د خيري عمر يكتب :إثيوبيا تحت الحرب الأهلية


يمثل إعلان الحكومة الفيدرالية الحرب ضد حكومة إقليم التيغراي، 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، المحاولة الثالثة التي تشنها الحكومة المركزية على مدى 80 سنة لإخضاع الإقليم، غير أنها تأتي، هذه المرّة، بعد صعود التيغراي إلى السلطة في الفترة بين 1994 ـ 2018، وتشابك جبهة تحرير تيغراي مع جهاز الدولة، وهو ما يثير الجدل بشأن مدى قدرة إثيوبيا على الخروج متماسكة وفاعلة إقليمياً، فما تثيره الأزمة الراهنة يرتبط باستمرار المسألة القومية تحدّياً رئيسياً للتكامل الإثني.
الأزمة والقلق من الانتخابات
بدأ مشوار الأزمة السياسية في التصاعد بعد تأجيل الانتخابات التشريعية، بسبب جائحة فيروس كورونا في البلاد، وقام المجلس الفيدرالي بتسيير الشكل القانوني، لتمديد عمل المؤسسات السياسية، ففي يونيو/ حزيران 2020، مدّد أجل عمل البرلمان والمجالس الإقليمية. وفي تطوراتٍ لاحقة، اعتبر مجلس النواب، في أواخر أغسطس/ آب، أن الانتخابات التي أجرتها ولاية تيغراي غير قانونية، كما اعتبر المجلس الفيدرالي، في 2 أكتوبر/ تشرين الأول، أن حكومة التيغراي غير شرعية، ودعا إلى تشكيل حكومة انتقالية تقوم بمهام الأمن والإدارة المدنية، كما حظر جميع أشكال التواصل مع ولاية تيغراي، وفرض حصارا عليها.
وقد شكلت أجواء نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي حالة من تسارع الإعداد للحرب، كانت ذروتها في زيارة رئيس الوزراء، آبي أحمد، إلى العاصمة الإريترية أسمرا، في 29 سبتمبر/ أيلول الماضي، للإعداد لشن الحرب. وبدأت القوات الإريترية في الوجود في مدينة بحر دار، إقليم الأمهرا، للتدريب وتنظيم المواجهة. فيما بدأت حكومة إريتريا في تجنيد الشباب وتدريبهم في حملة لتقويض جبهة تيغراي. وقد استمرت التداعيات، بحيث أجرى رئيس الوزراء تعديلات واسعة على الحكومة والمواقع القيادية في الجيش وجهاز الأمن، ما يعكس الإعداد لحرب طويلة، وهي تعديلاتٌ تزامنت مع إلقاء حلفائه في حزب الازدهار اللوم على جبهة تيغراي، وتحميلها مسؤولية تقويض السلام.
ارتكان إثيوبي لإريتريا
وبينما يتدهور موقف الحكومة الفيدرالية تجاه التيغراي، بدأ آبي أحمد في البحث عن صيغة للتكامل مع إريتريا. ومنذ يوليو/ تموز 2018، عمل على تنشيط التعاون الاستراتيجي بين البلدين. واتساقاً مع مواقف رئيس الوزراء الإريتري أسياس أفورقي السابقة، اعتبرت إريتريا، في بيان وزارة الإعلام، في 31 أكتوبر/ تشرين الأول، أن حكومة تيغراي تهدّد السلام والفيدرالية، بسبب نزوعها إلى الانشقاق عن الحكومة الإثيوبية.
ما يثيره التقارب بين حكومتي أسمرا وأديس أبابا أنه، بعد مرحلة من التنافس القومي والاستقلال، تتجه إريتريا إلى التقارب مع فكرة الوحدة الإثيوبية، وهو ما يثير النقاش بشأن قراءة العلاقات الإريترية ـ الإثيوبية، سواء في محتواها الداخلي أو الإقليمي. داخلياً، تبدو استجابة أفورقي لتطلعات الحكومة الإثيوبية بتهميش التيغراي بديهية، ويمكن فهمها في سياق ميراث التنافس على الزعامة الإقليمية. لكن بقاء الرئيس الإريتري في الساحة السياسية، منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، ومحدودية إنجاز مشروع الاستقلال، وغموض عملية انتقال السلطة، عوامل تدفع إلى الاحتماء بالكيان الإثيوبي، وعدم المغامرة بترك إريتريا محلاً للصراع الإقليمي. وفي هذا السياق، يمكن للتحالف مع الأمهرا تشكيل رافعة للحفاظ على مركزية الهوية الإثيوبية.
