د عز الدين الكومي يكتب : (الظلمة وأعوان الظلمة)


الني ما قاله قائد الانقلاب وهو يبرّئ المشير طنطاوي من المجازر التي اقترفها بحق الشباب حرصاً على سيطرة العسكر على البلاد بقوله : “أنا كنت مسئول في الفترة دي ، والله العظيم المشير طنطاوي بريء من أي دم في أحداث ماسبيرو ومحمد محمود واستاد بورسعيد ومجلس الوزراء”.

تذكرت مباشرة قول الدكتور “مصطفى السباعي” – رحمه الله – حين قال : “عندما يمسك بالقلم جاهل ، وبالبندقية مجرم ، وبالسلطة خائن ، يتحول الوطن إلى غابة لا تصلح لحياة البشر” .
فهناك الطاغية الظالم الذي يأمر ، وهناك من الأعوان من ينفذ أوامره ، هؤلاء الأعوان الذين يعتقلون الأبرياء أويطلقون الرصاص عليهم بزعم أنهم عبيد المأمور ، وكذلك الجنود الذين يحمون عروش الظالمين _ من الشرطة والأمن وأجهزة الاستخبارات _ الذين حصروا مهمتهم فى حماية نظام الطاغية ، ومن خلفهم جيوش تخلت عن مهامّها التي حدّدتها لها الدساتير ، وهى حماية الحدود والدفاع عن البلاد ضد أى خطر خارجي يهددها ، والسجانون الذين يقومون على سجون ومعتقلات الطغاة الذين ينكّلون بالمعتقلين فيها ويحولونها إلى مسالخ بشرية ، وكل كاتب سخّر قلمه ، أو شاعر رفع عقيرته لمدح الطاغية والدفاع عنه ، وأرجوزات الإعلام الذين يزينون الباطل ويزيفون الحقائق ويضللون الشعوب إرضاءً للطاغية ، والقضاة الذين يحكمون فى قضايا ملفقة من جلاوزة الشرطة دون تَثَبُّتٍ أو تحقُّق وهم يعلمون أنهم يحكمون على متهمين أبرياء ، والذين يؤيدون ويفرحون بالظلم ويصفقون له ، وكل المرتزقة والمنتفعين والبلطجية الذين يناصرون الظالم للحفاظ على مكاسبهم وامتيازاتهم التي يمنحها لهم الطاغية …. كل أولئك ليسوا أعوان الظلمة ولكنهم الظلمة أنفسهم !!
فكل من أعان الظالمين ولو بخدمة مباحة ، كما قال ابن تيمية _ رحمه الله _ : ” قال غير واحد من السلف : أعوان الظلمة من أعانهم ، ولو أنه ناولهم دواة ، أو برى لهم قلمًا ، ومنهم من كان يقول : بل من يغسل ثيابهم من أعوانهم” .
والمعين على الإثم والعدوان له نصيب من هذا الإثم ، قال تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا} [النساء: 85] “.
وقال رجلٌ للإمامِ أحمدَ : ترى أنّي من أعوان الظلمة؟ قال له: وما تصنع؟ قال : خَيَّاطُهم ، فقال : لا ، بل أنتَ منهم ، إنّما أعوانُهم الذي يبيعُك الخيطانَ والإبرة” .
وقال أبو بكر المروذي : “لما حبسوا أحمد بن حنبل في السجن جاءه السجان , فقال : يا أبا عبد الله الحديث الذي روي في الظلمة وأعوانهم صحيح؟ قال: نعم، قال السجان: فأنا من أعوان الظلمة؟ قال له: أعوان الظلمة من يأخذ شعرك ويغسل ثوبك ويصلح طعامك ويبيع ويشتري منك، فأما أنت فمن أنفسهم”.
وهناك عقاب ينتظر أعوان الظلمة كما جاء في الأثر : إذا كان يوم القيامة قيل : أين الظلمة وأعوانهم؟ أو قال : وأشباههم فيجمعون في توابيت من نار ، ثم يقذف بهم في النار” .
ومن عقابهم أيضاً مناداتهم على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يعرفوا أنهم أعوان الظلمة ، كما جاء في تفسير الرازي روي في الحديث : «ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة ، فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار».
وقال أهل العلم : ومن أحكام التعامل مع أعوان الظالمين أنه لا يمدح ولا يكرم ، كما ورد في الأثر : ”إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق” .
وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم كثرة الشُرط علامة من علامات الساعة ، وقد ظهرت ومازالت في استمرار ، كما هو مشاهد اليوم ، بل في ازدياد مستمر .
وهؤلاء الشرط هم أعوان الظلمة الذين يضربون الناس ظلمًا وعدوانًا .
والشرط هم رجال الشرطة أعوان الولاة ، والمراد كثرتهم بأبواب الأمراء والولاة ، وبكثرتهم يكثر الظلم ، يغدون في سخط الله ، ويروحون في لعنته وغضبه ؛ كما جاء في حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يكون في هذه الأمة في آخر الزمان رجال أو قال : يخرج رجالٌ من هذه الأمة في آخر الزمان معهم سياط كأنها أذناب البقر ، يغدون في سخط الله ، ويروحون في غضبه»
وفى حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يوشك إن طالت بك مدة ، أوشكت أن ترى قوماً يغدون في سخط الله ، ويروحون في لعنة الله ، في أيديهم مثلُ أذناب البقر».
فهؤلاء الأعوان لهم نفس عقوبة الظالم الذى أعانوه على ظلمه وسفكه الدماء المعصومة وأكله أموال الناس بالباطل وهتك أعراضهم .
قال تعالى 🙁 إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) القصص: 8 .
فاعتبرهم النص القرآني مسؤولين جميعا ونسب إليهم الخطأ بل الخطيئة كلهم ، وفرعون هنا مثال ونموذج للقائد ، وهامان مثال ونموذج للوزراء ، والجنود هم الجنود .
وكما قال منديلّا :
لا يدافع عن الفاسد إلا فاسد ..
ولا يدافع عن الساقط إلا ساقط ..
ولا يدافع عن الحرية إلا الأحرار ..
ولا يدافع عن الثورة إلا الأبطال ..
وكل شخص فينا يعلم عن ماذا يُدافع ..
إنها بلادي للأسف .. بلاد الظلم ، كما وصفها سميح القاسم بقوله :
“بلاد الرعب أوطاني .. من القاصي إلى الداني .
ومن جهلٍ إلى فقرٍ .. ومن سجنٍ إلى ثانِ .
بلاد الرعب أوطاني”.


Comments

comments

شاهد أيضاً

أحمد مفرح يكتب : محاكمة قتلة ريجيني في إيطاليا.. فماذا عن “ريجيني” الآخرين في مصر؟

من المألوف أن تَكتُب الديكتاتوريات العسكرية أهازيج الاستقرار الوهمية خلف سياج الخوف، وعلى أنغام نظريات …