رؤية نقدية إسلامية نسائية حول تقرير الأمم المتحدة للعمل الإنساني

أصدرت تجمعات إسلامية نسائية, تضم المنتدى الإسلامي العالمي للأسرة والمرأة والهيئة العالمية للمرأة والأسرة المسلمة, بالتعاون مع بعض الباحثات في مجال قضايا المرأة والأسرة, تقريرها حول المؤتمر السنوي للأمم المتحدة بعنوان “خطة عمل من أجل الإنسانية” والذى سيعقد فى اسطنبول فى الفترة من 23 و24 مايو الجاري، وقد تضمن التقرير عدة ملاحظات.

حول بند المطالبة بتجاوز الفوارق السياسية والثقافية والدينية على مستوى العالم والدعوة إلى التمسك بقيم الأمم المتحدة، أكدت التجمعات النسائية الأسلامية فى تقريرها أن الأمم المتحدة, وعلى مر السنين لا تحترم التنوع الثقافي، رغم ما نص عليه ميثاقها، فهي دائما وأبدا تعمل على فرض نمط ثقافي أوحد، هو النمط الخاص بالطرف المتغلب في المعادلة (الطرف الغربي).

بينما الضامن الوحيد للشعوب المستضعفة في البقاء، هو التمسك بالدين والهوية والثقافة، وعدم الاستجابة لدعوى تجاوز الفوارق الدينية والثقافية التي ستودي بها إلى الفناء المحقق.

وحول بند التأكيد المتكرر على الالتزام بـ “خطة التنمية المستدامة، أشار التقرير إلى أنه تكررت المطالبة بتطبيق خطة التنمية المستدامة, وهذا مؤشر يدل على أنها قضية محورية في الخطة، برغم اشتمالها على عدة أمور تتعارض بشكل واضح مع الشريعة كما أن العديد من الدول الإسلامية وضعت عدة تحفظات حول تلك الأمور.

وحول بند الانتقال بالعمل الإنساني إلى المفهوم الإنمائي سعيا إلى تحقيق أجندة، أكد التقرير أن هذا الأمر خطير لأن العمل الإنساني لا يجب أن يتحول إلى وسيلة لتطبيق أجندة الأمم المتحدة القائمة على عولمة نمط الحياة الغربي على العالم بأسره، فاستغلال احتياج المنكوبين للمال في عمل التحولات الاجتماعية والثقافية لهم لكي يتقبلوا الأجندة الأممية هو عمل غير إنساني لا ينبغي للمجتمع الدولي الموافقة عليه.

وحول بند الدمج بين “القانون الدولي الإنساني” و”القانون الدولي لحقوق الانسان”، أشار التقرير إلى أن القانون الدولي الإنساني يتم تطبيقه في حالة الحروب فقط، أما القانون الدولي لحقوق الانسان, فيطبق فى حالتي السلم والحرب معا.

وحيث أن المفهوم السائد للعمل الإنساني هو إغاثة المتضررين من الحروب والصراعات ومنكوبي الكوارث الطبيعية وما شابه ذلك, في حين أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يشتمل على الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة والطفل والسكان والتنمية وهي صكوك تدعو إلى أمور تخالف الشريعة الإسلامية وتثور حولها الخلافات الشديدة كلما طرحت للنقاش في المحافل الدولية، وبالتالي فإن الربط بين “القانون الدولي الإنساني” و”القانون الدولي لحقوق الانسان” فيه الكثير من التضليل وقد يكون متعمدا لتيسير قبوله والتطبيق الكامل له.

 وحول بند إصرار الأمم المتحدة على “امتثال” الحكومات لتطبيق القانون الدولي، و”المساءلة”، اعتبر التقرير أن ذلك يهدف لتنظيم حملة عالمية ترمي إلى تعبئة الدول الأطراف في الصكوك الدولية ذات الصلة، ولا سيما الاتفاقيات والمعاهدات والمجتمع المدني وقادة العالم الآخرين، والمطالبة بزيادة الامتثال لهذه التشريعات، فضلا عن استخدام الأمين العام للأمم المتحدة مدخل الحروب والصراعات والعمل الإنساني في الضغط على الحكومات أطراف النزاع من أجل الامتثال للقانون الدولي، لأن كثيرا من تلك الحكومات هي حكومات إسلامية، ومعلوم اشتمال الصكوك الدولية، في الكثير من مضامينها على أمورٍ تتعارض تعارضا واضحا مع الإسلام خاصة تلك المعنية بالمرأة والطفل, ولهذا تلجأ الأمم المتحدة إلى التدخل بشكل سافر في شئون الدول باستخدام النفوذ السياسي والاقتصادي للضغط على أطراف النزاع المسلح لتطبيق القانون الدولي.

