د.عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب: إلى من يهمه الأمرُ .. أمرُ سوريةَ وشَعبِها

عندما قامت الثورة السورية سنة 2011 تداعى كثير من السوريين من أجل تأسيس ما عرف في حينه باسم ( المجلس الوطني) وقد حرص المؤتمرون أن تكون واجهته مقبولة دوليا، بالرغم مما اتسموا به من استقلالية.

وبعد حين من الزمن عُدًّ ذلك المجلس قاصرا- من وجهة نظر آخرين- وأنه لم يستوعب المكونات السورية المختلفة، فتداعوا إلى تأسيس كيان آخر- أكثر قبولا بالنسبة لهم- فأنشأوا مايسمى بـ (الائتلاف الوطني) السوري. وحرص المؤتمرون كذلك أن تكون واجهته مقبولة دوليا.

ووقتها سلّمنا جدلا, و قلنا: لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا.

وقد تمخض الائتلاف بعدئذ، عن حكومة وطنية مؤقتة وعن دوائر سياسية وإعلامية كانت لها أنشطتها في الداخل والخارج، إلا أنه  كسابقه لم يعجب اللاعبين الدوليين, ومع ذلك فشل في أن يرتقي إلى مستوى المسؤولية فأساء بدل أن ينفع وتلك كانت إحدى الكٍبَر بالنسبة لنا.

وقد رسمنا وقتها أكثر من إشارة استفهام حول ذلك الفشل الذي باءت به تلك الحكومة المصنوعة.  وبعد استفحال المسألة” ووصول القضية السورية إلى أروقة الأمم المتحدة، تبين أن المجتمع الدولي نفسه ضالع فيها، وأن ثمة محططا قد يكون قيد التنفيذ في المنظقة, وأنه قد يكون جزءًا من مخطط الشرق الأوسط الجديد.

وبعد جنيف 3 تبين للعيان أن هناك تآمرا كبيرا على الشعب السوري من قبل الأطراف التي تزعم  أنها  تناصر القضية السورية وأن الذين كانوا يتباكون على الشعب السوري ويحاولون إيجاد الحلول لسورية وشعبها ليسوا أقل من أعداء حقيقيين لسورية ولشعبها  ولثورتها المقدسة.

وقد أصبحنا بعد ذلك أكثر لوما للسياسيين الذين خُدعوا بالغرب ومخططاته.

ومن خلال استعراض ميكرو فيلم مصغر عن القضية السورية والوقوف على مافيه من حيثيات يلاحظ وبدقة أن مصدر الخلل يعود للصيغ الجاهزة التي فرضت على السوريين أو جُروا إليها جرا وأن ذلك يعود لأسباب خمسة:

السبب الأول: يتعلق بالسوريين أنفسهم ممن تداعوا إلى العمل الثوري داخل سورية وخارجها، وأكثرهم ليس ثوريين، وكثير منهم قد يكون متسلقا وراكب موجة، وبعضهم ينفذ أجندة خارجية أو داخلية معادية لسورية ولشعبها ولثورتها المباركة.

السبب الثاني: يتعلق بـ( اللاعبين الدوليين) وقد تبين وبالقرائن الدالة أنهم يتحركون على وفق مخطط صهيو إيراني، تتعهده وتقوم بتنفيذه أطراف دولية عدة. وتعد إيران وروسيا من اللاعبين على الساحة السورية, و تختص أمريكا برسم سيناريو ذلك وإخراجه بصيغه الخداعة والمضللة.

السبب الثالث: يتعلق بأصدقاء سورية، وهم كثير، وغالبيتهم يتبنون أجندة خارجية معدة مسبقا، مع تظاهرهم بمناصرة الشعب السوري ومساندته في محنته، وهي مسألة شابها كثير من الغموض بل وكثير منهم لعب دورا فاعلا في إجهاض العمل الثوري، وفي إيصال سورية إلى ماوصلت إليه، مع زعمه صداقة سورية وشعبها.

