د. أيمن منصور ندا يكتب : مصر بين “إعلام الفقر” و”فقر الإعلام”؟


في تاريخ الفلسفة، كانت هناك مباراة فكرية رائعة بين “جوزيف برودون” و”كارل ماركس” حول الفقر.. كان “برودون” (1809- 1865) يرى أن للفقر قيمةً تستحق الوقوف عندها، وفلسفةً يجب تبنيها، وجوهراً يمكن تحليله والوصول إليه.. واستغرق “برودون” في شرح وتفسير العوامل المؤدية إلى الفقر، وفي تفسير التناقضات المجتمعية التي تؤدي إليه، وجمع ذلك في كتابه الشهير” فلسفة الفقر”، وأهداه إلى صديقه “ماركس” (1818- 1883) الذي لم يروقه الكتاب، ولم تعجبه الرؤية الرومانسية للفقر على طريقة “برودون”، ورد بكتاب يعتبر من علامات الفكر الماركسي وهو “فقر الفلسفة”، إذ أن الفكر الذي يبّرر الفقر ويفلسفه، والكاتب الذي يعجب بالفقر ويدعو إليه هو كاتب “فقير”!! وهي معركة أشبه بتلك التي حدثت في تراثنا الفكري بين “أبي حامد الغزالي” في كتابه “تهافت الفلاسفة” ، و”ابن رشد” في كتابه “تهافت التهافت” حول العقل والقلب والمحسوس وغير المحسوس.. وهو ما كرره أيضاً الرائع يوسف إدريس (1986) في كتابه “فقر الفكر وفكر الفقر” والذي أشار فيه إلى أن “الفَقرَ ليسَ وضْعًا اقتِصاديًّا فقَط، إنَّه وَضعٌ مِن أَوْضاعِ البَشَر؛ وضْعٌ عَام يَتصرَّفُ فِيهِ الإِنْسانُ بفَقْر ويُفكِّرُ بفَقْر”.
بعض المفكرين يرون أن “لكل مجتمع وسائل إعلامه التي يستحقها”، ودرجة تطور أية وسيلة إعلامية تماثل درجة تطور المجتمع نفسه.. فلا نطمح في صحافة متقدمة في مجتمع غير متقدم، ولا نطمع في إعلام حر في مجتمع مقيد.. التداخلات موجودة، و”التشاركية” على حدّ تعبير “برودون” قائمة، و”الصراع” على حدّ تعبير “ماركس” حتمي ومصيري.. وفقر الإعلام في أي مجتمع لا ينفصل بأية حال من الأحوال عن وجود إعلام الفقر؛ كلاهما يؤدي إلى الآخر..
في مصر يوجد لدينا النوعان معاً؛ فقر الإعلام، وإعلام الفقر، في تداخل مركب وصعب.. وهو ما يزيد من تعقد المشهد الإعلامي، ويجعل من الحاجة إلى اصلاحه متطلباً حيوياً..
مظاهر الفقر في الإعلام لا تخفى على أحد، وأشكال الفقر قائمة في كل ناحية.. فقر المضمون أبرزها، دراسات تحليل المضمون تكشف عن أن إعلامنا يركز على الرأي أكثر مما يركز على المعلومة، وأن “الهبْد” هو سيد الموقف.. بعض الدراسات تكشف عن أنَّ كل دقيقة معلومات على الشاشات، يقابلها عدة دقائق رأي على هذه الفضائيات. آراونا في الغالب غير مبنية على معلومات قدر كونها معتمدة على وجهة نظر.. ووجهات نظرنا قائمة على الإلهام أكثر مما تقوم على الأرقام.. “المهنية” هي “الفريضة الغائبة” في معظم وسائل إعلامنا.. و”الاحترافية” هي “الإمام الغائب” في أدائنا.. نحن هواة في زمن المحترفين، وأصحاب مزاج أمام مصارعين .. ونحن في الغالب لا نجيد تسويق بضاعتنا، ولا نحسن عرض أفكارنا.. والنتيجة هزائم إعلامية متكررة في قضايا مصيرية، و”علقات ساخنة” في مواجهة وسائل الإعلام الدولية..
