د.عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب: تفجيرات تركية ومايجب أن تعرفه أولا

التفجيرات التي تشهدها تركية، والتي كان آخرها تفجير قزيلاي، أول أمس في الثالث عشر من شهر آذار/مارس وسط أنقرة وراح ضحيتها أكثر من مئة وخمسين شخصاً بين قتيل وجريح هي تفجيرات هادفة، خطط لها مسبقاً من أجل زعزعة أمن تركية، والنيل من وحدتها الوطنية ومن تجربتها الرائدة، ونموها الاقتصادي، الذي بلغ مرحلة متقدمة نالت إعجاب العالم وتقديره.

وذلك كله جزء من مخطط مشبوه يستهدف  المنطقة الشرق أوسطية، تقف خلفه جهات دولية هدفها الأول والأخير، إثارة الفوضى والاضطراب والقلاقل في تركية، وفصم العرى الاجتماعية فيها، والقضاء على نموها وتقدمها، والحيلولة دون  أخذها بأسباب القوة أو تحقيق المستوى المطلوب من الرخاء الاجتماعي الذي يطلبه شعبها.

الجرح التركي جرح ماس وعميق، يذكرنا بما نجب أن نكون عليه- نحن شعوب المنطقة الشرق أوسطية- من نباهة في تقدير الموقف، ومن ارتقاء في المستوى، وعدم الركض وراء الأفكار المشبوهة، التي تهدف إلى تحويل الأنظار عن العدو الحقيقي إلى عدو آخر مفترض، وشغل الدولة التركية به دون أن تنتبه إلى الفاعل الرئيس، في هذه الجريمة المأساة.

الذي يجري في سورية وهو جزء من ذلك المحطط يقدم أكثر من دليل على هوية الفاعلين، وعلى أهدافهم البعيدة والقريبة، وهي غير خافية على أحد. وقد باتت اليوم أكثر تكشفاً، بسبب السياسات المعلنة، والمواقف الواضحة، ومنها مواقف الذين يخططون لذبح الشعب السوري من الوريد إلى الوريد، ثم يزعمون بتكشف ساذج أنهم من حماة ذلك الشعب ومن أنصاره!! ولكن بالبراميل المتفجرة، والقنابل العنقودية والصواريخ البعيدة المدى التي ترمى على السوريين من البحار؛ الأسود والأحمر والأبيض، وبالطيران المدمر الذي يستهدف المدارس والمشافي والأسواق الشعبية وحتى دور العبادة, ثم يزعمون وببلاهة فظة أنهم يستهدفون الإرهابيين ويعملون من أجل القضاء عليهم، ظناً منهم أن مايفعلونه سيمكنهم من تمرير مخططهم، وتنفيذه. وهذا مايجب أن يُنتبه إليه.

خمس مسائل .. مقدمة للفهم

والذي نريد أن نقوله للإخوة الأتراك في هذه الأجواء المأساوية المشحونة بالغضب ونحن نمد لهم يد الإخاء ونواسيهم في مصابهم الجلل أن يقفوا عند خمس من المسائل التي نرى أنها مقدمة لفهم ماحدث جيداً:

المسألة الأولى: أن يعودوا إلى قراءة المخطط الشرق أوسطي الجديد وأن يقفوا على مافيه من أفكار وخطط، والمعلومات عن ذلك المخطط  متوافرة حتى على صفحات التواصل الاجتماعي، وقد كثر المتحدثون عنها، حتى باتت بحكم المعروف من قبل عامة الناس وخاصتهم.

المسألة الثانية: أن يعرفوا أهداف اللاعب الرئيس ومخططاته على الساحة الدولية، وألا تغرنهم التصريحات أو التقليعات أو التعليقات، فقد يكون ذلك كله للاستهلاك، ومايخفى أخطر وأكثر أهمية. ونعتقد جازمين أن مايجري اليوم إقليميا, وبالتحديد في سورية والعراق واليمن، وربما في تونس وليبيا ومصر لايخرج عن هذه الدائرة، وهذه المسألة غير خافية على أحد.

المسألة الثالثة: أن يحسنوا قراءة التحالفات الدولية في المنطقة وأن يعرفوا الأطراف الرئيسة المشاركة فيها, وماتفعله في المنطقة، وقد أصبحت بسبب تلك الأفعال، أشبه ماتكون بالمنطقة المحروقة. ونظرة عجلى على مايجري في سورية والعراق تؤكد ذلك.

المسألة الرابعة: أن يعرفوا الأدوات المشاركة، التي تتولى تنفيذ ذلك المخطط، وأن يميزوا بين المستفيد منها والمأجور عليها, وأن يحسنوا التعامل مع هذه الظاهرة؛ داخلية كانت أو خارجية، وأن يحذروا ردود الأفعال التي قد تؤدي إلى توسيع دائرة العنف، وإلى نتائج عكسية ليست في الصالح العام، وقد تخدم المخطط ذاته، بما تشيعه من بلبلة وفوضى، واضطراب أمني غير محسوب.

المسألة الخامسة: أن يعرفوا طاقاتهم، وقدراتهم، وواقعهم المحلي، وماهم عليه من ضعف أو قوة، ومايجب عليهم فعله اليوم أو غداً، وأن يعملوا على تكوين الهيئات المختصة على كافة الصعد الإعلامية و السياسية، والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وإخضاع ذلك للبحث الجادّ والمعّمق الذي من شأنه أن يوصل إلى الحقائق المجردة، وأن يعين صانع القرار، ويساعده على حل المسائل الصعبة والشائكة.

هذه المسائل الخمس يجب أن يُفَكَّر بها، وأن يُعمل من أجلها جملة و تفصيلاً.

فما يجري في تركية اليوم، ليس حدثاَ عارضاَ، ولا طارئاَ، وإنما هو حدث خطط له ببراعة، وأعد ليكون حلقة من مؤامرة، أريد لها ان تكون مستمرة، وألا تتوقف، وهذا مانحذره ونخشاه ونعد العدة من أجل تلافيه.

وتبقى الكلمة الأولى والأخيرة لأصحاب التماسّ المباشر مع هذه المسألة من مختصين وتقنيين وخبراء وفنيين ممن يجيدون التعامل معها أو مع غيرها من المسائل الأخرى.

……………

رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

شاهد أيضاً

د عز الدين الكومي يكتب : خيانة الأوطان و”العودة بخفي حنين”

تتلخص قصة هذا المثل العربي “عاد بخفي حنين” أن حُنَيناً هذا كان إسكافياً من أهل …