د عز الدين الكومي يكتب : حوار بدون خطوط حمراء

ابعت الحوار الوطني الذي تقوده المعارضة المصرية بالخارجة، فرأيت حواراً جاداً وشفافاً ، ليس فيه خطوط حمراء أو قيود ، أو “أقفال ضياء رشوان” ، كما لاتوجد شروط مسبقة لمن يشارك في الحوار .
ورأيت حرص المتحاورين على إيجاد حلول لكافة المشكلات التي تسبب فيها الانقلاب العسكري ، وتحقيق حلم الشعب في إحياء أهداف ثورة يناير بعد أن أجهز عليها العسكر .
فهل يقبل نظام الانقلاب بالتعاطي مع مخرجات الحوار باعتبارها رؤية وطنية للخروج من النفق المظلم ؟!!
وهل يصغي نظام الانقلاب لصوت العقل والاستفادة من حوار المعارضة ؟ أم سيطلق إعلامه المخابراتي المأجور للنيل من كل من شارك في الحوار الوطني بالخارج باعتبارهم غير وطنيين يتآمرون على مصر؟!!
أما ما يقوم به ضياء رشوان ومن معه من الأحزاب الكرتونية فليس حواراً وطنياً بقدر ما هو دعاية رخيصة للنظام الانقلابي وأنه تغير حاله بين عشية وضحاها إلى نظام ديمقراطي يستمع للرأي والرأي الآخر ، وحقيقة الأمر أن ما يقوم به ضياء رشوان “الوكيل الحصري للحوار الوطني” لا يعدو كونه مناورة سياسية لكسب مزيد من الوقت لتخفيف الضغوط على النظام ، ومحاولة لجر المعارضة للمشاركة في الكارثة التي حلت بالبلاد تحت حكم العسكر ليس إلا .
وبعد جلسات عديدة بين الأحزاب الكرتونية وأدعياء الديمقراطية ممن يطلقون على أنفسهم الحركة المدنية الذين يحتكرون حق توزيع صكوك الوطنية .. فليس هناك إلا مزيداً من القمع وتكميم الأفواه ، ولايوجد أي برهان على أن النظام المأزوم حريص على حوار وطني حقيقي !!
ولعل ما حدث مؤخراً فى انتخابات حزب الدستور بين جميلة إسماعيل من ناحية وخالد داوود مرشح الجهات الأمنية من ناحية أخرى .. يوضح لنا بجلاء كيف يدير النظام ومن معه الحوار المزعوم .
فعندما تَلقَّى خالد داوود الرئيس السابق لحزب الدستور هزيمة قاسية على يد جميلة إسماعيل قرر الاستقالة ، وهو الذي طالما بشر الناخبين بانتخابه ، من خلال ترويجه بأن أسلوب وسياسة جميلة إسماعيل يمكن أن يؤديا إلى التصادم مع النظام ، وهو ما قد يؤدي إلى إلقاء أعضاء الحزب في السجون ! .
وكأن أسلوب جميلة إسماعيل هو الذي حرض بلطجية النظام على إفطار القوى المدنية في رمضان الماضي ، وإصابة خالد داوود وشركاه ، وحبسه لمدة سنتين ، وخروجه بصفقة مع النظام .
فقد تلقى خالد داوود دعوة من الأجهزة الأمنية لحضور حفل إفطار الأسرة المصرية في إبريل الماضي _الذي شهد إطلاق الدعوة لحوار المنقلبين _ وبعد حصوله على صك الوطنية طالب الإخوان بالتسليم بشرعية النظام الانقلابى ، والاعتراف بدستور 2014 إذا أرادوا المشاركة في حوار “الطرشان” .
ولكن ضياء رشوان المنسق العام لمجلس أمناء الحوار الوطني ، وشيخ مشايخ الطرق الحوارية الوطنية فقد قال بصريح العبارة : “نحن لسنا سلطة تنفيذية ولا قضائية ، ولا نملك حل برلمان ولا إجراء انتخابات مبكرة ، وليس هذا مطروحاً ، نحن مجموعة نتشاور حول أولويات العمل الوطني ونقدم إجراءات بشأنها فقط” ! .
وإن الحكومة لا يغيرها إلا 3 أشياء «إقالة أو استقالة أو سحب ثقة» ونحن لا نستطيع الإقالة أو نجبر شخصًا على الاستقالة ولا نسحب الثقة !! .
وزعم أن استبعاد الإخوان من الحوار ليس بمزاج مجلس الأمناء أو قرار الرئيس ، وإنما هو قرار الشعب !! .