وحول بند إقحام مجلس الأمن، والقضاء الدولي في متابعة “الامتثال والمساءلة” للقانون الدولي الإنساني ولحقوق الإنسان، كانت الملاحظات: أن ذلك توجه واضح وصريح لأن لا يتوقف اختصاص مجلس الأمن عند منع انتهاكات القانون الدولي الإنساني الخاص بالحروب والنزاعات، وانما أيضا يتم إقحامه في مراقبة “القانون الدولي لحقوق الإنسان” الذي يحتوي على الصكوك والاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة والطفل مثل اتفاقية سيداو، وحقوق الطفل وغيرها.. ثم استخدام سلطة “القضاء الدولي” لمقاضاة من لا يلتزم بتطبيق اتفاقيات حقوق الإنسان. واستخدام عبارة “الانتهاكات الجسيمة” تدل على عدم الالتزام بذلك القانون. ولو علمنا أن التساوي التام والمطلق بين الرجل والمرأة؛ من محاور القانون الدولي لحقوق الإنسان، يكون عدم تحقيق ذلك التساوي “انتهاكا جسيما لحقوق الانسان” يستلزم تدخل مجلس الأمن للتحقيق والمساءلة وتوقيع العقوبات!.

وسبب إقحام مجلس الأمن، أن اتفاقيات حقوق الانسان تابعة بالأساس للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، ذي الصفة الاستشارية، الذي لا يملك سلطة تخوله الضغط لمتابعة تنفيذ تلك الاتفاقيات. ومن ثم فإن تكرار محاولات توظيف مجلس الأمن في امتثال الحكومات لتطبيق القانون الدولي لحقوق الإنسان تكشف أحد الأهداف الرئيسة وراء هذه القمة وهي ضمان تطبيق الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان تطبيقا كاملا وعاجلا، وإن الاتجاه نحو تحريك مجلس الأمن عند وجود “ادعاءات” بانتهاك اتفاقيات حقوق الانسان هي دعوة خطيرة، وستدخل العالم في حروب حقيقية، لأن الشعوب لن تتنازل عن دينها وقيمها، والضغط عليها باستخدام القوة سيؤدي إلى انفجارات خطيرة لا يعلم مداها إلا الله.

وحول بند إقحام نفس مصطلحات الأجندة الأممية للمرأة والطفل في مسودة الخطة، كانت الملاحظات: أن استخدام مظلة العمل الإنسانى والحروب والصراعات لتمرير منظومة “الجندر” و”العنف” و”التمييز”؛ هي محاولة مكشوفة لتمرير الأجندة الأممية للمرأة من خلال مسودة الخطة، والالتفاف حول إرادات الشعوب التي ترفض تلك، والأجندة لما تحتويه من بنود خطيرة تتعارض مع المرجعيات الدينية والأخلاقية لكثير من الشعوب، لذلك يتم اقحامها في كل مناسبة واستخدام كل الوسائل لتمريرها، وتقديم البند بهذا الشكل يوحي بأن المقصود هو الاغتصاب الذي تتعرض له النساء في الحروب والصراعات، واستخدام عبارة “ضحايا العنف” للايحاء بأن المقصود هن أولئك النساء المغتصبات فقط، ثم المطالبة بتقديم خدمات الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، وهي تشمل توزيع وسائل منع الحمل والتدريب على استخدامها، وإباحة الإجهاض للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه.. والسياق هنا هو سياق نساء وفتيات، فهل تقديم مثل هذه الامور للفتيات أمر مقبول لدى الشعوب المسلمة؟ وما علاقته بالعمل الإنساني؟

 وعن المساواة مع الرجل وإخضاع جميع الجهات الفاعلة للمساءلة وضمان توفير خدمات الرعاية الجنسية والإنجابية الشاملة، تساءل تقرير التجمعات النسائية الإسلامية ماهى علاقة المساواة بين الرجل والمرأة بإنهاء الحروب والنزاعات؟ وهل سيحقق تقديم خدمات الرعاية الجنسية والإنجابية للنساء والفتيات السلام بين الشعوب ورفع المعاناة عنها؟ أم أنها أجندة أممية تسعى الأمم المتحدة إلى تمريرها وفرضها على الدول والشعوب بأي ثمن؟

وحول بند  “تمكين القيادات من تحقيق النتائج الجماعية”، جاءت الملاحظات: أن ذلك لضمان تطبيق الخطة، إذ سيتم تعيين منسق على مستوى العالم تتجمع عنده البيانات والتحليلات وكل ما له علاقة بالعمل الإنساني .. وفي هذا تجاوز لسيادة الدول والحكومات, كما أن كل ما سبق يضمن للأمم المتحدة السيطرة على أموال العمل الإنساني.

وحول مطالبة الأمين العام بتوسيع مصادر التمويل لتشمل التمويل الاجتماعي الإسلامي وتحويلات المهاجرين في تقريره المقدم إلى القمة الإنسانية، كانت الملاحظات أنه لابأس من توظيف أموال الزكاة والصدقات والأوقاف في إغاثة المنكوبين من جراء الحروب والصراعات، أما أن توظف تلك الأموال في تطبيق الأجندة الأممية للمرأة والطفل لتحقيق مساواة الجندر، واستقواء المرأة، وتقديم خدمات الصحة الجنسية والإنجابية للمراهقين، فيعد هذا جريمة أخلاقية في حق الشعوب لا يمكن قبولها بأي حال.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …