماكفول، وهو مستشار سابق للرئيس الأمريكي باراك أوباما، في مجلس الأمن القومي، وسفير سابق لأمريكا لدى روسيا.

وفي رأيي أن أخطر ما جاء في مبادرة حمزاوي – ماكفول، ليست بنود المبادرة نفسها؛ ولكن الرسائل والاستنتاجات الخطيرة التي وردت بين السطور. ومع ذلك فلا بأس من عرض سريع لبنود هذه المبادرة:

هامش من الحرية وإلا سيسقط النظام

الجملة السابقة هي ملخص المبادرة، التي جاءت في البنود التالية:

أولا: على النظام الحاكم في مصر إطلاق سراح عشرات الآلاف من المعتقلين

ثانيا: على النظام أن يؤسس لمرحلة جديدة من “العدالة الانتقالية”، بإلغاء القوانين المقيدة للحريات، وتكوين مفوضية “الحقيقة والمصالحة”، وإصلاح الأجهزة الأمنية.

ثالثا: أن يسمح النظام لجميع اللاعبين السياسيين بالمشاركة في العملية السياسية، بشرط نبذهم للعنف والكراهية.

رابعا: إجراء إنتخابات برلمانية في وقت لاحق، ليس بالبعيد نسبيا.

لن أخوض في مناقشة بنود المبادرة هنا، ولكني سأعرض للرسائل الخطيرة الواردة بين السطور:

(1) إلى السادة أولياء الأمور

رغم أن عنوان المبادرة: كيف ننقذ مصر؟، إلا أنها ليست موجهة مباشرة لأي طرف مصري، لا حكومة ولا معارضة؛ ولكنها – في جوهرها- مقدمة للإدارة الأمريكية، والغرب عموما.

ويتجلى هذا بوضوح في مقدمة المبادرة التي ناقشت المنطق السائد لدى معظم الحكومات الغربية، والذي يفضل دعم الديكتاتوريات العربية من أجل “الاستقرار” على دعم “الديموقراطية”. وقد بينت المقدمة خطأ هذه المنطق، رغم ما قد يحققه من مكاسب على المدى القصير.

ولا أريد أن يتوهم القاريء، أني أتهم الدكتور حمزاوي، بأنه أخطأ العنوان، عندما يوجه رسائله إلى الإدارة الأمريكية، فهم أولياء أمور هذا النظام، وأمريكا وحدها هي القادرة على دفعه لقبول مبادرة كهذه، أو رفضها.

وعلى أية حال فروح المبادرة ليست جديدة على الإدراة الأمريكية، بل يقال إن هناك أقلية هامشية في وزارة الخارجية الأمريكية تتبنى مثل هذا الطرح.

(2) لا تفرطوا في التفائل بمستقبل النظام

وردت في مقدمة المبادرة إشارة واضحة – وجريئة – إلى أن (النموذج المصري) يُحتفى به في بعض الدوائر الغربية، كنموذج مثالي لاستعادة الديكتاتورية بنجاح، وإبعاد شبح الديموقراطية عن المنطقة ولكن يحاول الكاتبان كبح جماح هذا التفاؤل المفرط بنظام السيسي.

فعلى عكس ما يبدو للحكومات الغربية، فإن نظام السيسي، الذي جاء بعد انقلاب عسكري، ليس مستقرا إطلاقا، ولن يتحقق له الاستقرار على المدى الطويل.

ولأنه يعتمد فقط على أدوات القمع والقتل والاعتقال، فإن النظام يقدم الوصفة السحرية لمزيد من التطرف والراديكالية.

في الفقرة الختامية، يقول الكاتبان: إن اختيار “عدم الفعل” في أهم بلدان العالم العربي، يعني ضمان مزيد من العنف والتطرف، والذي سيؤدي حتما إلى انهيار الدولة.

ويعلم الكاتبان جيدا، أن القضاء على التطرف، ليس من أهداف نظام سلطوي، يستمد شرعية بقائه الوحيدة (عند الغرب) من أنه يحارب الإرهاب والتطرف، ولذلك فهما أذكى من أن يوجها له مثل هذا الخطاب، ولكنه موجه إلى من يعنيهم الأمر في الغرب.

(3) النظام فاقد للشرعية وعوامل البقاء

نظام السيسي يفتقد لمصادر الشرعية، التي كانت كفيلة بمنح الاستقرار للأنظمة السلطوية عبر التاريخ، وفي أماكن مختلفة من العالم, وتتلخص هذه العوامل في قدرة النظام على تحقيق نمو اقتصادي مستدام، أو اعتماده على ملكية وراثية، أو ارتكازه على أيديولوجية معينة.

(4) إصلاح النظام أو السقوط

هذا النظام سيسقط إذا لم يتم إجراء الإصلاحات المقترحة، وعلى النظام وداعميه في الخارج تبني “إستراتيجية جديدة” لبناء شرعية للنظام، هكذا قدم حمزاوي- ماكفول لبنود المبادرة.

وفي سياق آخر, وصفا المبادرة، بأنها االسبيل الوحيد الكفيل بالحفاظ على بقاء النظام, وإلا فإن البديل مزيد من الفشل والعنف والتطرف.

(5) لا مكان للثورة

يبدو من روح المبادرة أنه لا مكان للثورة، لا في الماضي ولا المستقبل. فالمبادرة تأتي في إطار الإصلاح من داخل النظام، والاعتماد على النظام فقط في تحقيق بنودها.

وعلى معارضي النظام الدخول في العملية السياسية تحت عباءة النظام. هذا طبعا عندما يتكرم النظام بالسماح لهم. وبذلك؛ فهم يقدمون للنظام ما يحتاجه من “شرعية” من أجل البقاء، ويستطيعون من خلال ذلك تحسين ظروف حقوق الإنسان. وتتوقع المبادرة أن هذه الممارسة سترسخ النظام الديموقراطي على المدى الطويل، ويمكن ساعتها الحديث عن تبادل السلطة.

وبغض النظر عن بنود المبادرة وصياغتها، وما إذا كانت ستنتهي إلى لا شيء، فإن المبادرات السياسية، تعد عملا عظيما في حالة مثل التي تعيشها مصر، ومن يقدمها فهو مجتهد وليس متآمر. وما أسهل الرفض والقبول.

Comments

comments

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : اعتذار متأخر للقرضاوي

هناك، في الصفّ الأول، على يمين خطيب المنبر، يجلس الإمام العالم الفقيه الدكتور يوسف القرضاوي، …