د. يحيى القزاز: هل يفلح محمود السيسى فيما فشل فيه جمال مبارك؟

هل يطلُ مخطط التوريث برأسه مرة أخرى؟!

 

استوقفنى شاب فى نهاية الثلاثينيات من العمر:

هل انت د. القزاز؟

 نعم.

لكن شكلك تغير.

السن وحكمه.

لا.. بل الظلم وعمايله..

عقدت الدهشة لسانى. تسمرت فى مكانى. توقف عقلى عن التفكير والرد. يبدو انه لاحظ اندهاشى. انفجر مستغلا صمتى: مش حرام عليك اللى عملته فى الرئيس د. محمد مرسى، دم رابعة فى رقبتك.. اللى وقفت معاه مارحمكش.. وحسنته الوحيدة معاك وامثالك انه سجنكم.. يا اللا.. دوقوا.. اديكم مارضيتوش بمرسى ولا جمال مبارك.. أهو جاى لكم محمود ابن عبدالفتاح السيسى يشكمكم.. ويعلمكم الأدب اكتر واكتر.. المرة دى مش هتقدروا تقولوا “كفاية” ولا “لا للتمديد لا للتوريث” ولا ارحل يامرسى. الرئيس مرسى اعتمد على الاخوان مانفعهوش.. جمال مبارك اعتمد على الامريكان مانفعهوش.. ده بيعتمد على الأقوى.. على اسرائيل، كل شويه عنديهم بترتيبات.

 كلماته طلقات رصاص سريعة كسرعة طلقات البندقية الآلى، لم استطع ايقافها والرد عليها. أنهى كلامه” تقدر تعمل حاليا اللى كنت بتعمله ايام مبارك والدكتور مرسى!!  أجبت بسرعة دون أن أدرى: لا. تركنى وانصرف وهو يدعو لى باتقاء الله فى أيامى الأخيرة، ولا أعرف ان كان يواسينى او يشمت فى وهو يشد انتباهى لضعف بصرى.

لا أنكر ان المفاجأة قيدت خطواتى، وجعلتنى اتكأ على سور حجرى، عليه بقعة شمس مسروقة من ضباب الشتاء القارس وظلمة النهار. حاولت استعادة ذهنى وترتيب افكارى. النتيجة ان البدايات متشابهة للواء محمود عبدالفتاح السيسى والسيد جمال مبارك، الفارق ان محمود السيسى توجه للخارج مباشرة وجمال مبارك توجه للداخل. كون جمال مبارك شلة من أصدقائه معاونين له، عمدت على اقصاء والده وإدارته إقصاءً ناعما، وحكمت باسمه الدولة. بات مبارك الرئيس الصورى وأصبح ابنه جمال الرئيس الفعلى، بعدما توسعت سلطات جمال مبارك وتغلغل نفوذه في مفاصل الدولة صار هدفا سهلا لنيل المعارضة منه نكاية فى والده. توالى الخراب، ثم كانت ثورة  25 يناير 2011 ، بعد ثلاثين عاما زال ملكهم، وأدينوا في قضية مخلة بالشرف بحكم قضائى.

 

فى هذه الأوضاع البائسة مصر لا تحتمل ثورة ولا تحتمل سياسات النظام الحاكم. ولأننى من المؤمنين بأن التاريخ يكرر نفسه مهما تغيرت الأزمنة إذا تشابهت الظروف فى الظلم، أرى أن الانفجار قادم سواء فى ثورة أو انقلاب أو انتفاضة شعبية أو انفلات أمنى وفوضى.

