د . عز الدين الكومي يكتب : “دعوة الخالدين بعد 92 عاماً”

92 عاماً مرت .. ودعوة الخالدين لا زالت روحاً تسري في جسد هذه الأمة لتحييها بالقرآن وبهدي النبي العدنان محمد صلى الله عليه وسلم ، خاصة بعد أن كان التعصب المذهبي يسود بين الشيوخ وطلاب العلم والمثقفين ، حتى إنه كان في الجامع الأزهر أربعة محاريب لإمام المذهب المالكي والشافعي والحنفي والحنبلي ، وكل واحد من هؤلاء لايصلي خلف الآخر ، ولا يتزوج أتباع مذهب من أتباع المذهب الآخر !!! .
92 عاماً مرت على دعوة الخالدين ، وها هي الصحوة المباركة تؤتي ثمارها بين شباب الأمة متمثلة في حفظ كتاب الله تعالى والعمل به ، وتلمُّس طريق النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته ، وبقاء جذوة الجهاد مشتعلة لم تنطفئ على أرض الرباط في فلسطين .
92 عاماً ولا زالت رسائل البنا ومعالم قطب ودستور الغزالي .. حيةً باقية تتوارثها الأجيال .
92 عاماً ولا زال شعار : “الله غايتنا ، والقرآن دستورنا ، والرسول زعيمنا ، والجهاد سبيلنا ، والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا” حياً باقياً .
92 عاماً ودعوة الإخوان لا زالت  تعمل وتنتشر بيقين ثابت لا يهتز ، بالرغم من تعرضها للظلم والقهر والقمع طوال هذه السنوات ؛ لكنها لا زالت حية في نفوس أتباعها ، لأنها فكرة ، والفكرة لن تموت بإذن الله .
92 عاماً ودعوة الإخوان المسلمين تتلمَّس طريقها كدعوة للإسلام الشامل الآتي من نبعه الصافي من القرآن الكريم والسنة المطهرة وطريق السلف الصالح ، فالإسلام دين شامل لا يقبل التجزئة ؛ ينظم حياة المسلم من المهد إلى اللحد ، وينظم شؤون الحياة جميعها للفرد والجماعة والدولة والأمة  ، لا كما يتوهم أتباع فصل الدين عن الحياة وشعارهم في ذلك “دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله” ، فالإسلام لايعرف هذه التفرقة ؛ لأن قيصر وما لقيصر والكون كله ملكٌ لله سبحانه وتعالى .
لذلك يوضح الإمام البنا – رحمه الله – للذين يقفون موقف العداء من هذه الدعوة : أنها دعوة الإسلام في القرن العشرين ، وأنه لم يأت بجديد ، فيقول رحمه الله : “نحن ندعو الناس إلى الإسلام لا إلى الإخوان ، فإذا دخلوا الإسلام تآخوا فيما بينهم وأصبحوا إخواناً مسلمين” !! .
و يؤكد في موضع آخر من رسائله أن هذه الدعوة لابد لمن يتحملها أن يحيطها من كل جوانبها فيقول : “نحب أن يعلم قومنا إلى جانب هذا أن هذه الدعوة لا يصلح لها إلا من أحاطها من كل جوانبها ، ووهب لها ما تُكلِّفه إياه من نفسه وماله ووقته وصحته ، قال تعالى : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة:24).
كما يوضح رحمه الله أن هذا الدعوة غالية وعالية وسامية لا تخضع للمطامع والأهواء الشخصية فيقول : “ونحب مع هذا أن يعلم قومنا – وكل المسلمين قومنا – أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة ، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية ، واحتقرت المنافع المادية ، وخلَّفت وراءها الأهواء والأغراض ، ومضت قدما في الطريق التي رسمها الحق تبارك وتعالى للداعين إليه : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108) ، فلسنا نسأل الناس شيئاً ، و لا نقتضيهم مالاً ، ولا نطالبهم بأجر ، ولا نستزيد بهم وجاهة ، ولا نريد منهم جزاءً ولا شكورا ، إن أجرنا في ذلك إلا على الذي فطرنا” .
وعلى طريق ونهج الأنبياء في دعوة أقوامهم من التودُّد إليهم والشفقة عليهم يقول رحمه الله : “نحب أن يعلم قومنا – وكل الناس قومنا – أنهم أحب إلينا من أنفسنا ، و أنه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداءً لعزتهم إن كان فيها الفداء ، وأن تزهق ثمناً لمجدهم وكرامتهم ودينهم وآمالهم إن كان فيها الغَناء ، وما أوقفنا هذا الموقف منهم إلا هذه العاطفة التي استبدت بقلوبنا وملكت علينا مشاعرنا ، فأقضت مضاجعنا ، وأسالت مدامعنا ، وإنه لعزيز علينا جد عزيز .. أن نرى ما يحيط بقومنا ثم نستسلم للذل أو نرضى بالهوان أو نستكين لليأس ، فنحن نعمل للناس في سبيل الله أكثر مما نعمل لأنفسنا ، فنحن لكم لا لغيركم أيها الأحباب ، و لن نكون عليكم في يوم من الأيام ، ولسنا نمتن بشيء عليكم ، ولا نرى لأنفسنا في ذلك فضلاً ، وإنما نعتقد قول الله تعالى : (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)” (الحجرات:17.
بل يذهب الإمام البنا رحمه الله إلى أبعد من ذلك حين يصارح أتباعه من الإخوان بحقيقة هذه الدعوة ، وأنه  التضحية واجبة عليهم من أجل أمتهم ، فتجده يقول : “أيها الإخوان : هل أنتم مستعدون أن تجوعوا حتى يشبع الناس؟ ، وأن تسهروا حتى ينام الناس ؟ ، وأن تتعبوا حتى يستريح الناس؟ ، وأخيرا أن تموتوا كي يحيا الناس؟ ، أيها الإخوان : كونوا مع الناس كالشجر .. يرمونه بالحجر .. فيلقي إليهم بأطايب الثمر” .
وأخيرا وليس آخراً نجد الإمام البنا رحمه الله يضع منهجاً للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة بعيداً عن الغلو فيقول رحمه الله : “أيها الإخوان : إذا رأيتم الناس يبنون لأنفسهم أكواخاً من العقيدة الفاسدة .. فلا تهدموا عليهم أكواخهم ، لكن ابنو لهم
قصوراً من العقيدة السمحة الصحيحة ، فيفرُّون إليكم ويتركون ما كانوا عليه من باطل” .
حفظ الله دعوة الخالدين ، وأتم انتشارها في العالم ، ونصرها ونصر حامليها ، فإن ذلك نصر للإسلام كما أسلفنا .
وما أجمل أن نختم مقالنا هذا بما قاله الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى ورضي عنه عندما سُئل عن الإخوان فقال : “الإخوان المسلمون شجرة طيبة ، ما أروع ظلالها وأورع نضالها ، رضي الله عن شهيد استنبتها ، وغفر الله لمن تعجل ثمرتها”.

شاهد أيضاً

أحمد السيد النجار يكتب :هل كانت مصر “أي حاجة” وحوّلها السيسي إلى بلد؟!

لم يرد في خيالي أنّ مصر العظيمة سيأتي عليها يوم ليصرّح رئيسها في محفل عام …