د. أكرم كساب يكتب: علمتني رابعة

“رابعة” مدرسة… نعم مدرسة رائعة… مدرسة من نوع فريد, في مناهجها، وفي روادها، فريدة في زمانها, فريدة في شهدائها, فريدة في كل شيء.

مدرسة تتلمذ فيها الصغير والكبير، والجاهل والمتعلم، والرجل والمرأة، والمسلم والمسيحي.

ولأني واحد ممن تعلم وتخرج من رابعة، فها أنا أذكر بعض ما تعلمته فيها:

علمتني رابعة أن أطهر الناس قلبا وأنقى الناس أفئدة، وأفضل الناس عطاء للوطن هم الإسلاميون، الذين يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع.

علمتني رابعة أن المعدن الأصيل يظهر في الشدائد، وأن هذا المعدن ليس قاصرا على الإسلاميين؛ بل فيهم كما في غيرهم، وكم من يساري كان موقفه في رابعة خير من موقف ذي لحية منقلب، وكم من متبرجة كان موقفها من القتلى والجرحى خير من ذات نقاب.

علمتني رابعة أن الناس كما أنهم على دين ملوكهم فهم كذلك على دين إعلامهم، فإن فسق الإعلام أوشك الفسق أن يعم الناس، وإن فجر الإعلاميون أوشك الفجر أن يعم الناس، وما صورة عكاشة ولميس وخيري ووائل عنا ببعيد.

علمتني رابعة أن أسوأ الغابات هي غابات البشر، إنها تلك الغابات التي يأكل فيها القوي الضعيف، ويحرق فيها الجيش أبناء الشعب دون شفقة أو رحمة، حين يستحل المجرم القتل دون منفعة أو مصلحة, وإنما هو يتلذذ من اجل القتل.

علمتني رابعة أن الشجاعة ليست قاصرة على فئة بعينها، لكنها معدن نفيس تراها في المرأة العجوز والشيخ الكبير والطفل الصغير.

علمتني رابعة أن الحذِر لا ينجو من قدرٍ قدره الله، وأن صاحب العمر يعيش مهما تكالبت عليه مخالب الموت، فكم من أناس ماتوا بعد عودتهم من رابعة { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ }(النساء: 87)، وكم من أناس أحاط بهم الموت في رابعة والنهضة من كل مكان لكن لما قدر الله لهم الحياة بقوا (لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها).

علمتني رابعة أن من خان المؤتمِن لا يُؤتمن، ومن كذب ودلس على الرعية لن يصلح له مستقبل، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}(يونس: 81).

علمتني رابعة أن السكوت عند سفك الدماء جريمة، والتواري في مواقف الشجاعة خيانة، والبعد عن ساحة المعركة وقت الحاجة كالتولي من الزحف, وأن الحياد عند وضوح القاتل ومعرفة المظلوم المقتول هو مشاركة في الظلم والقتل.

علمتني رابعة أن القاتل قاتل، والمفوض قاتل، والمحرض قاتل، والمؤيد قاتل، والمباشر للقتل قاتل، والراضي بهذا أو ذاك قاتل.

علمتني رابعة أن الأصوات الحنجورية التي غرتها صيحات الشباب المتحمس، هي مع الشباب ما وجدت مكانا لها، وأمنت على نفسها، فإذا قضي الأمر تبرأت من كل شيء وكأنها لم تكن متحمسة ولا حاضرة.

علمتني رابعة فقه الأولويات فالوقوف في الميادين في مواجهة الظلمة خير من صيام نافلة وقيام ليل.

علمتني رابعة أن الغرب غربٌ والشرق شرقٌ؛ فالغرب لا يريد إلا شرقا ذليلا تابعا، لا يريده إلا ليبراليا علمانيا محاربا للإسلام.

علمتني رابعة أن الديمقراطية التي تأتي بغير الإسلاميين بغية الغرب، أما الديمقراطية التي تأتي بالإسلاميين فتلك إذا نتيجة (ضيزى) غير مقبولة.

علمتني رابعة أن بعض الشيوخ وبعض العمم يعلو صوتها ما أمنت على نفسها وتحققت سلامتها، ولكن حين يجدّ الجدّ وتأتي التكاليف فأفضل الطرق (عليك نفسك) و (أسمع وأطع وإن جلد ظهرك وأخذ مالك) بحق وبغير حق.

علمتني رابعة أن فساد الناس ليس في إعلام ماجن، وفن هابط وحسب، لكنه كذلك في عمة مزيفة يرتديها مرتزق، ولحية طويلة يروج صاحبها لمغتصب غاشم..

علمتني رابعة أنه لا دولة بغير دين، ولا دين بغير دولة، فإما أن ترفع المصحف شعارا، وإما أن يكون الصليب حاضرا، والكنيسة لك بالمرصاد.

علمتني رابعة أنه لا دعوة بغير قوة، وأن القوة ليست مجرد سلاح يرفع، بل القوة قوة علمية وقوة شعبية وقوة إعلامية، وقوة عددية، كما أنها قوة ساعد وإخوة وعقيدة.

علمتني رابعة أن العقيدة ليس متونًا تحفظ، وأن التضحية للدين ليست مجرد كلام ينمق، وأن بعض من أكثروا الحديث عن الولاء والبراء لو ظهر ابن تيمية او ابن حنبل أو الطحاوي لبصقوا في وجوههم.

علمتني رابعة أن النصر ليس في تولي سدة الحكم، ولكن النصر في الثبات على المبدأ، والتضحية من أجل القيم، وأن أصحاب الأخدود ليس مجرد قصة مضت لكنها تتكرر في كل زمن يكثر فيه الطغاة، ولحظتها يقابل الطغيان غلام العقيدة وكل صاحب تضحية وفداء.

علمتني رابعة أن الجعجعة لا تصنع نصرا، ولا تفتح حصنا، ولا ترد عدوا، ولكن الذي يصنع النصر توكل حقيقي، يصاحبه الأخذ بالأسباب.

شاهد أيضاً

عز الدين الكومي يكتب : “علقم في حلق كل صهيوني”

رحم الله الشهيد خيري علقم الذي هزم الصهاينة عسكرياً ونفسياً وأخلاقياً ، وأذاقهم العلقم وأظهر …