د. علي العتوم يكتب: تصريحات الأحمد غير الحميدة

صرح السيد عزام الأحمد عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومسؤول ملف العلاقات مع منظمة حماس، خلال لقاء له على قناة “فلسطين” الفضائية قبل يومين، بأنهم لن يسمحوا بإقامة ميناء بحري في قطاع غزة، وأنهم يتعهدون بإحباط أية محاولة من هذا القبيل. وجاء كلامه هذا في أجواء ما يدور في الأوساط الدولية والمحلية سرّاً أو علناً من حاجة القطاع المحاصَر منذ سنوات حصاراً خانقاً إلى منفذ له على العالم الخارجي، يُخفِّفُ من وطأة الحصار على أهله، علَّ في ذلك تنفيساً من هذا الاختناق. وهو ما يفكر فيه حتى اليهود أنفسهم في غرفهم السياسية المغلقة.

 ومعلوم أن المطالبة بالميناء الغزّي هذا، أتت من طرفين هما: أهل غزة أصحاب المصلحة الماسة في هذا الأمر، وهم يعيشون ظروفهم القاسية التي يشكون فيها ظلم المجتمع الدولي الفادح، ومن قبله ظلم إخوانهم العرب الذين يرونهم في هذه الأوضاع المزرية ولا يحركون ساكناً.

أما الطرف الثاني فهو الدولة التركية التي تشترط على إسرائيل لتسوِّي علاقاتها معها – إثر قتل نفر من رعاياها قبل سنوات أثناء قافلة (مرمرة) لإغاثة القطاع – الموافقة على بناء هذا الميناء.

ولما كانت تركيا الدولة الوحيدة من بين دول العرب والمسلمين التي تطالب بمشروع الميناء، فهي ترى أن يُربط هذا المشروع بالجزء التابع لها من جزيرة قبرص المقسمة بينها وبين اليونان. ولما كانت إسرائيل تشعر بجدية مطالبة تركيا، راحت تفكر بالسماح بإقامته رجاء تفادي هجمات حماس عليها أو تخفيفها، ورغبة منها بإعادة علاقاتها مع تركيا، وهي تراها الجمهوريةَ ذات الوزن المعتبر في المحيط الدولي، على أن يكون ذلك برعاية الأمم المتحدة وإشرافها هي نفسها.

ولما كان إنشاء الميناء يصب في صالح أهل القطاع الذي تسيطر عليه حماس، وتقف وراءه وبقوة تركيا ذات التوجه الإسلامي، ثارت ثائرة قصار النظر، وضعاف الإيمان، وأصحاب أجندات التصالح مع اليهود، من بعض المنتسبين لفتح ومن أبرزهم عزام الأحمد، فظهر بتصريحه بأنه يقف ضد المشروع بكل جهده، ذلك لأن منظمته لا تعترف بقبرص مقسّمة. أَمَا وقد قُسِّمت، فهو لا يعترف إلا بقبرص اليونانية، فالقبارصة اليونان هم حلفاؤه الذين وقفوا مع فلسطين في أحلك الظروف!

وأقول للسيد الأحمد –ومن ذيل هذا الكلام-: إذا كنت كما تزعم، لا تعترف بقبرص مقسّمة، فكيف تعترف ببلدك فلسطين مقسمة بينك وبين اليهود. وهي كلها في الحقيقة لك، ثم تعترف بقسم اليهود أنه لهم حلال، وبدولتهم المسخ عليه وهم غزاة أشرار ومغتصبون شذاذ أفاق، على أنهم مع كل هذا لا يعترفون بجزئك المقزّم أن تكون لك عليه دولة مستقلة، بل يزرعون بجانب كل بيت لك فيه مغتصبة، ولا يدعونك إثرها تعيش في قسمك مستريحاً، أو تتنقل بين أجزائه تنقلاً مريحاً؟!

ثم أتعلم -إذا كنت لا تعترف إلا بقبرص اليونانية، أو كنت تقرأ التاريخ– أن قبرص هذه كلها أرض إسلامية فتحها معاوية رضي الله عنه وقد أنبأَ بذلك الرسول عليه الصلاة والسلام بأحاديث صحيحة، وبشّر بعض الصحابة أن يكونوا من جيش فاتحيها، ومنهم الصحابية الجليلة أم حرام (الرُّمَيْصاء بنت مِلحان) الأنصارية والتي ما زال قبرها فيها إلى الآن، وبالذات في القسم الذي تسميه القسم الحليف, وهو يقوم هناك شاهداً على إسلامية هذه الأرض، ومعلماً من معالمها البارزة؟!

أَوَتعلم يا هذا، أن هذه الجزيرة الإسلامية كانت وكل جزائر البحر المتوسط جزائر عربية إسلامية إبّان عزّ المسلمين, حتى إذا جاء بعدهم خلْف (أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات) لقيت الأمة بهم غيّاً، وراحوا خاضعين لأعداء الله من الصليبيين واليهود والشيوعيين؟

 أوَتعلم أن قبرص هذه وخاصة قسمك الحليف كانت قاعدة إنجليزية تنطلق منها الطائرات لتضرب العرب في أي مكان، وتدعم اغتصاب اليهود لبلدك فلسطين؟

 أوَتعلم أن حاكمها القسيس مكاريوس كان وُدّه لأعداء العرب؟!

وإذا كنت لا تعترف بقبرص التركية حتى لا تُغضب حلفاءك المزعومين من القبارصة اليونان، أفلا (تَخْتَشِي) أو تتحشّم أن تُغضب أبناء دينك المسلمين القبارصة الأتراك، إن كان يهمك أمر الإسلام، وتاريخهم مع قضية فلسطين، تاريخ مشرّف لا يُدانيه في نصاعته في هذا العصر حتى ولا تاريخ العرب أنفسهم, وموقف السلطان عبد الحميد آخر خلفائهم مشهود ومعهود. كما أن موقف الدولة التركية اليوم ولاسيما بالنسبة للقطاع أشرف بكثير من مواقف العرب أجمعين؟

إنه لا ينقضي عجب المرء العاقل، وهو يسمعك تؤكد أنك وأشياعك لن تسمحوا بإقامة هذا الميناء، وفيه فتح نافذة فرج على قومك من أبناء فلسطين المُضيّق عليهم في كل شيء، فيتساءل: من هذا الذي يسعى جاهداً لغلق باب خير عن قومه المنكوبين، وهو يرى إخواناً لهم في الله يسعون لإغاثتهم وتفريج بعض كرباتهم، حتى العدو نفسه لا يمانع –بطريقة أو أخرى– أن يساهم في هذا التفريج، فيتذكر هذا المرء حينها أن من يفعل ذلك، هو في الحقيقة أقل اعتباراً وأعظم جُرماً من تلك المرأة التي دخلت النار بسبب هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض.

وليعلم السيد الأحمد ومن يشايعه على رأيه الفجّ الذي تأباه أُخوّة الدين والرحم إن كانا يهمانه، أن الإنسان الحر في سبيل نجدة قومه، وهم يعيشون في أعظم الضوائق الإنسانية، لا يهمه إن غضب العالم كله عليه وهو يقوم بواجبه تُجاههم، وهم الأهل والعشيرة. وليغضب بعدها العالم كله إن أراد، كما يهوى! ومن هو هذا العالم؟! إنه العالم الظالم الذي يقف وراء كل بلاوينا ومآسينا. وأضيف: ومن هي قبرص هذه حتى وهي موحَّدة التي تخشى عتبها عليك كما تزعم؟! ما وزنها في المجتمع الدولي، ومتى كانت تساعدنا في قضايانا، إلا أن يكون ذلك في تلافيف الوهم والخيال؟!

إنني أعلم أن السيد الأحمد ليس غبيّاً أو جاهلاً. إنه يرى أن التفريج عن أهل غزة إنما يصب في مصلحة حماس وهو يناوئها لأنها منظمةٌ مقاوِمة وهو ينتمي لمنظمة اختارت طريق المفاوضات العبثية سبيلاً لحل القضية. وحماس من بعدُ منظمة إسلامية، وهو ومنظمته ينتهج نهج العصبية القومية. ومن أجلها يكره كذلك تركيا، ويحقد عليها حقداً شديداً. إنه موقف من الأحمد غير مقبول بل مستنكر ومرفوض. وليعلم من بعدُ أن حماس ما استلمت قيادَ القطاع، إلا بعد ما حاول بعض المنتسبين لفتح الانقلاب عليها، وتحويل القطاع إلى ساحة يخبُّ فيها الفساد كما يشاء له الخب ويضع!

إنه لموقف جد غريب من الأحمد، وهو ابن القضية، أن يرى العرب عامة وحكام مصر خاصة يقفون من قطاع غزة هذا الموقف الشائن، ثم يأتي هو ليقف الموقف نفسه أو أشد. وليعلم الأحمد أن اليهود لا يكاد يمنعهم من الموافقة على إنشاء الميناء إلا خوفهم كما جاء عن نتنياهو من تهريب السلاح عن طريقه لحماس، أو عدم قدرة جيشهم عسكرياً كما يقول “يعلون” وزير الدفاع على الإشراف عليه ومراقبته، وليعلم أن حماس ماضية في طريق المقاوَمة والله ناصرها، كما ليعلم أن فلسطين لن تُسترجع إلا بالجهاد، وأن طريق المفاوضات طريق مضيعة ومخادعة، وأن إنشاء ميناء لغزة حقٌّ من حقوقها الطبيعية، وأُذكره أنه كان مقرراً من ضمن شروط المصالحة مع اليهود زمان عرفات.

وليعلم السيد عزام أن رجلاً بيده ملف المصالحة مع أبناء بلده لا يناسبه أن تصدر عنه مثل هذه التصريحات غير المحسوبة. وإنني لأراه يصدق عليه في تصريحاته هذه قول العرب لمن يتبع في السوء آثار من سلفه: (شنشنة أعرفها من أخزمِ). فلعله في ذلك يمتح من بئر تاريخ له موروث في الانحراف.

وأخيراً هل عَلِمَ إزاء كل هذا، أن تصريحاته هذه ليست سديدة ولا حميدة، إنما هي تصريحات خرقاءُ، مذؤومة ومذمومة، وأن قدر الله نافذ في التفريج عن أهلنا في غزة (فإنَّ مع العسرِ يُسراً، إنَّ مع العُسرِ يُسراً).

شاهد أيضاً

عبد الباري عطوان يكتب : ظاهرة حرق القرآن الكريم وحُريّة التعبير.. أُكذوبةٌ كبيرة

“حُريّة التعبير” التي يتم استخدامها على نطاقٍ واسع هذه الأيّام في العالم الغربيّ كذريعةٍ لحَرقِ …