وقد نسي أو تناسى أن هذا هو الشعب الذي منح ثقته لجماعة الإخوان من خلال الاستحقاقات الانتخابية المتعددة التي جرت بعد ثورة يناير .
وبذلك فقد قطع ضياء رشوان الطريق على كل من ظن _ وإن بعض الظن إثم _ أن نظام الانقلاب يمكن أن يطيق سماع رأي آخر غير رأي المطبلين له في إعلام “فاهيتة” أو أنه يريد فعلا حواراً وطنياً جاداً !! .
وبذلك فقد تبددت ظنون الأحزاب الكرتونية وذهبت أدراج الرياح لعدم الاستجابة لأي مطلب من مطالبها ، وأدناها الإفراج عن عدد كبير من المعتقلين حتى من غير الإسلاميين !!
وهو ماوضع هذه الأحزاب في مأزق حقيقي لاتحسد عليه . وهو ماجعلهم يعترفون سراً فى غرفهم المغلقة بأنهم أخطأوا عندما هرولوا للحوار الوطني المزعوم بدون ضمانات ، وأنهم ارتكبوا خطيئة أخرى بإعلانهم استبعاد الإخوان وجماعات وأحزاب الإسلام السياسي ، الفصيل السياسي الأقوى حضوراً في الشارع تزلفاً للنظام الانقلابي .
وأخيراً جيئ بعمرو حمزاوي ليكمل الطبخة الحوارية الوطنية والذي لم يخف أحقاده القديمة وثوريته الزائفة وهو رجل العلوم السياسية فكان وطنياً برخصة ! .
وقد ذكرني موقف عمرو حمزاوي بموقف وطنية العاهرات في مطلع القرن العشرین ، عندما كان شارع “كلوت بك” القريب من محطة القاهرة – باب الحديد – يسمى شارع (البغاء) ، فكانت بیوت البغاء محددة ومواعیدھا معروفة في بدية فتحها وإغلاقها ، الأمر الذي أدى إلى إنشاء مستشفى خاص بالعاھرات بمنطقة السیدة زینب ، وھو مستشفى “الحوض المرصود” حالیًا .
ومن الطرائف الوطنیة في مصر المحروسة أنه بعد انتهاء الحرب العالمیة الثانية كان عدد الجنود الإنجلیز في مصر كبیراً ، ویحتاجون إلى الترفیه لكن “العاھرات المصریات” كان لديهن موقف “مشرف” في النضال والوطنية !!
فقد رفضن ممارسة الجنس مع جنود الاحتلال البريطاني بدافع وطني ! .
وهذا الموقف الوطني “المشرف” من العاهرات الوطنيات دفع الإنجلیز إلى استیراد عاھرات أجنبیات من جنسیات مختلفة ، فأطلق المصريون على شارع” كلوت بك” شارع “الدعارة المستوردة” ، وكان هناك موقف “مشرف” أيضاً ، يحسب لرواد بيوت البغاء من المصريين ، الذين رفضوا ممارسة البغاء مع غیر الوطنیات !! .
فقد قال حمزاوي : “أن الحوار الوطني يقام تحت شعار الجمهورية الجديدة ، وأن الحوار يستهدف تحقيق توافق مجتمعي عام وليس فقط على الصعيد السياسي ، وأن شعار الجمهورية الجديدة هو “الجمهورية العادلة” ! وجمهورية الرأي والرأي الآخر ، وهي لا تتكئ على الماضي ولكن تصنع حاضراً ومستقبلاً للجميع .
وأن الجمهورية الجديدة عادلة عبر استعادة هيبة الدولة وقوة مؤسساتها بعدما تعرضت لهزات متتالية خلال العقود الماضية على وقع أزمات متراكمة .
إنها وطنية البيادة في أحط صورها !! .
وإلى هؤلاء الذين يطالبون الإخوان بالاعتراف بشرعية المنقلب والاعتراف بدستور 2014 الانقلابي نقول لهم : إن أول من خالف دستور الانقلاب 2014 هو قائد الانقلاب !! ، الذى التف على المواد التى تحدد فترة الرئاسة بمدتين ، والمواد التي حصّنت الأجهزة الرقابية ومنصب
وزير الدفاع .
إذن .. فلا عجب فقد أكل الحمار
الوطني الدستورين في مصر وتونس !!

Comments

comments

شاهد أيضاً

د. محمد الصغير يكتب : السفير رفاعة الطهطاوي في غزة

أصبحت الحرب على غزة من الثوابت الموسمية لدى العصابة الصهيونية، ويحرص كل من يصل إلى …