د. عادل الأسطل
د. عادل الأسطل

د. عادل الأسطل: ميناء غزة

 عاد الحديث مرة أخرى حول إمكانيّة إنشاء وتشغيل ميناء بحري على مشارف قطاع غزة، في ظل تلقّي إسرائيل عدة طلبات من سياسيين رفيعين وعسكرييّن إسرائيليين بضرورة بناء الميناء، من أجل تخفيف الضغوطات الاقتصاديّة، وباعتباره يُمهّد للانفصال عن القطاع، وسحب المسؤولية الإسرائيلية عنه.

ربما يطيب لفلسطينيي القطاع – على الأقل- الاستماع لمثل هذا الحديث، لكن وقبل المباشرة في تعظيم الأمل فيه، يتوجّب الخوض في فحص ما إذا كان صادراً عن مقاصد إسرائيلية حقيقيّة، صالحة للعمل بها والبناء عليها، أم قائمة على نوايا وأغراض مضلّلة، هدفها تمرير مرحلة شائكة، لاكتساب أوراق سياسيّة جديدة، سواء على الصعيد المحلي أم الدولي.

الحكومة الإسرائيلية لن تسمح بإنشاء ميناء أو أي طريق بحري حتى برغم تلقّيها إعلانات حمساويّة، تفيد بأنها معنية بتواجد منفذ بحري، بغض النظر كونه يُمثّل انتصاراً لها، أو لرغبتها فقط في تقدّم الحالة المعيشية وطرح الأحمال الثقيلة عن كاهلها، وذلك في ضوء يقينها، بأن الميناء سيكون طريقاً سلساً لمغادرة مُهاجرين فلسطينيين، إضافة إلى عِلمها بأنه سيُعتبر لدى حماس من أهم إنجازاتها، ما يعني أنها على استعداد – وحتى فترةٍ ما على الأقل- بعدم التفكير في إنشاء حربٍ جديدة، وضمان إرساء هدنة طويلة الأجل. ويُساعد إسرائيل في عدم سماحها بذلك، أن أطرافاً محليّة وإقليميّة تساهم في تعظيم رفضها للفكرة.

ولكنها تجد نفسها مُلزمة في نفس الوقت، باسترضاء أطراف محليّة ودوليّة أخرى، وسواء لتثبيت سياستها الحالية، أو للحدّ من النبرة السائدة – رسمية وحقوقية-  المُطالِبة بفك الحصار عن القطاع، والأهم، لاستجلاب مكاسب إقليمية، كما في الحالة التركيّة، التي تضع مسألة فك الحصار عن القطاع، شرطًا لعودة العلاقات معها إلى سابق عهدها.

المعارضة الكبرى تأتي من رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتانياهو”، ووزير الجيش “موشي يعالون” ووزراء يمينيين أخرين، يرون أن الميناء سيشكل تهديداً أكبر على إسرائيل، من شبكة الأنفاق المُقامة داخلها، وفي الوقت نفسه، يُمثّل مكافأة لحركة حماس، ودعماً لما تقوم به، فهُم وبرغم رؤيتهم أن حكم  حماس للقطاع هو أفضل الحلول السيئة، باعتبارها الجهة الوحيدة التي يُمكنها أن تفرض الاستقرار النسبي، إلاّ أن ذلك ليس كافياً، سيما وأن حماس لم تتحدث يوماً عن تسوية سياسيّة.

أيضاً هناك معارضة نيابيّة وأهلية داخليّة لا تقِلّ عن المعارضة الرسمية، لادّعائها بوجود بدائل باتجاه تخفيف الحصار ودرء مخاطره، حيث يمكن لإسرائيل القيام بإجراءات أكثر جرأة، وسواء باتجاه حثّ الجانب المصري بتخفيف قبضته على معبر رفح، أو أن تُبادر بإجراءات مُفيدة، كتلك المُوجّهة إلى السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، رغم تظاهر السلطة بعدم الاهتمام، وإعلانها أنها على وشك اتخاذ خطوات صادمة ستضرّ بإسرائيل.

 كما تأتي تلك المعارضة، من ناحية أن إسرائيل ستُفقد سوقاً شعبية هامّة، سيما وأن نقل جملة البضائع الرئيسة والكمالية يكون عبر ميناء أسدود الإسرائيلي ثم إلى معبر كرم أبو سالم.

وإذا وصلنا إلى العلاقة الإسرائيلية بالسلطة الفلسطينية، وبرغم التخوّفات من انهيارها، نجد أنها تحول دون تحقيق إنشاء الميناء، بسبب رفض السلطة القاطع حتى للحديث بشأنه، إذ لو تفرّدت به حماس، فذلك يعني أنها ترغب في توسيع دائرة الانقسام، وتعمل على تحقيق مسألة عزل القطاع، وإسرائيل – حول هذا الموضوع – تجد نفسها مُلتزمة بعدم تعكير تلك العلاقة.

وعلى نفس الوتيرة فإن الخشية الإسرائيلية، من أن يكون الميناء سبباً في تعكير العلاقة الحميمية وغير المسبوقة مع مصر، بزعم  أن تنفيذ الميناء يُمثّل تهديداً للأمن القومي المصري، إضافةً إلى الاشتباه بأن قوّة السلطة المتبقية داخل القطاع ستصبح شبه معدومة، إضافة إلى أن مصر لا تريد مشاهدة أي رغبات تركيّة تتحقق.

حتى في حال تم تنفيذ الميناء، سواء بعد سنةً أو سنتين أو أكثر، ورأيناه كحقيقة مُمددة على أمواج البحر، وحتى في حضور إدارة دولية مُحايدة، فإن الخشية واردة، من أن يصبح الحال ما قبله، أيسر مما بعده، وذلك بسبب الإجراءات الرقابية الإسرائيلية الصارمة، وسهولة إعلان المنطقة المتواجد فيها، منطقة عسكرية مُغلقة حال شعور إسرائيل – التي اعتادت الخوف من جرّ الحبل-  بأن الأمور داخله لا تسير على ما يُرام.

شاهد أيضاً

محمد فاروق الإمام : التوازن سر البقاء

التوازن سر عظمة هذا الكون وجماله، وهو سمة من سماته، قال تعالى في سورة الرحمن: …