د. أسامة الرفاعي يكتب: كيف يهدد الإخوان بقـاء النظــام؟

نشرت جريدة “فورن بوليسي” في عددها الصادر بتاريخ 22 يناير 2016، تقريرا بعنوان: نظام السيسي المتصدع (Sisi’s Fracturing Regime)، ولو تجاوزنا الترجمة الحرفية فإن معنى هذا العنوان هو: “نظام السيسي يتصدع من الداخل”. وكاتب المقال هو ايرك تراجر الباحث بمعهد واشنطون لسياسات الشرق الأدنى.

(1)

وحتى نفهم ما جاء في العنوان، يجب أن نعود إلى الأساس الذي بنى عليه الباحث وجهة نظره. فخلال العامين ونصف عام الماضيين، استطاع النظام الحاكم، تكوين تحالف عجيب ومتناقض (سمك – لبن – تمر – هندي)؛ كان القاسم المشترك الوحيد بين مكوناته هو مجرد: كره الإخوان المسلمين.

ضم تحالف 3 يوليو، إضافة إلى رجال مبارك والحزب الوطني، والذين كونوا العمود الفقري له، مجموعاتٍ نخبوية من علمانيين، وقوميين، ويساريين؛ ومجموعات ثورية، وشبابيه مثل حركة 6 إبريل، واشتراكيين، وليبراليين، بل وحتى إسلاميين من فرقة برهامي. وكل هؤلاء لم يكن لهم هدف من وضع أيديهم في يد بعض إلا “إقصاء الإخوان” من الحكم، أو من الحياه تماما.

ففي وجود الإخوان، لن يستطيع السياسيون، والثوريون، أن يلعبوا سياسة، ويصلوا إلى الحكم؛ لأن الإخوان يكتسحون أي انتخابات تجرى في بر مصر.

وهذا بالتحديد ما دفع رجلا مثل محمد البرادعي العلماني المدني المستغرب، لوضع يده في يد زعامات دينية أزهرية وكنسية وسلفية برهامية، وقيادات عسكرية فاشية ورجعية، ومجموعات فلولية سلطوية وقبلية.

ولعل السبب الحقيقي في النقطة السابقة، هو أن الإخوان قضوا على حلم هؤلاء (المشروع طبعا) في الوصول إلى كراسي الحكم. ولم يتركوا لهم هامشا مناسبا للمشاركة في الحكم بعد الثورة. والحق –أيضا –: لو أن هؤلاء، قد صبروا قليلا على العملية الديموقراطية، فربما كان الشعب سيختارهم يوما، ذلك بعد أن ينتهي حكم الإخوان بطريقة شرعية وديموقراطية، فمشاكل مصر لا تنتهي، وكان الشعب سيجرب كل من على الساحة تقريبا، ولكن في وجود نظام ديموقراطي مستقر، دون الحاحة إلى سفك الدماء.

(2)

نعود إلى التحالف الجهنمي، الذي وصل إلى الحكم في 3 يوليو، وبالتحديد إلى عموده الفقري؛ وهو رجال أعمال مبارك. فهؤلاء لم تكن لهم مشكلة مع الإخوان على السلطة نفسها، ولكن مشكلتهم الحقيقية أن الإخوان لم يكونوا ليسمحوا لهم بالسرقة، فضلا عن أنهم كانوا يهددون، وبطريقة مهذبة –بين الحين و الآخر- بالمحاسبة، على ما تم نهبه أيام مبارك (ضرائب ساويرس كمثال).

كل هذه العوامل كانت كفيلة بـ (لم الشامي على المغربي)، من أجل القضاء على العدو المشترك والتخلص منه؛ حتى يخلوا الجو لمن أراد السلطة، ومن أراد المال. وبالفعل؛ فقد سارت الخطة كما هو مرسوم لها؛ فوصل إلى السلطة من وصل؛ دون تعب أو عناء، أو حتى برنامج انتخابي.

