د عز الدين الكومي يكتب : رابعة بعد 9 سنوات دماء وآهات وأنّات

لعلنا نذكر ما غرد به الشيخ سلمان العودة – فك الله بالعز أسره – عن مجزرة رابعة قائلاً : “ألا أيها المستبشرون بقتلهم .. أظلت عليكم غٌمة لا تفرج ” .
فها نحن اليوم وبعد تسع سنوات نلاحظ ونشاهد من شاركوا في هذه المذبحة بالدعم والتأييد والتفويض والتواطؤ على سفك الدماء المعصومة .. إلخ ، نشاهدهم وهم يعانون الذل والمهانة والأزمات الطاحنة ونزع البركة ، حتى أصبح هؤلاء يترحمون على أيام الطاغية حسني مبارك بدلاً من أن يعترفوا بخطيئتهم ويعتذروا عن جريمتهم .
فقد اكتووا جميعاً بنار العسكر ، فبعضهم لا يزال محبوساً بجانب الأحرار في سجون الطاغية السيسي ، ولكن شتان بين من اعتقل مظلوماً وهو يدافع عن حريته ومبادئه .. وآخر انقلب عليه الطاغية كما هي عادة الطغاة في التخلص من كل من دعموه !! .
هؤلاء الذين فرحوا بإراقة دماء الأبرياء في رابعة وهللوا وطبلوا ورقصوا على جثث الضحايا المتفحمة من النساء والأطفال ، نراهم اليوم وهم يصرخون لأن الوعود الكاذبة بالغنى وصلاح الأحوال لم يتحقق منها شيء .
إنها لعنة الدماء المعصومة التي ستبقى تطارد كل من أمر وشارك ونفذ وأيد وفوض أو صمت عن ارتكاب هذه المجازر .
وها هي السنوات التسع التالية لمذبحة رابعة تكشف زيف أصحاب الوطنية الكاذبة ودعاة إنقاذ البلاد والحفاظ عليها ! .
وها هو النظام ولأول مرة يعلن أنه مأزوم ، وأنه على شفى الإفلاس (علي الرغم من أكاذيب الإعلام المأجور وأكاذيب إدارة الشؤون المعنوية) ويعترف صاغراً بتفاقم الأزمات .
ومن باب ذر الرماد في العيون نراه يدعو لحوار وطني خادع ، كنوع من المناورة السياسية والتغطية على الأوضاع الاقتصادية المتردية ، والخشية من تجدد موجة ثورية جديدة تهدد وجوده .
ويأتي هذا الحوار الوطني المزعوم مع قوى لا تمثل إلا نفسها ، ولا وجود لها على أرض الواقع ، لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد ليس إلا .
فها هو بعد الإعلان عن هذا الحوار الوطني يعود ويفرغه من مضمونه من خلال وضع قيود وأقفال وخطوط حمراء مثل : لا تعديل للدستور ولا تغيير للحكومة ولا حل للبرلمان ، وهو ما يكشف نية النظام من الدعوة للحوار ، وأنها دعوة للتغطية على فشله وتوجيه رسالة للغرب رداً على الانتقادات المتنامية لملف حقوق الإنسان بمصر .
وكان هذا الحوار الوطني _ لو كان حواراً حقيقياً صادقاً _ يقتضي الإفراج عن ءالاف المعتقلين السياسيين ، أو على الأقل تحسين ظروف الإعتقال .
لكن ماحدث هو العكس تماماً ، فقد استمر النظام في الاعتقال التعسفي بِتُهمٍ معلبة سلفاً ، واختفاء قسري لم يتوقف ، فضلاً عن التعذيب الممنهج في السجون ومقار الاحتجاز .
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية نرى النظام الانقلابي يسعى لمزيد من القروض وبيع الأصول بعد ضمها تحت صندوقهم السيادي ! ، وكلها حلول لن تجدي كثيراً في إخراج النظام من تخبطه وفشله ، إلا أنها تغرق البلاد أكثر وأكثر في أوحال الديون .
ومع حلول الذكرى التاسعة لمذبحة رابعة العدوية التي وصفتها منظمة “هيومن رايتس ووتش” بأنها قتل ممنهج لما لا يقل عن 1150 متظاهراً بأيدي قوات الأمن المصرية في 14 من أغسطس عام 2013 .. فسيظل يوم الرابع عشر من أغسطس 2013 يومًا فاصلاً في تاريخ النضال الوطني المصري ، وسيظل شاهدًا على هذه الجريمة النكراء ضد الإنسانية وضد الشعب الذي انتفض للدفاع عن حريته وإرادته الشعبية واختياراته الديمقراطية وعن أهداف ثورته بصورة سلمية ، قابلتها أجهزة الأمن بالمدرعات والطائرات الهليكوبتر وإراقة الدماء بالرصاص الحي المتفجر ! .
وستظل ذكرى مذبحة رابعة أيقونة للثورة الحقيقية ، وسيظل شعارها مرفوعًا خفاقاً كرمزٍ لانتفاضة شعب أراد الحرية والعيش الكريم ، ورفض الذل والخنوع وحكم العسكر ورفض الانقلاب العسكري الدموي الغاشم .
كما ستظل أحداث مذبحة رابعة حية مهما طال عليها الزمن ، ولن تسقط جرائمها بالتقادم ، وستحييها دائماً أرواح الشهداء الذين ضحوا في سبيل عزة الوطن واستقلاله وكرامته ، وكذلك آهات آلاف الجرحى والمصابين ، وأنات المعتقلين والمختفين الذين يقدمون حريتهم قرباناً للحرية والكرامة الإنسانية .
ولا زلنا نطالب _ ولن نملّ _ بضرورة تشكيل لجنة حقيقية محايدة لتقصي الحقائق للتحقيق في وقائع القتل الجماعي للمتظاهرين السلميين الذين واجهوا رصاص الغدر والخيانة بصدورهم العارية ، ومحاسبة المتورطين في تلك المذبحة ، وضمان عدم إفلات أحد من المحاسبة كائناً من كان .
كما نجدد مناشدة شعوب وأحرار العالم لدعم حملة لاعتبار يوم 14 أغسطس من كل عام يوماً عالمياً للتظاهر الحر ؛ وتأكيد الحق في التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي .
وستبقى ثورتنا مستمرة ما استمر الظلم والطغيان وإهدار الحقوق والحريات والتفريط في مقدرات الوطن وبيع أصوله ، والتنازل عن ثرواته وحقوقه التاريخية في مياه النيل وبيع الأرض مقابل الاحتفاظ بكرسي الحكم الزائل وعلى حساب دماء الأبرياء .
ومهما غابت عدالة الأرض بسبب ظلم الظالمين فستبقى عدالة السماء أمل المظلومين .
خفف الخطى عن ثرى رابعة
واخلع نعليك
إنك بأرض الساجدين
واسأل الدماء التي سالت
هل للقاتل دين؟

Comments

comments

شاهد أيضاً

عامر عبد المنعم يكتب : الملك تشارلز والدفاع عن الدين البروتستانتي

قضية فصل الدين عن الدولة لا تجد لها مروجين إلا في بلادنا، فأوربا مرتبطة بالمسيحية، …