رضا حمودة يكتب: الغزالي والمتنطعون من كهنة الاستبداد على مائدة عمدة القرية

نظرة سريعة على أصغر قرية أو نجع فى مصر المحروسة تستطيع أن تتعرف عبرها على أسباب تخلفنا وانحطاطنا, ومدى الزيف الذى نحياه بالكذب والنفاق وقناع الإيمان والفضيلة بينما نحن غارقون حتى الثمالة فى الفسق والفجور والفساد والانحطاط إلا من رحم الله من أصحاب البصيرة والحكمة ممن لا يفصلون بين الدين والدنيا, أو يعيشون بين الناس بأكثر من وجه طمعاً فى مآرب أخرى، فلسنا مجتمعاً من الملائكة حتى صدقنا أننا شعب متدين بالفطرة على إطلاق اللفظ، ولسنا في المقابل مجموعة من الشياطين المرجومين.

إنه التنطع فى الدين والتشدد فى غير موضع التشديد كما أبلغنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فى حديثه الشهير(هلك المتنطعون) حيث كررها ثلاثاً، وتاريخنا الاسلامى شاهد على واقعة شهيرة ومعبرة عن التنطع فى أسوأ معانيه وأكثره تجسيداً ورمزية عندما جاء رجل إلى الصحابى الجليل عبد الله بن عمر رضى الله عنهما يسأله عن حكم دم البعوض يكون فى ثوبه هل ينقض الوضوء أم لا، فسأله ابن عمر: من أين أنت؟ دون أن يجيبه عن سؤاله فقال من (الكوفة), فقال ابن عمر ” انظروا إلى هذا يسألنى عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم “!(يقصد الحسين بن على رضى الله عنهما)، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للحسن والحسين: هما ريحاني من الدنيا” فكانت رسالة ابن عمرٍ رضى الله عنهما واضحة لأولى الألباب ضد التهويل من صغائر الأمور وسفاسفها فى مقابل التهوين والتحقير من الكبائر وفظائع الأمور، وكأنه أمرٌ مقصود بغرض الإلهاء عن قضايانا المصيرية.

كان من أكثر علماء الأمة المعاصرين قراءةً وفهماً للواقع الحقيقى المزرى الذي تعيشه الأمة، ومدى انحراف بوصلتها الرئيسية عن الفهم الصحيح للدين فى ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية وفقه الأولويات, هو العلاّمة الراحل الشيخ محمد الغزالى، فقد تناول تلك الإشكالية العميقة فى مجتمعاتنا كاشفاً النقاب عن الخلل الواضح فى فهم فقه الأولويات فى كتابه (تأملات فى الدين والحياة) عندما دعاه عمدة القرية الفقيرة إلى مأدبة غداء عامرة حافلة، ترف عليها بشاشة النعمة، وتنعقد فوقها روائح شتى من الأطباق المنضودة، والأطعمة الممدودة، وعلى أطراف الخوان أزهار ورياحين تعبث بها أصابع الرجال الجالسين فى قلة اكتراث، المتهيئين للأكل والثرثرة فحسب.

فلما ضمنى المجلسالعابث بمرحه، الصاخب بضحكه، (هكذا يقول الغزالى) استشعرت التناقض الواضح، بين ما رأيت وما أرى، وتذكرت الأسى الشائع فى جو القرية، والصارخ بمعانى الحرمان فى حياة أولئك الفلاحين المساكين، وبرز أمام عينيّ شبح الشقاء الجاثم فى صدورهم، فأعدت النظر إلى الوجوه المبعثرة حولي، ورأيت أسارير منفرجة، وملامح طافحة بالبشر، ثم قال العمدة بلهجته الآمرة: يا ولد، افتح الراديو، نريد أن نسمع. وإن كان الشيخ المأذون (أحد المدعوين) سيتضايق لأنه يكره الغناء! فأرسل المأذون جشاءً طويلاً ثم قال: إن الشرع الشريف هو الذى ينهى عنه. أليس كذلك يا.. موجها كلامه للشيخ الغزالى وقبل أن يوجه كلامه إليّ, كان الحضور الكرام وعلى رأسهم صاحب الحفلة المضياف يتبادلون الضحك العالي، وهم يكرعون من أنس المجلس، ومتاع الحياة، وصفاء العيش، ما يستطيعون من ذلك كله!! وصوت الراديو ينطلق فى الجو السكران بما فيه ومن فيه قائلاً: اوع تزعل ثانية .. صحتك بالدنيا!

وأحس “مأذون الشرع” بالحرج، فقال لى مستنجداً: أليس كذلك؟ أي أليس الغناء حراماً؟ أنت ممثل الدين بيننا فتكلم باسم الدين. فقلت ساخراً: كان للدين سفراء يمثلونه عند رجال الدنيا، أما اليوم فعند رجال الدنيا أقوام يمثلون باسم الدين! لكنهم للأسف يمثلون أدواراً هازلة! فقال المأذون: إنى أسأل عن حكم الشرع الشريف، فقلت: تسأل عن أشياء قد تخدش أظافره، أما الأشياء التى تدق عنقه وتستأصل من الأفئدة جذوره، فلا تسأل عنها، ولا يسأل عنها أحد! وهذه الفوضى الاجتماعية التى طغت على بلادنا، وعبثت فيها بكل المقررات الدينية والعقلية، وطحنت قلوب الجماهير المعذبة، ألا يُستفتى فيها الدين يوماً ما ليقول حكمه الحق؟ ثم قمت فى غضب (هكذا قال الغزالى) وأغلقت الراديو، فحبست صوت المرح المهتاج عن القوم المرحين، وتبرم العمدة بهذه الحركة وضاق المأذون بما سبقها من كلام، فانصرفت وفى مشاعري غليان مكتوم.

