د. أسامة الرفاعي يكتب: ماذا يفعل المرضى عندما يصرخ الأطباء من الألم؟

صرخة مدوية أطلقها أطباء مصر يوم الجمعة الماضي، في وقتٍ أصبح الكل يتألم، دون أن يجرأ أحد على الشكوى. وصار شعار الكثيرين: تألم دون أن تتكلم.

لقد طال الصمت على الظلم و القهر، وكأن ميادين القاهرة لم تعرف يوما، مليونيات كل أسبوع، بسبب وبدون سبب. لقد طال الصمت حتى ظننا أن عامين ونصف العام من الحرية كانت مجرد كذبة، وأن ثورة يناير كانت مجرد حلم أفقنا منه على كابوس مخيف.

لقد طال الصمت حتى ظن الجلاد أن الضحية قد ماتت، رغم ما يراه من دمائها النازفة، وكأنه يقول: ما لجرح بميت إيلام.

لقد تقيحت الجروح، وامتلأت دماً، وقيحاً، وصديداً، وصارت رائحتها تزكم الأنوف. تجرأ الأطباء إذن على الصراخ، والشكوى بصوتٍ عال.

وقال البعض إن كل هذا مدبر، ومخطط، ومتفق عليه بين النظام وأعضاء النقابة. واستدلوا بذلك على حرص نقابة الأطباء على التأكيد على أن اجتماعها لا يحمل أي صبغة سياسية, وكذلك حرص النقابة على تجاهل قضايا العشرات إن لم يكن المئات من الأطباء المعتقلين.

ويبدو أن أصحاب هذا الطرح لا يدركون أن النظام الحالي أضعف من أن يسمح لصوت واحد أن يتظاهر ضده، فما بالك بعشرة آلاف، ويزيد من الأطباء.

وقال آخرون إن الأطباء قاموا بحركة ثورية قوية، وإنه كان يوما من أيام ثورة يناير. والحق أن هذا تحميل للأمر أكثر مما يحتمل. وإن كانت ثورة يناير هي مصدر إلهام لأي معركة من أجل الكرامة الإنسانية، إلا أن الأطباء يصارعون فقط من أجل الكرامة المهنية, وهو هدف نبيل، وطيب في حد ذاته، وكفى.

فكم هو مؤلم أن ترى الطبيب يصرخ، لا لشيء إلا لأن ينال حقه الطبيعي في خدمة المرضى، دون أن يعتدي عليه بلطجية النظام؟

وهل تتخيل أن الطبيب في مكان في العالم يعمل تحت تهديد السلاح؟ هذا لم نراه إلا في أفلام حرب العصابات. وهل يحدث هذا في أبعد الغابات الاستوائية؛ بين الحيوانات المفترسة، حيث لا دولة ولا قانون ولا شريعة؛ إلا قانون القوة، وشريعة الغاب؟

وإن لم يكن لحراك الأطباء هدف، إلا مجرد تحقيق مطالبهم في محاسبة من يعتدي عليهم أثناء تأدية عملهم، وضمان ما يكفل لهم تأدية واجبات مهنتهم بكرامة، لكفى.

حراك الأطباء ياسادة ليس ثورة، ولن يؤدي إلى ثورة، ومن المضر بالأطباء وبالمجتمع ككل، تحميل حراك الأطباء ما لا يحتمل، وتوصيفه كثورة أو مقدمة لثورة. فلقد ذهب البعض بعيدا في توصيف أعضاء النقابة ونقيبها، بأنهم “قادة ثوريون” قادرون على قيادة ثورة، ومؤهلون لذلك. وذهب آخرون إلى أن قادة النقابة ذهبوا بالفعل في اتجاه عمل ثورة جديدة، وقدموا مطالب ثورية، سيصعدون بعدها لإزالة النظام. وهذا من العجائب، التي تذكر بالمثل القائل: “الجوعان يحلم بسوق العيش”.

سينجح أعضاء نقابة الأطباء، إذا حققوا للأطباء مطالبهم، وانتزعوا حقوقهم وفقط. وليتهم يواصلون المشوار الشاق، ويثبتون على الطريق.

وليت كل النقابات المهنية والعمالية، تنتفض ضد الظلم الذي يقع على أفرادها، وتأخذ لهم حقوقهم، وتحافظ عليها.

فالحراك المدني والعمالي، دليل على قوة المجتمع وحيويته، خصوصا في ظل دولة عسكرية، لا تحترم إلا من يعمل في الأجهزه الأمنية والعسكرية, وتحقر أي مدني، وتنتهك حقوقه. والحراك الحقوقي والنقابي والعمالي، مهم على المدى الطويل لتحرر البلاد من الظلم والطغيان، ولكنه لن يحقق ذلك بأدواته وشخوصه.

فلن تتحقق الحرية الكاملة، ولن يُرفع الظلم العام، إلا عندما يتحرك “تيار واسع” من المجتمع بكل طوائفه ومكوناته، السياسية والاجتماعية، من أجل استكمال مشوار ثورة 25 يناير.

وأخيرا، فالإجابة على سؤال: ماذا يفعل المرضى عندما يصرخ الأطباء من الألم؟

هي: لن يصرخ المرضى ولكنهم سينفجرون من الألم والغضب.

وسيتحقق هذا فقط عندما نتعالى على أمراضنا النفسية، والاجتماعية، ونتعاطف مع المظلومين دون تمييز. وعندما نغضب “للزبال” كما نغضب “للدكتور”، و”للمعلم” كما نغضب “للصحفي”، و”للمغمور” كما نغضب “للمشهور”، و”للإسلامي” كما نغضب “للعلماني”، و”للمسيحي” كما نغضب “للمسلم”.

وحتى يحتقق كل هذا، فأمامنا وقت يجب أن نتخلص فيه من خناقات الماضي، وخلافات المستقبل ونتفرغ بعدها، لاستعادة الحرية.

 

Comments

comments

شاهد أيضاً

د عزالدين الكومي يكتب : العودة الآمنة والمبادرة المشبوهة

طرح رئيس حزب الإصلاح والتنمية “محمد أنور السادات” دعوة مشبوهة يلفها الغموض للمصريين المعارضين بالخارج …