أما من نهب المال فقالوا له: حلال عليك…براءة. وأحيانا طلبوا منه أن يدفع – شيئًا يسيرًا، على ما قسم – كتبرع- لصندوق تحيا مصر، من باب: نفع واستنفع.

(3)

إن جملة “خطر الإخوان”: كانت كلمة السر، التي تعمل كالغراء، الذي يربط قطع “البازل” في تحالف المصالح ببعضها البعض, والذي يجب من أجله، أن يتغاضى أطراف هذا التحالف غير المتجانس عن خلافاتهم، وأن يصبروا على تحقيق مكاسبهم حتى إزالة الخطر، الذي يهدد مصالحهم جميعا.

كان “خطر الإخوان” بمثابة الخيط الذي يجمع حبات هذا العقد.

ولك أن تتخيل، كيف حال العقد، لو قطعت الخيط، الذي يربط حباته؟ هل تبقى منه حبة بجوار أخرى؟

ليست المشكلة في أن التحالف الذي كونه نظام 3 يوليو، قد انفض من حوله؛ فهو أصلا لم يكن ليعبأ بوجود الثوريين، والليبراليين، والعلمانيين، والقومجيين حوله. ولم يكن لهم قيمة عنده؛ اللهم إلا مجرد ديكور مدني مزركش لانقلاب عسكري دموي. فتفكك تحالف 3 يوليو الديكوري والكرتوني، لم يكن ليهدد النظام، إطلاقا.

فأين الخطر إذن؟!

(4)

هنا نستدعي مقال “فورن بوليسي”، الذي اعتمد في تحليله على التفكك داخل عنصرين أساسيين لنظام 3 يوليو؛ وهما رجال الأعمال والمؤسسات الأمنية.

فالصراع مع رجال الأعمال، بدأ مع اعتقال رجل الأعمال صلاح دياب (المقرب من واشنطون)، ثم الضغوط على ساويرس وغيره، ولعل أزمة الدولار الحالية ليست بعيدة عن هذا الصراع.

أما المؤسسات الأمنية، فقد أصبح الصراع بينها محموما، على النفوذ والسلطة، في داخل دوائر النظام. وأشار الباحث إلى سعي جهاز المخابرات العامة – مثلا- للسيطرة على البرلمان وتشكيله، في سياق تنافسه مع جهاز المخابرات الحربية على النفوذ. وكذلك الشرطة؛ فهي ليست غائبة عن هذا الصراع بأي حال. و لعلنا نذكر أنه قد تم السماح للشرطة أخيرا، بأن تنشيء شركات استثمارية، لتنافس بذلك الشركات الاستثمارية المملوكة للجيش والمخابرات.

لم تكن المشاكل بين مكونات النظام لتطفوا إلى السطح إذا ظل “خطر الإخوان” قائما، كما كان بعد 3 يوليو مباشرة. فغياب خطر الإخوان –و لو إلى حين- عن ساحة الصراع، يمنح أجهزة الدولة، ومراكز القوى المختلفة، شعورًا بالإنجاز، وشعورا أقوى بالرغبة في جمع الغنائم.

(5)

إن أصدق مثال للمشهد العبثي لبقايا الدولة المصرية، هو أن “أمين الشرطة”  الذي يمثل آخر شخص في هرم السلطة؛ قد أصبح كالثور الهائج، الذي يجري وراء الفريسة. فهو الآخر يريد أن يأخذ قطعة من تورتة الانتصار على الإخوان. فإن لم يترك له الكبار شيئًا ليأخذه، فلا أقل من أن لا يحاكموه على أي شيء يفعله؛ تحت شعار: “ما فيش حاتم يتحاكم”.

أما الشعب فيقول: لقد علقتم كل فشلكم على شماعة الإخوان لأكثر من عامين، ونحن صامتون، فهل حان وقت الحساب؟!

Comments

comments

شاهد أيضاً

حافظ المرازي يكتب : بعد غياب 70 عامًا: هل تستعيد مصر الديمقراطية بالملكية؟

في القاهرة، يوم 18 يونيو/ حزيران 1953، وبعد نحو أسبوعين فقط من تتويج إليزابيث الثانية …