د.عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب: المرأة السورية في يوم المرأة العالمي

 

يحتفل الرجال والنساء، بيوم المرأة العالمي، في الثامن من آذار/مارس من كل سنة, حيث يستحضر الجميع أفراح المرأة وأتراحها، على مدار السنين، ويقفون معها ومن أجلها، وقفة إجلال وإكبار.

ووجه تكريم المرأة يأتي من صفات ثلاث:

الأولى من كونها أمّاً، وقد كانت ولاتزال المحضن الدافئ للبراعم الناشئة من أبنائها، ممن سيحملون أقدارهم على أكفهم، ويضطلعون بمسؤولياتهم، من أجل حرية الإنسان وكرامته المفقودة.

والثانية من كونها زوجة، فهي شريكة حياة لزوج مجاهد، وربة بيت لعائلة، لايلتمّ شملها إلا بها، وقد منحتها من حدبها وحنانها، ما جعل الحياة تطفح أمامها بالبشر والسرور بالرغم مما فيها من صعاب، وهي الشق الآخر لذلك الإنسان الذي تعد بالنسبة له بعض نبضات قلبه ووجدانه، والتي تصعب الحياة بدونها.

والثالثة من كونها ابنة؛ صغيرة أو كبيرة ترعرعها الأيام من أجل غدٍ أفضل وتنشئها على القيم التي لاتغنى الحياة إلا بها. فتشكل المستقبل الواعد لذلك الغد الذي يعد من مكنون الغيب، والذي يُتَطَلَّع إليه بشغف ونهم شديدين.

والمرأة السورية؛ أمًا وزوجة وبنتاً لاتخرج عن هذا التعريف، وهي جزء من المرأة في العالم على وفق المفهوم العام، وعلى ماهي عليه من أفراح أو أتراح.

وقبل سنين؛ وبالتحديد قبل أن يولد المشروع الطائفي في سورية، كانت المرأة السورية تعيش حياة هادئة، ولم يدر بخلدها، أنها ستركب البحار باحثة عن الملجأ الآمن بعد أن هدمت البراميل المتفجرة بيتها، وحرمتها سكنها وحولتها إلى مشردة، كما لم يدر بخلدها أن الزوج الذي زفّت إليه عروساَ وشَرُفَ بها زوجة سيختفي فجأة من حياتها، وسيصبح في عداد المفقودين وفي ذمة نظام كل همّه أن يشرد ويقتل، ولايهمه مات من مات أو شرد من شرّد،  مادام المخطط قائما، ومادام يغفو على حلم شرير، وقد وقر في ذهنه أن مقولة (أنا أو الطوفان) هي المسار الصحيح للمواجهة القائمة، بينه وبين الشعب المبتلى به، وبرئيسه القائد.

women day

ولعمق هذه المواجهة، أصبحت المرأة السورية منذ خمس سنوات وإلى اليوم موزّعة بين خصوصيات ثلاث فهي إمّا أرملة ترعى أيتاما صغارا، وإما ثكلى تفقد أبناءها الذين ربتهم بدموع عيونها، فهي تبكيهم – ليل نهار-  لاتدري أين هم، وقد وزّعوا بين أحياء وأموات على مصائر مجهولة بعد أن انتزعتهم اليد الآثمة من حضنها وأخفتهم بطريقتها المتوحشة، في الأقبية المظلمة وإما بنتاً صغيرة لعائلة هدّمت البراميل المتفجرة البيت الذي نشأت فيه، وحرمتها من حنان الام، وعطف الأب، فهي ضائعة لاتعرف لها وجهة تهتدي إليها، بعد المصاب الجلل الذي أصابها، والذي لاتجد إلى الخلاص منه سبيلا سيما من تلك المحنة التي أصابتها والتي حالت بينها وبين أن تعيش حياة وادعة آمنة.

وقوف المرأة في يوم عيدها العالمي إلى جانب المرأة السورية، ومشاركتها إياها محنتها، ومشاطرتها همومها وأحزانها أحد المسائل تعد أمرًا أكثر من  لافتٍ للنظر بالنسبة للسوريين كافة.

فالمرأة في بلدان العالم، على اتساع القارات الخمس تستحضر في وجدانها المأساة الواسعة التي تعيشها المرأة السورية، وما حلّ بها من نكبات ومصائب، وتقف إلى جانبها تواسي جراحها، وتشد على يديها، وتشعرها بالطمأنينة والأمن، وتشاطرها همومها وأحزانها.

وتعد المرأة التركية من أكثر النساء مواساةً للمرأة السورية وممن كان لهن شرف السبق في الوقوف إلى جانبها وتهيئة وسائل العيش الكريم من أجلها، وعدم تركها وحيدة في مواجهة ماهي فيه من مأساة. وما الفعاليات التي أقيمت في المدن التركية، ومنها فعاليات مدينة كليس التي تستضيف من السوريين مايزيد على عدد سكانها إلا دليل على المشاعر المشتركة التي تعيشها المرأة التركية والمرأة السورية وعلى الرقي الحضاري الذي بلغته تلك المرأة, وعلى ماهي عليه من عواطف إنسانية جياشة تجاه أختها المرأة السورية وبذلك أصبحت موضع احترام و تقدير السوريين جميعاً رجالاً و نساءً.

ويبقى العتاب الكبير لأولئك اللواتي صرفن أنظارهن عن المواقف المشرفة التي تخص المرأة السورية وعن اهتمامهنَّ بها ونخص منهنّ تحديدا العربيات، ممن قصّرن في جهودهن من أن يكن في المستوى المطلوب, وأن يفتحن لها بيوتهن، بدلاَ من أن يتركنها تيمم وجهها صوب البحر، وأن تنشد السكينة والأمن في بلاد الآخرين بعد أن أفقدها الأمنَ نظامُها المتوحش.

وكلمتنا اليوم للمجاهدات المناضلات اللواتي وقفن مع الرجل يعضدن كفاحه اللاهب، ضد النظام المستأسد على شعبه وقد أصابها ما أصابها جراء ذلك الموقف،.

ولم تكن تبعاً لزوج فاسد أو ممن عميت أبصارهن أو أعماهنَّ قصورهنَّ من أن يكنَّ في مواقف الشرف ضد النظام المجرم الذي اعتاد أن يسوم الناس بخساً فكانت العبودية من حظها و من حظّ الرجل الذي تقف إلى جانبه.

وكل التقدير للمرأة التي تعضد الرجل في كفاحه وهو موقف مدون على صفحات المشاعر وفي القلوب، وبه ارتقت إلى الدرجة الأعلى وحازت وسام الشرف الذي تتحلى به كريمات النساء.

وتبقى الكلمة الأخيرة لأنجيلا ميركل السيدة الأولى في ألمانيا، وقد كان لاحتضانها المرأة السورية في يوم المرأة العالمي، ووقوفها إلى جانبها، ومواساتها في مصابها، وفتح بلدها أمام اللاجئين السوريين ماتستحق به الشكر والتقدير من قبل السوريين بخاصة، ومن قبل شرفاء العالم وأحرارهم بعامة.

……………….

رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

شاهد أيضاً

عامر عبد المنعم يكتب :قطر تفوز في معركة القيم

لقد اطلعت شعوب العالم عن قرب على مجتمع مسلم، ودود مع الضيوف، متحضر يستخدم التقنية …