السبب الرابع: الثقة بأمريكا، والائتمار بأمرها وتنفيذ أجندتها، وبالرغم من تبنيها (مشروع الشرق الأوسط الجديد) الذي لا يقتصر على السوريين حسب، وإنما يشمل دول المنطقة كلها ومنها الدول التي تحسب على أمريكا، أو تعد من المنفذين الرئيسيين لسياساتها في المنطقة.

السبب الخامس: وهو موضوعي يتعلق بحالة الخداع التي خدعت بها المعارضة السورية، وحعلتها تمد يدها إلى من يريد قتلها، فتسمع نصحه، وتأحذ به وأكثره يتبع بأجندته المخطط الصهيو إيراني. ويتجلى ذلك في تقليعة مايسمى بالحرب على الإرهاب والتشدد الديني، والتكفير إلى غير ذلك مما يزعم اللاعبون الدوليون أنهم ضده, الأمر الذي قاد إلى الاقتتال الداخلي والتشرذم، والانشغال عن العدو، فنشأ عن ذلك وضع من الضعف العام، أقل مايقال فيه أنه غير صحيح وفاسد، وأنه نتاج مؤامرة يشترك فيها الأعداء والأصدقاء معا.

هذه الأسباب مجتمعة، هي التي وضعت أكثر السياسيين السوريين في خانة المفلسين دوليا، وقد أساءوا للقضية السورية بدلا من أن يحسنوا إليها، وحولوا أمرها إلى ضعف بعد قوة, وذلك بسبب قصر نظرهم، وعدم قدرتهم على تحمل المسؤولية.

وتعد مهزلة جنيف3 – وهي القشة التي كسرت ظهر البعير – آخر ورقة توت سقطت عن سوءة أولئك الذين أحسنوا الظن بأعدائهم. وقد تبع ذلك توقف المفاوضات، والعودة بخفي حنين وانتظار الأسوأ مما سيحدث على الساحة السورية. وهذا بدوره قادنا إلى الحقيقتين التاليتين:

الحقيقة الأولى: أن الشرذمة وقد كانت أمرا واقعا قادت إلى الضعف الذي أصبح حقيقة واقعة على الساحة السورية كلها.

الحقيقة الثانية: أن التدخل الخارجي في الشأن السوري قاد إلى الارتباط بالخارج والائتمار بأمره وهو أمر قاد إلى الضعف كذلك.

هاتان الحقيقتان ساعدتا النظام على إعادة إمساكه بعصا القوة، وعلى إطالة مدة بقائه في الحكم.

وقد قادتنا رؤيتنا هذه إلى أمور أربع مرتبطة ببعضها هي:

الأمر الأول: أمر إيماني بحت يوجب علينا ضرورة العودة إلى الله والاتكال عليه والانشغال به دون سواه.

وعلينا أن تكون عودتنا إلى الله بإيمان العارفين ممن تستنير قلوبهم بتقوى الله وتهتدي بهدايته فنحاسب أنفسنا أولا، ونقوّم سلوكنا ثانيا، ونقيم علاقتنا مع الناس على أساس من ذلك ثالثا. ولقد ترك لنا علماؤنا من الفهم الواضح لكتاب الله وسنة رسوله في مختلف العلوم والفنون ما يكفي الإنسان المسلم إذا أراد التوجه إلى الله حقيقة وإذا ما قرّر ربط حبله به قبل أن يربط نفسه بأي حبل آخر.

 والفهم الصحيح من طبيعته أن يقود إلى العمل الصحيح ولذلك كان التوجه إلى الله أولا هو المبتدأ, وبدونه كل عمل أبتر، وكل عمل أبتر لم يذكر اسم الله عليه يؤدي إلى الهلاك والعياذ بالله سبحانه.