وبينما رسمت الحرب في 1998 خريطة الصراع بين إثيوبيا والدولة المنفصلة عنها، فإن تجدّد الحرب يعيد تشكيل سياقات معاكسة، لينضم التغري، إريتريا، إلى الأمهرا في محاربة التغراي، لتظهر شبكة مركبة من الصراعات سوف تعيد رسم خريطة إثيوبيا. وبشكل عام، يثير التقارب الإثيوبي ـ الإريتري الجدل حول طبيعة المشروعات السياسية في القرن الأفريقي الموسع، فبينما يطرح أبي أحمد نفسه زعيما إقليميا، فإن أسياس أفورقي يحاول وضع قدمه في السياسات الإقليمية، وهي تطوراتٌ تستعيد حالة التنافس على القيادة الإقليمية بين حكام البلدين. يتوقف نجاح أي منهما على حشد الجماهير وراء مشروعه للتكامل الإقليمي. وفي هذا السياق، يساهم تحول الحكومة الإثيوبية نحو السلطوية في تفكّك الحاضنة الشعبية وراء رئيس الوزراء، وانصراف الجماهير عنه، بسبب تراجعه عن الحريات والتكامل الإثني، ليماثل النظام الإريتري في قمع المعارضين.
ممانعة التيغراي
ولدى تأجيل انتخابات مايو/ أيار 2020 إلى أغسطس/ آب من العام نفسه، ثم تأجيلها مرة أخرى، ذهبت جبهة تيغراي إلى التمسّك بالمسار الدستوري، وظلت تقاوم استبعادها من السلطة، وقرّرت الحكومة الإقليمية المضي في إجراء الانتخابات المحلية، وحصلت فيها الجبهة على 189 مقعداً من 190 مقعداً، وهي نتيجة تتوافق مع المعدلات السابقة، ومترافقة مع احتشاد المشاركين في التصويت كصورة معبرة عن الانتشاء الجمعي، ما دفع جبهة تيغراي، الحزب الحاكم للإقليم، للمضي في خطوات تأكيد التباعد مع الحكومة الفيدرالية.
ويعد بيان حكومة تيغراي، 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، تعبيراً عن وصول الأزمة إلى الذروة، عندما تضمن ثلاثة أبعاد تمثل التقييم العام للوضع السياسي؛ كان الأول أقرب إلى مناشدة الجيش الفيدرالي بالتمرّد على قرارات الحكومة غير الشرعية، واعتبر أن سياسات الدفاع والتسليح وتحريك الجنود غير مقبولة. أما البعد الثاني، فكان بمثابة رد مباشر على الحرمان من المخصصات المالية الفيدرالية، وتضمن عباراتٍ مباشرةٍ تشير إلى حدّة الامتعاض، بسبب احتجاز مخصصاتٍ ماليةٍ لا تأتي من جيوب الديكتاتوريين، وإنما من دافعي الضرائب من التيغراي ومحدّدة دستورياً. واعتبرت الحكومة الإقليمية أن ما يحدث هو تكرار للأخطاء التاريخية وقت الإمبراطورية والحكم العسكري سوف تقود البلاد نحو التفكّك.