عدم التنوع هو مظهر آخر من مظاهر الفقر في الإعلام.. نكاد نلبس “المريلة” نفسها التي كنا نرتديها في سنوات عمرنا الأولى.. إنما “يأكل الذئب من الغنم الشاردة”، ويأكل “الرقيب الذاتي” من كثير منا أي رغبة في الخروج على الرأي السائد.. نحن أسرى لنفس “المانشيتات”، ولنفس العناوين، ولنفس طريقة التفكير التي تنتجها.. لا يوجد لدينا تنوع فاكهة الصيف، ولا “لذاذة” فاكهة الشتاء.. لسنا بحاجة إلى مشاهدة أكثر من برنامج رأي على الشاشات.. ولسنا بحاجة إلى مطالعة أكثر من صحيفة.. ولسنا بحاجة إلى الانتقال بين أكثر من موقع.. فكل الشاشات، والصحف، والمواقع متشابهة إلى درجة التطابق، ومتطابقة إلى درجة “التوحد”..
مظاهر “إعلام الفقر” لدينا عديدة ومتنوعة.. في كثير من البرامج إشارة إليه، وفي كثير من المقالات عبارة عنه.. نحن نتسول على الشاشات، ويتم ابتزاز الناس على المواقع.. كلمة التبرع هي أكثر الكلمات شيوعاً في وسائل إعلامنا، وأكثرها رواجاً.. كنا في الماضي نشير من باب الأدب إلى أن “اللي ما يشتري يتفرج”، وأن “حق الفرجة” مجاني ومتاح للجميع .. الإعلام حالياً يركز على أن “تعاطفك لوحده مش كفاية”، وأن “التبرع إجباري”! .. وسائل الإعلام سلمت الناس للمعلنين ولشركات جمع التبرعات “تسليم أهالي”.. ومن باب دغدغة مشاعر الناس ودفعهم إلى التبرع تمت ممارسة أقصى درجات التعذيب النفسي، والصعق بالحالات الإنسانية الصعبة، والمتاجرة بالظروف السيئة لكثير من الفئات..
إعلام الفقر يتبدى أيضاً في غياب أية سياسات أو إجراءات حقيقية تمنع حدوث المشكلات .. إعلامنا يقوم بدور “مشعل الحرائق” في بعض الأحيان، ودور “رجل المطافيء” في بعضها الآخر، ويغيب في الحالين دور وسائل الإعلام في منع حدوث الحرائق، وفي التوعية بها والتحذير منها قبل وقوعها.. في مبارزة تاريخية بين شيخين من شيوخ الدهاء في التاريخ العربي، أشار عمرو بن العاص رضي الله عنه “ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه” : رجل مطافيء ناجح .. وأشار معاوية بن أبي سفيان إلى “ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه”: رجل دولة ناجح أو مانع حرائق.. وحاجة الإعلام إلى الرجل الأخير أكبر بكثير من حاجته إلى الرجل الأول.
في بعض دراسات الإعلام إشارة إلى عملية “التأطير” التي تقوم بها وسائل الإعلام، أي وضع أطر وبراويز وقوالب يفكر الناس من خلالها؛ أشبه بسكان “كهف أفلاطون” الذين كانوا يدركون الواقع من خلال خيالات منعكسة على جدران كهفهم، ولم يكونوا يتعاملون مع الواقع الفعلي.. والخوف كلَّ الخوف، أن يكون “الفقر” هو “الإطار” الذي ننظر إلى العالم من خلاله، والقيد الذي يربطنا بسجن الواقع، والقالب الذي لا نستطيع الخروج عنه، و”الكهف” الذي نأوي إليه ولا نستطيع الخروج منه..

Comments

comments

شاهد أيضاً

أحمد مولانا يكتب : ماذا يفعل قادة أجهزة الاستخبارات بعد التقاعد؟

يراكم قادة أجهزة الأمن والاستخبارات خبرات ومعارف نوعية، كما يكتسبون خلال شغلهم لمناصبهم الحساسة علاقات …