أخبار عاجلة
د. خالد سعد النجار

د. خالد سعد النجار يكتب : تاريخ الإرهاب الدولي .. مذبحة زنجبار (2)

من الغريب والعجيب أن أول من اعترف بالحكومة النصرانية القاتلة والسفاحة التي ارتكبت المجازر بحق المسلمين في زنجبار, هي الدول العربية المسلمة وعلى رأسها مصر والأردن، ففي الوقت الذي كانت بعض الدول الأوروبية والآسيوية ودول أمريكا الجنوبية ترفض شرعية هذه الحكومة القاتلة، بادر الرئيس المصري جمال عبد الناصر بتقديم التهنئة لعبيد كرومي المجرم القاتل على تسلمه السلطة في زنجبار.

ويبدو من السرد التاريخي أن عبد الناصر كان ضليعا في محاربة التيار الإسلامي إقليميا وعالميا ..

 نعم هذا هو عبد الناصر الذي وقف مع الهند الهندوسية الوثنية ضد باكستان المسلمة.

هذا هو عبد الناصر الذي وقف مع هيلاسيلاسي إمبراطور الحبشة ضد المسلمين في الحبشة.

هذا هو عبد الناصر الذي ساند الشيوعي تيتو ضد المسلمين في يوغسلافيا، وسلمه المجاهدين اليوغسلافيين الذين جاهدوا في فلسطين ليعدمهم في يوغسلافيا.

هذا هو عبد الناصر الذي هنأ الوفد النيجيري المسلم الذي جاء ليشكو إليه قتل زعيمهم المسلم الحاج أحمد أوبللو – رئيس الوزراء- الذي أسلم على يديه آلاف الوثنيين.

هذا هو عبد الناصر الذي وقف مع الأسقف مكاريوس في قبرص ضد المسلمين الأتراك فيها، وكانت الصاعقة المصرية تقوم بنسف المساجد في قبرص.

هذا هو عبد الناصر الذي وقف مع خروتشوف الزعيم السوفيتي الشيوعي ضد مصالح المسلمين هناك.

وأخيرا هذا هو عبد الناصر الذي وقف بجانب جوليوس نيريري في تنزانيا ضد المسلمين في زنجبار وتنجانيقا.

قال الدبلوماسي الأمريكي (دونالد بيترسون): “لو كنا نتكلم في 1964 بلغة اليوم لوصفنا محنة العرب في الجزيرة في تلك السنة بـالجنوسايد [أي الإبادة الجماعية] لا مواربة”.

وربما تَفَرد تطهير العرب العرقي في زنجبار في أنه مما صورت بعض مشاهده حية بواسطة التليفزيون الإيطالي في الفيلم الوثائقي «وداعا أفريقيا» عام 1966م، وعَرَض الفيلم مقتلة زنجبار ضمن فظاعات أفريقية وقعت بعد استقلال بلدان القارة السمراء.

ويرى المشاهد – على الطبيعة- كيف يُساق العرب قتلا على الهوية، والمقابر الجماعية التي ضمت رفاتهم، وقد احتج سفراء في أفريقيا في إيطاليا على الفيلم الذي صدمهم عنفه، حيث كان استقلال القارة ما زال بكرا.

تضافرت حوادث في التاريخ المحلي الزنجباري والقاري الأفريقي والعالم على إسدال ستار النسيان على مقتلة العرب في الجزيرة، وأوجزها في ما يلي:

1- كان التغاضي عن ذلك الجنوسايد هو أفضل حيل الحركة القومية الأفريقية الجامعة، وفي نسختها الزنوجية المتطرفة بالذات، التي تعتقد بأن «أفريقيا للأفريقيين».

والمفهوم عن الأفريقيين أنهم السود الأصل، وما عداهم ممن جاءوها من أصقاع مختلفة من العالم فهم محض غزاة، فالعرب في رأي مثل هذه القومية غزاة، والتخلص من وجودهم الثقيل كسب قومي لا مذمة.