الأمر الثاني: الاعتماد على الذات وتوطين النفس على التفكير بالقدرات الشخصية أولا، وعدم جعلها تعتمد على الآخرين؛ فالاعتماد على الأجنبي والتطلع إلى مافي يده يجعل صاحب القضية مرتبطا بغيره، وهذه بدورها تقود إلى التبعية وليس أخطر من التبعية ولا أضل منها طريقا. ولذلك فإن المشاريع الناجحة هي التي يكون رأسمالها شخصيا، وتكون محكومة بقرارات أصحابها، وإرادتهم. ولا نظن أن أمرا ما أضّرَ أو يمكن أن يضرَّ أكثر من الارتباط بالأجنبي أو الارتهان لقراراته كائنة ما كانت تلك القرارات. وهذه  المسألة هي التي يجب أن تكون موضع نظر رجال الأعمال من الذين يتبوأون الصدارة من القادة والمسؤولين، ممن  استنارت بصائرهم، وممن وطنوا أنفسهم أن يكونوا صالحين ومهتدين في تصرفاتهم كافة, فتصدر آراؤهم عن تجرد وفهم موضوعيين.

الأمر الثالث: الثبات على الموقف, وهو سمة الصادقين من رجال الدعوات، وأصحاب الرأي عامة. وفي المحن، وفي أوقات الشدة، يبقى الثبات على الموقف هو العصمة من الزيغ أو الانحراف أو التفلت، كما أنه يؤدي إلى قوة الجماعة وصمودها في وجه المتغيرات التي قد لا تكون سهلة. وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرد عرض قريش” والله ياعم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ماتركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه” الأسوة الحسنة لأصحاب المواقف بعامة. وليس أعظم اليوم من رجل يكون صابرا محتسبا، حريصا على ذلك الموقف حرص الغيارى، الذين لايضرهم من خالفهم، ولا يفتّ بعضدهم، ولايوهن قواهم، ضعف أو شدة, كان ما كان من تقلب الأمور ومن اشتداد وطأتها وجبروتها، ماداموا يستمدون قوتهم، من صدق موقفهم، وعدالة قضيتهم، ومن فهمهم الصحيح لحقيقة ماهم فيه وماهم مقبلون عليه من أزمات. وفضلا عن ذلك فهو التزام خاص بموقف خاص به يشرف الإنسان. وبسبب ذلك الالتزام الذي يجعله من أصحاب المواقف المشرفة، يعرف الحق ويلتزم به ويدور معه حيث دار, وهو التزام عام بموقف عام به تكرم الحياة بقيم الشرف والفضيلة التي ينافح عنها المجاهدون، وهي بمعناها الحق عقد جماعة تضطلع بما أمر الله به ولايضرها من خالفها مادامت على الحق ومن أجله تضحي وتكافح.

والخلل بعقد الجماعة وبوحدتها من صفة  المهزومين والفاشلين والمهزوزين فكريا والمشوهين عقليا والمنحرفين.

ومخاطر أن يكون الإنسان مهزوزا كمخاطر أن يكون مهزوما،  وفي كلا الحالين تكون الخسارة شخصية وعامة، وهو ما يجب أن يحذره الإنسان سيما في مثل هذه الأوقات، وقد أصبح الكذابون والمنحرفون هم الأروج بضاعة، بالرغم من تكشف كذبهم وانحرافهم، وبيان ماهم فيه من مواقف باطلة.

هذه الأمور الثلاثة, رسالةٌ موجهة إلى من يهمه أمر هذه الأمة من الصديقين الصالحين، عسى ولعل- وهذا من الطموح الشخصي- أن يعيد كل منا حسابه ليجدد علاقته مع ربه، ويعيد النظر في موقفه، وفي علاقته مع الآخرين، ولما يجب أن يفعله في القادم من الأيام بعد تكشف الأمور وبلوغها المستوى الذي بلغته في الداخل والخارج.

……………….

مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Comments

comments

شاهد أيضاً

عامر عبد المنعم يكتب : الملك تشارلز والدفاع عن الدين البروتستانتي

قضية فصل الدين عن الدولة لا تجد لها مروجين إلا في بلادنا، فأوربا مرتبطة بالمسيحية، …