د عز الدين الكومي يكتب : خيانة الأوطان و”العودة بخفي حنين”

تتلخص قصة هذا المثل العربي “عاد بخفي حنين” أن حُنَيناً هذا كان إسكافياً من أهل الحيرة ، فأراد أعرابي أن يشتري منه خُفَّين ، وساومه عليهما فاختلفا حتى غضب حنين وأراد أن يغيظ الأعرابي ، فلما ارتَحَلَ الأعرابي أخذ حنينٌ أحدَ خفيه وطَرَحه في الطريق ثم ألقى الآخر في موضع آخر ولما مرَّ الأعرابي بأحدهما قال : “ما أشبه هذا الْخفَّ بخف حنين ، ولو كان معه الآخر لأخذته” ثم مضى ، ولما انتهى إلى الآخر نَدِمَ على تركه الأول ، وقد كَمِنَ له حنينٌ يراقبه ، وعندما عاد الأعرابي ليأخذ الأول سرق حنينٌ راحلته وما عليها وذهب بها .
ثم أقبل الأعرابي على قومه وليس معه إلا الخُفَّانِ فقال له قومه : ماذا جئت به من سفرك؟ فقال “جئتكم بِخُفَّيْ حُنَين” وأصبح مثلاً يضرب عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة .
هذا المثل ينطبق _ في التاريخ القريب _ على “الشريف حسين” الذي أغرته بريطانيا بإعلان الثورة على تركيا التي دخلت الحرب العالمية الأولى في 1914 بجوار ألمانيا مما شكل خطراً على مصالح بريطانيا .
فراسل الإنجليزُ شريفَ مكة “الحسين بن علي” لتشجيعه على الثورة ضد الوجود التركي في الحجاز ، واعدين إياه بمنصب الخليفة .
وفي 30 أغسطس 1915 أرسل المندوب السامي البريطاني في مصر “مكماهون” إلى الشريف رسالة تحريضية قائلا له : “إن جلالة ملك بريطانيا العظمى يرحب باسترداد الخلافة إلى يد عربي صميم من فروع تلك الدوحة النبوية المباركة”!! .
وفي صيف 1915 أرسل الشريف حسين بن علي رسالةً إلى “كتشنر” يطالب فيها بأن تصبح الأجزاء العربية في قارة آسيا كلها مملكةً مستقلةً تحت حكمه ، وأوضح لهم أنه لا يريد أن يكون خليفةً المسلمين ، بل ملكاً على العرب .
وبدأت المراسلات المعروفة باسم “مراسلات حسين – مكماهون” ، والتي طمأنه فيها الأخير ، وأخبره بأن مسألة الحدود بشكلها النهائي سيتم مناقشتها بعد انتهاء الحرب .
واشتعلت الثورة العربية الكبرى ضد الدولة العثمانية في 10 يونيو 1916 ، حينما أعلنها الشريف الحسين بن علي في مدينة مكة وأطلق رصاصته الأولى ، وامتدت إلى جدة والطائف والمدينة ، وظنّ أنها ستمتدّ إلى بلاد الشام والعراق وتؤثر في الأحداث .
وأمدت بريطانيا الشريف بالمال والسلاح ، وتحرك الأسطول البريطاني فوراً على طول ساحل الحجاز ليمنع وصول الأسطول التركي والألماني ، وكان البريطانيون يتوقعون أن هذا الدعم سيكون مرحلياً ، نظراً لأن الشريف حسين وابنه فيصل أكدا للإنجليز أن العرب جميعهم سينضمون لثورتهم ، وكذلك نصف جنود الجيش العثماني إن لم يكن أكثر من ذلك ، ولكن هذا لم يحدث أبداً .
وقد تم خلال هذه الثورة نسف طريق قطار الحجاز لتقطيع أوصال الأمة .
وفي الوقت الذي كانت بريطانيا تراسل الشريف حسين كان الانجليز والفرنسيون والروس يخططون ويجتمعون ليتقاسموا المنطقة العربية ، والذي تبلورت فيه اتفاقية “سايكس بيكو” الشهيرة عام 1916 التي أعطوا بموجبها روسيا منطقة المضائق والقسطنطينية وما حولها ، وكذلك أربع ولايات تركية إسلامية تقع على الحدود المشتركة مع القوقاز .
وأعطوا فرنسا سورية كلها وجزءً من جنوب الأناضول حتى منطقة الموصل في العراق .
أما بريطانيا فاحتفظت بجنوب العراق ويشمل البصرة وبغداد ويصل إلى حيفا ويافا على البحر المتوسط ، أما القدس فقد جعلوها منطقة دولية لايسمح لأحد بالانفراد بها ، ثم أطلق بلفور وعده بإهدائها لليهود .
ولكن التآمر الفرنسي البريطاني الروسي ظل مخفياً حتى قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 والتي كشفت مؤامرة سايكس بيكو .
وأسست بريطانيا ولاية شرق الأردن وأعطتها لأبناء الشريف حسين ، وأما الشريف حسين فقد تم نفيه إلى قبرص بعد أن استولى الملك عبدالعزيز بن سعود على الحجاز .
ونترك الشريف حسين الذي انخدع بوعود بريطانيا وانتهى به الأمر منفياً في قبرص إلى نموذج آخر “لام أكول” الذي شغل منصب وزير خارجية السودان بعد توقيع اتفاق الخرطوم 2005-2007 .
وبعد انفصال الجنوب عن الشمال ذكر أنه عندما كان وزيراً للخارجية ذهب إلى أمريكا من أجل مناقشة رفع الحظر عن السودان فقال : (لم يتردد الأمريكان بل أخرجوا لنا التقارير المفبركة التي كنا نزودهم بها من أجل حصار السودان !! ).
وقال أحد الصحفيين السودانيين “أن وكالة المخابرات الأمريكية سربت وثيقة رسمية بأن بعض حكام السودان اليوم منحونا عدد (30) فيلماً وثائقياً وعدد (65) مستنداً وعدد (300) شاهداً من أجل حصار السودان والآن يطالبون برفع الحظر!!!!! .
وهذا مصير كل من يبيع بلاده في سوق النخاسة مقابل حفنة من الدولارات .
ولعل القضية الفلسطينية اليوم شاهدة على خيانات قادة وزعماء بجَّلتهم الأمة حيناً من الدهر قبل أن تتكشَّف خيانتهم وعمالتهم .
وكما يقول عمر أبو ريشة – رحمه الله- :-
أمتي كم صنم مجدته * لم يكن يحمل طهر الصنمِ
لا يُلام الذئبُ في عدوانه * إن يكُ الراعي عدوَّ الغنم ِ
فاحبسي الشكوى فلولاك لما * كان في الحكم عبيد الدرهم .

شاهد أيضاً

د. عصام عبد الشافي يكتب :الرياضة والسياسة وأسطورة ازدواجية المعايير

إن أحد أهم النجاحات التي حققتها قطر في إدارتها لملف تنظيم بطولة كأس العالم أنها …