فليس منظورا من هذا الحركة المتطرفة بالطبع تَذَكر هذا الجنوسايد، وهي التي ابتهجت بعودة زنجبار إلى القارة في اتحاد مع تنجانيقا في دولة تنزانيا بعد أشهر قليلة من الثورة والجنوسايد، وعليه دأب كتاب أفريقيون على تكذيب أرقام ضحايا الكارثة، ونسبتها للخيال العربي الشاطح.

2- الفكر الماركسي الزنجباري الذي مثله (عبد الرحمن بابو) زعيم حزب الأمة، وعضو مجلس قيادة ثورة 1964 والفكر الأكاديمي التنزاني في الستينات والسبعينات الذي غلب فيه التحليل على الطبقة، ولم يعتبر العرق الاعتبار الذي صار له مؤخرا في الدراسات السياسية.

فمن رأي (بابو) أن من قام بالثورة – وما ترتب عليها- هم البروليتاريا الرثة التي سرعان ما جرى استبعادها من دفة الأحداث لتتولى قيادتها قوى ثورية اجتماعية مسؤولة. وظل بابو ومن لف لفه يتفادون النظر في الضغائن العرقية التي تجلت غير خافية في مذبحة العرب، وعليه فتفسير “بابو” الطبقي كان صَرفا للمسألة لا تحليلا لها.

3- الفكرة القومية العربية في نسختها الناصرية التي غلبت تحالفاتها للتحرر الوطني الأفريقي على استنقاذ شعب عربي.

فسقوط دولة سلطان عربي، من وجهة نظر تلك الفكرة القومية، مؤشر على صحة مطلبها في التخلص من سلاطين عرب رجعيين آخرين في مركز العرب، وكانت تلك مفارقة مأساوية أن يهلك شعب عربي على ذلك النحو، فيما الدعوة إلى قومية هذا الشعب في أوجها.

يقول محمد فايق (مسئول الشئون الأفريقية في عهد عبد الناصر): إن موقف مصر كان داعماً لثورات التحرر الوطني في أفريقيا.

ويقول في كتابه «عبد الناصر والثورة الأفريقية» إن عبد الناصر وجد أن اعتراف مصر السريع بالثورة يضع حداً للمجازر ضد العرب في زنجبار التي قد تمتد إلى الساحل الأفريقي! وأن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عرض على جمشيد أن يقوى سلطانه بالسلاح والرجال لكنه رفض، واكتفي فقط بطلب أم كلثوم وغيرها من المطربات المصريات!.

عموما كانت النتيجة اعتراف عبد الناصر بالنظام الجديد، واعترف باتحاد زنجبار مع تنجانيقا في القاهرة في القمة الإفريقية في 1964م، ورحب بنيريري رئيس تنزانيا في القاهرة، وقام بإغلاق بيت الزنجباريين في منشية البكري بالقرب من منزله.

4- وقع الجنوسايد في إطار الحرب الباردة التي كان أكبر همها كسب صفوة الحكم والسياسة الأفريقيين لسياسات القوتين العظميين، الاتحاد السوفيتي والغرب، فقد استبشر المعسكر الاشتراكي بثورة زنجبار الموصوفة بـ”كوبا أفريقيا”، واشتغل الغرب بالتخلص منها بضمها لتنجانيقا.

هناك بالطبع ما يقال عن سياسات لعرب أفريقيا تنكبت سبل الإخاء الوطني، ولكن سهم النقد – طالما كنا في معرض الحديث عن  ذكرى جنوسايد زنجبار – يطال السردية القومية الأفريقية الجامعة، فسيبوء بناء الدولة الوطنية في أفريقيا بالفشل طالما أنكرت تلك السردية؛ أي حق المواطنة للعرب في أفريقيا، وعدم اعتبارهم مستوطنين ثقلاء.

شاهد أيضاً

جلال الورغي يكتب : خريف الغضب العربي

عاشت منطقتنا 10 سنوات صاخبة، كانت بدايتها مع انتفاضة تونس شتاء 2010، وتحولت مع بداية …