شواهد الانفجار كالبركان لايُعرف موعده، وشواهده؛ ارتفاع الأسعار وزيادة الفقر، عسكرة الحياة المدنية وتحميل الجيش ما لا يطيق، مما قد يؤدى إلى قطيعة ومواجهة -لا قدر الله- بينه وبين الشعب، بالرغم من أن الجيش جيش الشعب، والشرطة شرطة الشعب والقضاء قضاء الشعب، بعبارة أخرى كلهم أبناء هذا الشعب، يعملون لصالحه ولم يأتوا من خارجه. زيادة مستنقع الديون الخارجية والداخلية لدرجة تغرق مصر فيه، فتخسر استقلالها وحرية قرارها. التفريط فى الأرض والنهر. تجريد المصريين من ممتلكاتهم الخاصة والعامة، وفرض الأتاوات تحت مسمى المصالحات، ونقص الخدمات، وصفحات التواصل الاجتماعى تعج بالكثير ألما وشكوى. والأخطر أو المعجل بالانشطار النووي والانفجار الشعبى، هو ولوج اللواء محمود عبدالفتاح السيسى من ثقب الباب خلسة لصدارة المسرح السياسى وتوليه أو الاستيلاء على الملف الأمنى مع العدو الإسرائيلى لمصر (اتمنى ان ينفى او يوضح متحدث رئاسة الجمهورية ما ينشر). قد يكون محمود السيسى مؤهلا مهنيا لما يقوم به لكن فى النظام الحمهورى ظهور ابناء الرؤساء بخطى واسعة عن احجامهم غير وارد، ونذير شؤم على ابائهم وعلى استقرار دولهم، فابن الرئيس ليس بوريث ولا ولى عهد الرئيس يقوم بمهام نيابة عنه كما في النظام الملكى. فى الجمهوريات الغربية التوريث غير موجود، ونحن نرفضه، وكما قال احمد عرابى زعيم الثورة العرابية -أو لم يقلها كما يدعى البعض- للخديوى توفيق، فها نحن أحفاده نقولها، ونضيف عليها بملء الفم عن رضا وقناعة وتحمل النتائج مهما كانت: “نحن لسنا تراثا ولا عقارا ولن نورث بعد اليوم حتى لو كنا فى السجون أو داخل القبور، وما الحياة إلا لحظة حرية بكرامة”.

لماذا لم يتعلم الحكام العرب الدرس ممن سبقوهم مباشرة ويصرون على تكرار نفس الخطايا وأكثر؟! هل هو غرور فرعون أم غباء وجهل هتلر؟! هل يستعين محمود السيسى بإسرائيل كما يستعين بها أمراء الخليج لتثبيت نفوذ اسرهم وتوريثهم الحكم؟

 قد لا ينجح الشعب المصرى في حكم نفسه مدنيا ديمقراطيا لكنه ينجح في الإطاحة بمستبديه. مصر ليست مملكة ولا مشيخة صنعتها الامبرياليات الغربية في غفلة من الزمن تتحكم فيها وتغير عاداتها وتقاليدها ودينها، مصر أقدم دولة وأعرق حضارة في التاريخ وان عانت. مصر هِبِة المصريين وليست هبة بريطانيا ولا أمريكا ولا فرنسا.

الوضع أخطر مما يتصوره عاقل، والمجتمعات المنقسمة على نفسها لا تعرف الثورات الهادفة، بل تعرف معارك الثأر والانتقام وتصفية الحسابات. ولخطورة الوضع يرى د. حسن نافعة أن الحل الآمن يأتي بالتغيير من داخل النظام تجنبا للفوضى، وقد يكون بنى موقفه (افتراضية منى؟) على مبادرة المشير السيسى في الاحتفالية الرابعة (يناير 2022) لشباب العالم بعمل حوار داخلى مع القوى المدنية. الحوار الجاد مطلوب بين مكونات الشعب، لتشخيص الوضع والاعتراف بالأخطاء، وصياغة عقد اجتماعى جديد، يحدد طريقة الحكم، يكون الجيش جزءً منه لا مسيطرا عليه. هذا الطرح لن تقبله السلطة لثلاثة أسباب: الأول أنها تحتكر الحقيقة والصواب وتعشق العناد ولديها غرور القوة، والثانى وجود الانقسامات الحادة في المجتمع بل وفى الحزب الواحد، ثالثا النخب المضَلِلة أصحاب المصالح في كل زمان ومكان. السببان الثانى والثالث يمكن تخطى عقبتهما لو كانت السلطة جادة في حوار منقذ، وعقد اجتماعى جديد، وديمقراطية حقيقية محدودة المدة ومحددة الفترة تسمح لأى مواطن بالترشح للرئاسة سواء ابن العامل البسيط في الأرض أو ابن الرئيس الأجير عند الشعب.

أعرف أنه نظام عنيد لا يستجيب إلا لوحيه، وهو المسؤول الأول والأخير عن الخنقة التى ستفجر الدولة عاجلا أو آجلا، وله في مصير مبارك عظة وعبرة.. ينتفض الشعب وإن أخفق يستلم الجيش.. تغيير رأس برأس. الجيش عرفناه وطنيا لاينحاز لأفراد حتى وان كان القائد الأعلى للقوات المسلحة. اللهم احفظ مصر وشعبها، واهدنا جميعا سواء السبيل.

 #المقاومة_هى_الحل

Comments

comments

شاهد أيضاً

سليمان صالح يكتب : هل فقدت الصحافة المطبوعة أهميتها بتخليها عن الدفاع عن الحريات؟

الصحافة المطبوعة تواجه تحديات يمكن أن تهدد وجودها وحياتها، فكان من أهم نتائج ثورة الاتصال …