د. حمدي عبد الرحمن يكتب : الفيلسوف “فهلاو ” وسد النهضة


أذكر في أحد محاضرات أستاذنا الكبير رفعت المحجوب رحمة الله عليه ونحن في مقاعد الدراسة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أنه تحدث عن قيمة العلم والتجريب في حياة الأمم والشعوب.

فالأمة الإنجليزية تأثرت بتجريبية فرانسيس بيكون الذي كان فيلسوفا ورجل دولة شديد الدهاء. أما الأمة الفرنسية فقد تأثرت بعقلية أوجست كونت الوضعية التي تعظم العلم وتبعد عن الميتافيزيقا.

توقف أستاذنا هنيه ثم قال أما نحن فقد تأثرنا بعقلية الفيلسوف ….فهلاو. أجد اليوم من الأهمية بمكان وفي ظل هذه الأزمة الوجودية التي تواجه المحروسة أن نتحلى بصفات كل من بيكون وكونت ونتخلى عن فهلاو.

في أواخر حياته في عام 1625 كتب بيكون يقول” إذا كنت بصدد أن تفاوض أي شخص، فعليك أن تعرف إما طبيعته وإما أساليبه، ومن ثمّ تستطيع أن تقوده أو تعرف نقاط ضعفه ومساوئه، ومن ثمّ يمكنك أن تُرهبــه.

أو تعرف هؤلاء الذين لهم مصالح مباشرة أو غير مباشرة معه، ومن ثمّ تستطيع أن تتحكم فيه. عليك -عندما تتعامل مع الخبثاء-أن تدرس غاياتهم بشكل جيد حتى تستطيع أن تؤوّل أحاديثهم بشكل صحيح، ومن المستحسن أن تُقلّ من الكلام، وأن تقول دائما الأمور التي لا يحثون عنها أو يتوقّعونها.

ولا يجوز للرجل في المفاوضات الصعبة أن يتوقع أن يبذر ويحصد على الفور، بل يجب أن يعد العمل ويتركه ينضج تدريجيا

مفاوضات عبثية

في ظل هذا كله تبدو المفاوضات التي خاضتها مصر منذ تسع سنين وكأنها عبثية في ظل خداع وعدم جدية الطرف الأخر.

لكن مع أخذ نصيحة بيكون في الاعتبار والتخلي عن عقلية فهلاو نلاحظ الآتي:

أولا: أن مصر أقامت الحجة على أثيوبيا بالذهاب إلى مجلس الأمن الدولي بعد رفض أثيوبيا التوقيع على وثيقة واشنطن التي أشرف عليها وزير الخزانة الأمريكي والبنك الدولي. ولا شك أن الرد الأثيوبي على الشكوى المصرية به استهانة واضحة بقواعد القانون الدولي.

ثانيا: كان تحول الموقف السوداني مهما لرفض أي عمل أحادي من جانب أثيوبيا وهو ما يعزز الموقف المصري ويفرض مزيدا من الضغوط على الجانب الأثيوبي.

ثالثا: في ظل أزمة كورونا وتأجيل الانتخابات الأثيوبية دخلت الحكومة الإثيوبية غمار أزمة دستورية عميقة وهو ما جعلها مأزومة في ظل واقع سياسي واجتماعي منقسم.

ما العمل في ظل الإعلان الأثيوبي عن بدء ملء خزان السد في يوليو القادم حتى بدون اتفاق؟

يمكن تصور ثلاثة مسارات ممكنة على النحو التالي:

المسار الأول: التوصل إلى اتفاق شامل يتعلق بقواعد الملء والتشغيل والانتهاء من القضايا الخلافية المتعلقة بالجفاف، وقد يدفع تحول الموقف السوداني بهذا الاتجاه، كما أن نحو 90%من القضايا التي تم التفاوض عليها في واشنطن كانت محل اتفاق من الأطراف الثلاثة، على أن التحدي هنا يتمثل في صعوبة المفاوضات المباشرة في ظل أزمة كورونا ومحدودية الإطار الزمنى (نحو شهرين فقط).

المسار الثاني: التوصل إلى اتفاق مبدئي خاص بقواعد الملء الأول والتشغيل وكذلك آليات الرقابة وفض النزاعات، وهذه القضايا متفق عليها أصلا، وتبقي القضايا الحاسمة مثل إجراءات التخفيف من حدة الجفاف، بيد أن مصر ترفض مثل هذا المسار وترى بضرورة الالتزام بوثيقة واشنطن.

المسار الثالث: وهو السيناريو الأسوأ والكارثي والذي يعني أن تمضي أثيوبيا قدما في ملء الخزان بدون اتفاق، والتحدي هنا هو كيف تواجه أديس أبابا الضغوط الدبلوماسية والسياسية التي تحاول أن تمنع الانزلاق إلى مسار حرب المياه؟

يطرح هذا الوضع كافة الاحتمالات والخيارات أمام صانع القرار المصري للدفاع عن أمننا المائي.

لقد كان النيل عبر آلاف السنين عامل توحيد وتعاون بين الشعوب النيلية ولم يكن أبدا عامل فرقة وصراع، ونأمل من اخوتنا الذين يدقون طبول الحرب في المنابع ويعيشون أمجاد الماضي الزائفة أن يثوبوا إلى رشدهم ويعلموا أن الزمن قد تغير، فمصر هي تاج العلاء لها جيش ودرع قادر على حماية أمنها المائي.

(نقلا عن حسابه على فيس بوك)


Comments

comments

شاهد أيضاً

ممدوح الولي يكتب :كبار السن بين كورونا وتدني المعاشات

لاحظ زيادة عدد دور المسنين بالوجه البحري بينما يقل العدد بمحافظات الوجه القبلي، حيث توجد …