وارتبط البعد الثالث بسد النهضة، حيث رأى البيان أن إدارة مجموعة غير شرعية، الحكومة الإثيوبية، المحادثات مع مصر والسودان بشأن السد كانت متساهلة في السيادة الوطنية، غير أن الضغوط الشعبية منعت المفاوضين من الاستجابة للإغراءات المالية، والتضحية بالسيادة الوطنية. ويبدو موقفها أكثر مغالاة في السيادة القومية. في النهاية، تضامنت جبهة التيغراي مع بيان الحكومة الإقليمية، وخلصت إلى أن الحكومة الإثيوبية، بعد 3 أكتوبر/ تشرين الأول، غير شرعية لانتهاء فترة ولايتها “وفقًا للدستور الإثيوبي”، كما أمرت أعضاء التيغراي في البرلمان، وفي الحكومة الفيدرالية، بالاستقالة والعودة إلى منطقتهم، ومن ثم، تفقد رئاسة الوزراء أو البرلمان الأهلية القانونية لإصدار القرارات.
وفي هذا السياق، انهمكت جبهة تيغراي في إثارة أسئلة القومية التي ظهرت في سبعينيات القرن الماضي، وبخيارات متدرّجة، حيث اتجهت إلى الدفاع عن النظام السياسي الإثني، عبر إجراء الانتخابات المحلية، والتلويح بخيار الانفصال. وبهذا المعنى، ظلت الأولويات القومية تشغل حيزاً معتبراً في الثقافة السياسية للتيغراي، وغيرها من القوميات، ومع تنامي الشعور القومي صارت جبهة تيغراي بؤرة الوعي الشعبي، ما يرجّح صعوبة حسم الصراع لصالح الحكومة الفيدرالية.
في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، قرأ سيوم ميسفن، وهو وزير خارجية سابق من التيغراي، التلاقي بين آبي أحمد وأفورقي، واقع إثيوبيا شريكاً ضعيفاً لإريتريا. وقد اعتبر أن سياسة رئيس الوزراء سمحت باغتصاب البلاد لحساب إريتريا وأنشأت تحالفاً غير متكافئ بين الحكومتين. يتماثل وعي سياسيي التيغراي في إدراك الكراهية بين المكونات الإثنية، وأن فرص السلام بينها ظلت معضلة تاريخيا.
من الفيدرالية الإثنية إلى الفراغ
وبينما تتصاعد العمليات العسكرية، تعكس المقترحات السياسية فقر البدائل، فمن جهةٍ تبدو أطروحات آبي أحمد للوحدة الإثيوبية خفيفة المحتوى، وغير ملهمة للتعايش بين القوميات، فنسخة حزب الازدهار تحمل عيوب الجبهة الثورية. ومن جهة أخرى، لم تتمكّن التجربة الفيدرالية من تهدئة النزاعات الإثنية، وحافظت على هشاشة مؤسسات الدولة.
على خلاف الوضع الحالي، كانت مساهمة رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل، مَلس زيناوي، أكثر وضوحاً في الاستجابة لتطلع القوميات في الحكم الذاتي أو الانفصال. وعلى مدى سنوات ما بعد سقوط منغستو هايلي مريام، ظل النموذج الفيدرالي يعمل على ضبط النزاعات الإثنية وإدارة الخلافات بطريقةٍ جمعت ما بين إغراء القوميات صغيرة الحجم على البقاء في الفيدرالية وفرض إكراهات على القوميات الكبرى لمنع خيارات التمرّد. كانت السياسة الأخيرة واضحة تجاه جماعتي الأورومو والأمهرا بحيث استطاع التيغراي التحكم فيهما عن طريق التحالف الحاكم، الجبهة الثورية، وحرمانهما من بعض الميزات الاقتصادية والسياسية.
ولاحقاً، شكلت التفاهمات حول وصول هايلي مريام ديسالين في العام 2012 ثم آبي أحمد في 2017، مرحلة مختلفة من سياقات التداول على السلطة وانحصارها في جماعة التيغراي، بشكل طرح تساؤلات حول كفاية الفيدرالية الإثنية حلاً أخيراً لمسألة القوميات ووحدة الدولة، فقد استقر النظر إليها تعبيرا عن مركزية دور التيغراي في السياسة الإثيوبية، غير أن وصول ممثلي قوميات أخرى إلى السلطة دفع باتجاه إعادة صياغة أفكار الفيدرالية، وفقاً لزيناوي، بحيث صار الارتكاز الإثني غير كافٍ لتعريف الأطر الدستورية والسياسية للعلاقة بين القوميات، فبينما التزمت فترة ديسالين بالميراث ىالسياسي القائم، بدا آبي أحمد أكثر نزوعاً إلى إعادة هيكلة الدولة وهويتها السياسية.
