د. إسماعيل علي يكتب: مشروعيةُ وضعِ اللوائح، والالتزامِ بها

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه .. وبعد:

فقد طلب مني بعض الفضلاء أن أبيِّن لهم ـ بإيجاز ـ مشروعيةَ وضعِ اللوائح، والالتزامِ بها، والرجوعِ إليها عند التنازع؛ فأقول وبالله التوفيق:

أولا: مشروعية وضع اللوائح:

إنّ مبدأَ وضعِ لوائحَ للمؤسسات أو الهيئات أو الشركات أمرٌ مشروع، إذا كانت اللوائح لا تتضمن مخالفة شرعية؛ كأن تُحِل حرامًا أو تُحرِّم حلالا.

وهذا الأمر يستند إلى أصولٍ وقواعدَ تشريعيةٍ معتبَرة، منها:

أ ـ العرف:

العرف هو ما تعارفه الناس وساروا عليه، مِن قولٍ أو فعلٍ أو تَرْك، ويسمَّى العادة، وفي لسان الشرعيين لا فرق بين العرف والعادة.

فالعرفُ العمليّ: مِثْل تعارف الناسِ البيعَ بالتعاطي من غير صيغة لفظية.

والعرف القوليّ: مِثْل تعارفهم إطلاقَ الولد على الذكر دون الأنثى، وتعارفهم على أن لا يطلقوا لفظ اللحم على السمك.

ومن المعلوم أن “العُرف” الصالح من أصول التشريع، وأدلة الأحكام المعتبرة.

وقد اتفق العلماء على أن العرف إذا كان لا يخالف نصًّا من نصوص الشريعة القطعية ولا قاعدة من قواعدها الأساسية، بأن لا يُبيحَ محظورًا، ولا يُحَرِّمَ حلالا، ولا يبطلَ واجبا؛ فإنه يكون عُرفًا صحيحًا يُعتدّ به في بناء الأحكام واستنباطها، مثل تعارف بعض الأمور التجارية والخطط السياسية، والأنظمة القضائية والاجتماعية والإدارية التي تتطلبها حاجة الأمة، وتستدعيها مصالح الناس.

أما إذا كان العرف مُخالِفًا لأدلة الشرع وأحكامه الثابتة التي عُلِم مِن سرّ تشريعها أنها لا تختلف باختلاف الأزمان والبيئات فإنه لا يُلتفَت إليه ولا يُعتدّ به، بل يجب إلغاؤه، لأنه عُرْف فاسد، وذلك مثل التعارف على التعامل بالربا، والقمار، وخروج النساء كاسيات عاريات.

ب ـ القواعد الفقهية:

القواعد الفقهية – كما عرفها العلماء – هي أصول ومبادئ كلية في نصوص موجَزة، تتضمن أحكامًا تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها.

وقد صاغ الفقهاء قواعدَ كثيرةً بعبارات موجَزةٍ، تدخل تحتها فروع كثيرة من أبواب مختلفة من الفقه، وألّفوا فيها كتبًا كثيرة، ومن هذه القواعد خمسُ قواعدَ متّفَق عليها، ويطلَق عليها: القواعد الفقهية الكبرى، وهي:

الأولى: الأمور بمقاصدها.

الثانية: اليقين لا يزول بالشك.

 الثالثة: المشقة تجلب التيسير.

الرابعة: الضرر يُزال.

الخامسة: العادة محَكّمة، أو العُرْف معتبَر.

وقد أقر الشرعُ العرفَ والعادةَ مِن منطلَق أصلٍ عظيمٍ من الأصول التي بُنِيت عليها الشريعة الإسلامية، وهو “رفع الحرج عن المكلَّفين”، بل ذَكَر أهلُ العلمِ أنّ تلك القواعدَ الخمسَ الكبرى التي عليها مدار الفقه الإسلاميّ كلَّها تندرج تحت أصل “رفع الحرج”.

ولقد تعارف أهلُ العقولِ الرشيدة والطباعِ السليمة على أن تكون لكل مؤسسةٍ لوائحُها التي تنظم أعمالَها، وتحدِّد اختصاصات العاملين بها، فصار هذا العرفُ وتلك العوائدُ مرجعًا يتحاكم الناس إليه في معاملاتهم، ولو أُهمِل وقع الناس في الحرج ولحقتهم المشقة، وكثرت النزاعات، وطالت الخصومات بين الناس.

ثانيا: حكم الالتزام باللوائح:

وإذا كان مبدأُ وضْعِ اللوائحِ أمرًا مشروعًا؛ فما حكم الالتزام به؟

إذا عمِل المرءُ بمؤسسةِ، أو انضَوَى تحت لواءِ جهةٍ ما تَحْكُمها لوائحُ وأعرافٌ محدّدة، وكانت هذه اللوائح لا تتضمن مخالفة شرعية؛ فعليه أن يلتزم بها، وأن يتعاون على الحفاظ عليها، وذلك للآتي:

أ ـ القبول بالعمل وَفق لوائحِ المؤسسة، والتعاهدُ على الالتزام بها، هو عقد يجب الوفاء به، كما أنه صورة من الوعد والعهد الذي قطعه المسلم على نفسه، لا يسعه التحلّلُ منه، وقد جاءت الأدلة الكثيرة بوجوب الوفاء بالعقود والعهود، منها:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1]، وقال سبحانه: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34].

وعن كَثير بنِ عبدِ الله بنِ عَمرو بنِ عوفٍ المُزَنيّ، عن أبيه، عن جده، عن النبيّ ﷺ قال: «المسلمون عند شروطهم؛ إلا شرطًا حَرّم حلالا أو أَحَل حراما» (أخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ في الكبرى).

والشروط على ثلاثة أنواع:

الأول: أن تكون موافقة للأدلة، فهذه محل اتفاق بجوازها ووجوبِ الالتزام بها.

الثاني: أن تكون شروطاً سكتت عنها النصوص، فهذه – أيضاً – الأصل فيها الصحة.

الثالث: أن تكون شروطًا مخالِفة للنصوص، وهذه لا تجوز.

ب ـ التحلل من اللوائح، أو التلاعب بها يترتب عليه آثارٌ غايةٌ في الضرر؛ فهو يُفضي إلى العشوائية، ووقوع الفوضى الإدارية، وحصولِ المفاسد في الأعمال، ويُلحِق الضررَ والمشقةَ بالمنظومة العاملة، ويعطل مصالِحَ الفردِ والجماعة، وهذه الآثار ونحوُها جاءت النصوص الشرعية القطعيةُ لمنعها، كما أنها تتعارض مع مقاصد الشريعة المبنية على تحقيق مصالح الناس في المعاش والمعاد.

ج ـ التحللُ من اللوائحِ أو العبثُ بها أمرٌ تأباه العقول السليمة، وتُنكِره الطباع القويمة، بل يتعارض مع ما فَطَر اللهُ الكونَ عليه، مما نلاحظه في بعض العوالم كالنحل والطير والنمل وغيرِها، ولا توجَد هيئةٌ أو مؤسسة تحترم نفسها إلا وهي تحترم لوائحَها ونُظُمَها، وإذا كان ثَمّ ما يحتاج إلى تعديلٍ أو استدراكٍ فإنها تقوم بهذا أيضا وَفْق إجراءات وتدابيرَ مُضَمَّنةٍ داخلَ لوائحها؛ لأن عدمَ احترامِ اللوائحِ قرينُ الفوضى والاضطرابِ والفشل، والظلم.

وبالله التوفيق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع:

  • أصول الفقه الإسلاميّ، د. زكيّ الدين شعبان.
  • رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، د. مرضي بن مشوح العنزي (منشور بموقع شبكة الألوكة الإلكتروني).
  • شرح القواعد السعدية، الشيخ عبد المحسن بن عبد الله بن عبد الكريم الزامل.
  • علم أصول الفقه، الأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاّف.
  • ملخص القواعد الفقهية، الشيخ عبد الرحمن بن فهد الودعان الدوسري، (منشور بموقع شبكة الألوكة الإلكترونيّ).

د. إسماعيل علي – أستاذ بجامعة الأزهر

شاهد أيضاً

الدكتور يوسف القرضاوي: الاحتفال بمولد النبي والمناسبات الإسلامية

السؤال: ما حكم الاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من المناسبات الإسلامية …