لقد أيقنت أن هناك عوامل مدبرة، تدفع الناس إلى الجدل الطويل فى مسائل الدين الصغرى، لتصرفهم عن ملاحظة المشاكل الخطيرة التى يتعرضون لها فى دينهم ودنياهم، حتى خُيّل إلىّ أن الاشتغال بهذا السفساف طابور خامس للإلحاد والفجور والبغي فى الأرض، ولقد وظفنى القدر فى الوعظ والنصيحة والإفتاء، فما أعجب ما رأيت ووعيت، ويتعجب الغزالى قائلاً: أقول للناس: سلونى فى الجد، فيسألوننى فى الهزل، أريد أن تستفتونى فى المبكيات، فلا أجدهم عندى إلا الاستفتاء فى المضحكات. وهم – ولا أدرى لم- يسألون عن حكم الحل والحرمة فى لقمة خبز، ولكنهم يرفضون أن يسألونى عن الحكم نفسه فى قطعة أرض، لأن اختصاصي – وقد يكون اختصاص الدين – لا يتعدى القروش وآلاف القروش إلى الأفدنة وآلاف الأفدنة!

فإذا كانت الحادثة سرقة من جيب أو اختلاساً من بيت, وجدت الفتوى بقطع اليد ماثلة، أما السرقات الكبرى حيث لا تتوافر الشروط الشكلية للجريمة فلا قطع ولا انقطاع، ولينعم بذلك بالاً من يعنيهم الأمر.

 ويختم شيخنا الغزالى كلامه التشريحي عن حال أمتنا المؤسف وطبيعة مرضها العضال: إن هناك شعوباً مسروقة تحت الشمس، وطوائف مغصوبة فى وضح النهار، وإن الله تعالى ليرقب من عليائه كيف يعمل الدين لإحقاق الحق وإزهاق الباطل.

فهلا ندرك ما أدركه الشيخ الغزالى بفطنة العالم العامل وعمق تحليله منذ سنوات طويلة، وكأنه يعيش بيننا عن حقيقة ما نعيشه اليوم من استفحال وتفشى المرض فى جسد الأمة؛ ذلك أن عمدة القرية (صاحب الحفل) وهو منفصل عن واقع قريته أو رعيته يستفتي رأى الشرع والدين فى الحلال والحرام رغم أنه قد يكون متورطاً فى التعدي على عشرات ومئات الأفدنة من الفلاحين” المطحونين” دون وجه حق من أبناء بلدته!

 وكيف أن هناك من ينتسبون للعلم وللشريعة لا يزالون يتلاعبون بعقول البسطاء ويغسلون أدمغتهم بعيداً عن همومهم الحقيقية ومشكلاتهم الواقعية عبر إغراقهم فى تفاصيل ثانوية وفروع لا تؤرق الناس، رغم أني لا أدعو هنا إلى التسفيه من السؤال في أمور الشريعة عياذاً بالله، ولكن ما أستنكره أن تطغى الفروع على الأصول بغرض الإلهاء والتغطية على فساد واستبداد الحكام، فنجد من يلوم المقتول ويترك القاتل, ويعيب على المسروق دون السارق, وينهى الناس عن الخروج على الحاكم بينما لا يطالبهم فى المقابل بإقامة العدل والكف عن ظلم العباد ومصادرة حرياتهم وأموالهم وسفك دمائهم، وإن قالها, فللناس كافة دون الحكّام.

فالدين فى نظر هؤلاء من أدعياء العلم وأشباه العلماء لحية وجلباب ونقاب ومجموعة من الفرعيات أهم وأعز وأقدس فى عقولهم من انتهاك الحرمات وخراب الذمم والكذب والنفاق واغتصاب أراضى المسلمين وقتل النفس بغير حق، فهنيئاً للحكام والملوك والسلاطين والرؤساء بهؤلاء الدراويش الذين يزينون لهم الباطل باسم الدين فيكسب الحكام مرتين (فى الدنيا بطبيعة الحال) الأولى باستتباب وديمومة ملكهم (أو هكذا يظنون), والثانية تنفير الناس من علماء الدين والشريعة (أو هكذا يحلمون)، فقد قالها الغزالي منذ عقود طويلة ” إنما فساد الرعية بفساد الملوك، وفساد الملوك بفساد العلماء، فلولا القضاة السوء والعلماء السوء، لقل فساد الملوك خوفاً من إنكارهم”.

شاهد أيضاً

د عز الدين الكومي يكتب : خيانة الأوطان و”العودة بخفي حنين”

تتلخص قصة هذا المثل العربي “عاد بخفي حنين” أن حُنَيناً هذا كان إسكافياً من أهل …