على أية حال، أعاد تأجيل الانتخابات النقاش حول طبيعة الدولة، فمن جهة يفتقر الخيال السياسي الراهن إلى ابتكار صيغةٍ تعويضيةٍ للعلاقة ما بين القوميات توفر إطاراً حيوياً يعالج إخفاقات الفيدرالية، فما يطرحه حزب الازدهار يدور حول سلب السلطة من التيغراي مع طرح محتوى سياسي أقل تماسكاً من صيغ الهيمنة الحبشية أو المركزية (1974 – 1991)، أو الفيدرالية الحالية. وفي ظل تململ قوميات الأورمو والشعوب الجنوبية والعفر والصوماليين من سياسات الهيمنة الحبشية، يساعد اشتعال الحرب في شمالي إثيوبيا، وتحفز الأمهرا لاستعادة السلطة، في إثارة اهتمام القوميات غير الحبشية للبحث عن صيغةٍ سياسيةٍ للبقاء في الدولة أو الخروج منها، ما يفتح نطاقاً إضافياً للحرب في مناطق واسعة تتخذ صورة الحرب الأهلية.
ويمكن القول إن التصاعد الحالي للنزاع يشير إلى مرور إثيوبيا بمشوار طويل من عدم الاستقرار وانفتاح الحرب الأهلية، ليس فقط بسبب تطلع الأمهرا إلى استعادة السلطة، ولكن لغموض وتشتت النظر إلى أسس وحدة الدولة. ويمكن النظر إلى استدعاء الدخول على خط الصراع تعبيراً عن حضور السياسات الإثنية، وهيمنتها على مشروع الدولة الوطنية، ودعمها ظهور صراعات متعدّدة تستعيد ميراث الحروب الأهلية في منتصف القرن الماضي، وخبرات التمرّد والنزعات الانفصالية. وثمة توقعات بحدوث تحول في الصراع، تكون فيه جماعة الأمهرا طرفاً رئيسياً يقلل من نفوذ الحكومة القائمة، فقد مرّت الخبرة الإثيوبية بأنماط ثلاثة: الحكم الإمبراطوري، والحكم المركوي ثم الفيدرالية الحالية، وقد ارتكز كل منهم على أفكار الوحدة الإكراهية، بشكل جعل الحرب الأهلية ظاهرةً ملازمةً لحياة الدولة. كما كشف أيضاً أن السياسة في إثيوبيا لم تتمكّن من الوصول إلى صيغة واضحة لتعايش الجماعات الإثنية، حيث تجنبت التصدّي لنزعة احتكار الأمهرا، وأحيانا جماعة التيغراي، للسلطة وتهميش الجماعات الإثنية الأخرى. وفي هذا السياق، ظلت مساهمة الفيدرالية الإثنية قليلة الأثر في معالجة التفاوت السياسي والاقتصادي بشكلٍ غذّى النزعة القومية للمشاركة في السلطة أو الخروج من الفيدرالية.
قد لا تتوقف تداعيات الحرب عند تململ مشاريع الوحدة الإثيوبية، وتضاؤل محتواها الفكري، فهي واحدةٌ من حالات فشل الدولة الوطنية في المجتمعات متعدّدة الإثنيات، فقد تبدو الآثار غير المباشرة في توقف التطلعات الإقليمية أو الدفع بإثيوبيا لتكون مركزاً إقليمياً، فخلال العقود الأخيرة، وعلى الرغم من الاستقرار النسبي لنظام الفيدرالية الإثنية، لم يتجاوز تطورها صيغة الكيان السياسي.

Comments

comments

شاهد أيضاً

قطب العربي يكتب:رفض التطبيع ثقافة مصرية

في تشرين الثاني/ نوفمبر 1977 كانت زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات إلى القدس، والتي …