د. علاء الأسواني يكتب:‏هل بدأت انتفاضة جديدة في مصر ؟ اصنع مصيرك بنفسك


“مظاهرات محدودة النطاق” .هكذا وصفت الإذاعة البريطانية المظاهرات التي اندلعت في مصر في محافظات عديدة ضد الرئيس السيسي. الوصف دقيق لأن عدد المشاركين في المظاهرات كان قليلا ولذلك فهي محدودة النطاق لكنها قطعا ليست محدودة التأثير ولا محدودة الأهمية لأن هؤلاء المتظاهرين كسروا حاجز الرعب الذي بناه نظام السيسي على مدى سنوات.
فبعد السيطرة الكاملة على الإعلام والجهاز القضائي وبعد الاعتقال العشوائي والتعذيب وتلفيق التهم  لعشرات الألوف من الأبرياء، اطمأن المسؤولون إلى أن المصريين قد خرسوا إلى الأبد ولم يتصوروا أبدا أن يجرؤ شخص واحد على النزول في الشارع ليطالب السيسي بالتنحي عن السلطة. لقد شكلت هذه المظاهرات نقطة تحول في الأحداث ولعلها القطرات القليلة التي سيعقبها سيل كاسح سيحقق للمصريين العدل والحرية. هنا يجب أن نتذكر بضع حقائق:
أولا: التظاهر السلمي حق دستوري لأي مصري وقانون التظاهر الذي صنعه السيسي ينتهك الدستور وكل الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي وقعتها الحكومات المصرية المتعاقبة. من حق أي مصري أن ينزل في الشارع ليعبر عن رأيه بطريقة سلمية ولا يجوز اعتبار التظاهر السلمي جريمة مهما تكن الذرائع والتبريرات.
ثانيا: استطاع محمد علي أن يؤثر في المصريين البسطاء الذين أعجبوا به  لإحساسهم بأنه رجل بسيط مثلهم يطالب بحقوقهم ويتكلم بلغة الشارع  التي يفهمونها أضف إلى ذلك أن سياسات السيسي الاقتصادية الظالمة  قد جعلت الحياة مستحيلة على ملايين الفقراء، لكن محمد علي ارتكب خطأ كبيرا (من وجهة نظر الكاتب وهو ما لم يحدث) عندما ارتبط بالإخوان المسلمين، ففقد جانبا كبيرا من تأثيره الأمر الذي يفسر قلة أعداد المتظاهرين بالمقارنة بمتظاهري العام الماضي. 
ثالثا: كان اندلاع المظاهرات مفاجأة كبرى ارتبك منها نظام السيسي وفقد توازنه، ثم حاول استرضاء الشعب الغاضب عن طريق تصريحات خادعة لرئيس الوزراء. ولما استمرت المظاهرات لجأ النظام إلى الحيل القديمة المعروفة بدءا من استدعاء والد محمد علي ليلعنه ويتهمه بالخيانة في التليفزيون إلى نشر صور محمد علي وهو سهران في الملاهي الليلية أضف إلى ذلك استدعاء مواطنين ليرقصوا أمام الكاميرات دعما للسيسي ثم  إنكار مذيعي النظام لحدوث أي مظاهرات أصلا وترديدهم لوصلات طويلة من الشتائم واتهامات للمعارضين بالخيانة. وأخيرا انتهت كل هذه المسرحيات بظهور السيسي نفسه ليلقي على عجل خطابا عجيبا حذر فيه المصريين من “الأشرار” الذين يريدون إسقاط الدولة المصرية  وكأن كل من يعارض سياسات السيسي ينتمي بالضرورة إلى الأشرار. وقد وضع السيسي المصريين أمام اختيارين لا ثالث لهما، إما الخضوع للاستبداد وتحمل الظلم وإما السقوط في الفوضى التي ستجعلهم لاجئين يعيشون في المعسكرات وينتظرون الإعانات الدولية.
نفس هذا المنطق استعمله حسني مبارك عندما طالبه ثوار يناير بالتنحي، فقال “أنا أو الفوضى”. إن المنطق الذي استعمله السيسي قاصر ومرفوض، فبالإضافة إلى الخضوع للظلم والفوضى هناك اختيار ثالث من أبسط حقوقنا: أن نعيش في دولة ديمقراطية عادلة كمواطنين محترمين بدون قمع ولا ظلم ولا فوضى.
رابعا: الدرس الذي نستخلصه من هذه المظاهرات ان نظام السيسي برغم كل ما يملكه من أدوات جبارة للقمع والتضليل والسيطرة يستحيل أن يصمد طويلا أمام حركة جماهيرية حقيقية. يجب أن نتعلم أنه لا أحد سيمنحنا حقوقنا إذا لم ننتزعها بأنفسنا  وأنه لا جدوى من استعطاف الديكتاتور  لأن الحاكم ليس والد الأمة ولا رمز الوطن وإنما هو موظف وخادم للشعب ينفذ مطالبه ومن حق الشعب أن يحاسبه ويستطيع تغييره سلميا متى  أراد. 
إن الحرية والكرامة والعدل ليست عطايا أو هدايا سوف تمنح لنا بغير ثمن وإنما هي حقوقنا الطبيعية التي لن نحصل عليها أبدا ما لم ندفع ثمنها بالتضحيات وننتزعها بالنضال السلمي. أيها المصري إن مصيرك ليس بيد السيسي وإنما بيدك أنت.

Comments

comments

شاهد أيضاً

د. عزالدين الكومي يكتب :ابتسامة الإعدام

ليس بمستغرب على الإعلام العكاشي، الذى شيطن ثورة يناير وشيطن رموزها، واعتبرها مؤامرة كبرى ضد …