رضا حمودة يكتب: خطاب السيسي .. إشارة البدء للتنازل عن سيناء

لم يضيع السيسي الوقت كعادته فيما يتعلق بأي تقارب مع الكيان الصهيوني على حساب القضية الفلسطينية، فضلاً عن مجمل القضايا الإسلامية والعربية، بدافع مفضوح من إرساء السلام والاستقرار في المنطقة المنكوبة، حيث يلعب دور المنقذ والمخلص، ولكن بأداء سمج مكشوف مصطنع لا يُقنع حتى الصبية.

في خطابه الأخير خلال زيارته لمدينة أسيوط، جنوب مصر, تحدث السيسي عن سلام الحملان والغلمان بين الفلسطينيين والإسرائيليين، سلام تكون فيه الدولة الصهيونية بمثابة الأب والأم والأخ الكبر للجميع، وعلى الجميع أن يسمع ويطيع للقائد وزعيم المنطقة، فالرجل في خطابه بدا أقرب إلى شركائه الصهاينة بنوع من الحميمية لم يسبق لها مثيل، في مقابل الجفاء والندية مع الأشقاء الحقيقيين من الفلسطينيين .

في تعليق ليس بغريب قال رئيس الإنقلاب عبدالفتاح السيسي الثلاثاء 17 مايو، إنه يريد تطوير العلاقات المصرية الإسرائيلية لتصبح “أكثر دفئا”، وإن تلك العلاقات ستصبح دافئة بالفعل في حال إيجاد حل للقضية الفلسطينية.

قلنا قبل أسابيع وبعد عملية بيع جزيرتي ” تيران وصنافير”، إنها مجرد بداية لعمليات بيع التراب الوطني لمن يدفع أكثر، والدور القادم على سيناء التي خُضبت بدماء الشهداء، في إطار ما يسمى بمخطط الترانسفير القديم (الترحيل الجماعي) لنقل الفلسطينيين لسيناء لتكون الوطن البديل كحل للقضية الفسطينية كما يزعمون، والحقيقة أنها بمثابة تصفية لقضية اللاجئين وللقضية الفلسطينية في مجملها، ومصادرة ما تبقى من أرض فلسطين التاريخية، والتخلص من العبء السكاني للفلسطينيين، وهو ما ينفذه السيسي “كما يقول الكتاب”.

فكلام السيسي عن علاقات أكثر دفئا مع إسرائيل، وتلميحاته عن إمكانية حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال دولة للفلسطينيين، أعاد للأذهان تصريحات قادة صهاينة عن اقتراح السيسي بإعطاء جزء من سيناء للفلسطينيين لإقامة دولتهم عليه، حيث قال نصاً :” لو توافقتم, الحل موجود عندي وسترى المنطقة العجب” ، ويبدو أن العجب في تنازل السيسي عن سيناء. وقد أعاد نشطاء تداول خبر منشور في أبريل الماضي، كشف فيه الباحث الإسرائيلي والضابط السابق في سلاح الاستخبارات العسكرية “ماتي ديفيد” أن عبد الفتاح السيسي عرض على الرئيس الفلسطيني محمود عباس خطة لإقامة دولة فلسطينية في شبه جزيرة سيناء.

وتقضي الخطة – حسبما أورده ديفيد في مقال له بموقع “نيوز ون الإخباري الإسرائيلي”- بنقل ما مساحته 1600 كلم2 من الأراضي المصرية في سيناء إلى السلطة الفلسطينية، وأوضح ديفيد أن خطة السيسي المقدمة لعباس تقضي بضم أراض مصرية في سيناء إلى قطاع غزة، بما في ذلك توسيع القطاع الساحلي عدة كيلومترات، وهو ما سيسفر عن تكبير مساحة قطاع غزة إلى خمسة أضعاف ما هي عليه اليوم.

وعن خطة توطين اللاجئين، ذكر الضابط السابق في سلاح الاستخبارات العسكرية أنه من المقرر أن يُستقدم إلى هذه الدولة الفلسطينية بسيناء اللاجئون الفلسطينيون من مخيمات لبنان وسوريا، على أن تكون هذه الدولة منزوعة السلاح.

وحسب الخطة المصرية وفق الرواية الإسرائيلية، فإن السلطة الفلسطينية ستحصل على حكم ذاتي في المدن الفلسطينية بالضفة الغربية، مقابل أن يتنازل عباس عن مطالبته من إسرائيل العودة إلى حدود العام 1967، وحق العودة للاجئين، حيث إن الأمريكيين موجودون في صلب النقاش حول هذه الخطة، بينما حصل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على تفاصيلها.

السيسي بالصوت والصورة وبالأدلة والبراهين يتكلم كمتحدث رسمي باسم بنيامين نتنياهو(وتذكروا أن السيسي قال إنّ نتنياهو قائد ذو قدرات قيادية عظيمة، وهذه القدرات لا تؤهله فقط لقيادة دولته وشعبه، بل إنها كفيلة بأن تضمن تطور المنطقة وتقدم العالم بأسره، على حدّ تعبيره)، باختصار الرجل يتبنى الرواية الإسرائيلية أكثر مما يتبناها عتاة الصهيونية نفسها، فلأول مرة يحظى مسؤول مصري بإجماع إسرائيلي كامل، ولست أبالغ حين أقول إنه يتعامل مع الإسرائيليين وكأنهم أهله وعشيرته، وتذكروا أيضاً كيف أقدم وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شطاينتس على فضح الأسباب الحقيقية وراء قيام مصر بتدمير الأنفاق بين غزة وسيناء عندما أكّد أنّ هذه الخطوة جاءت بناءً على طلب إسرائيل، ومع ذلك لم تؤثر على موقف النظام في القاهرة من إسرائيل.

المخطط يسري بأسرع مما نتصور، في استغلالٍ واضح لحالة الوهن والتشرذم والارتهان العربي للخارج، بغرض جني أكبر قدر من الأرباح والمكاسب من خلال فرض أمر واقع في ظل ظروف قد لا تتكرر مستقبلاً ، حيث أن الاتصالات السرية والعلنية لا تنقطع بين القاهرة وتل أبيب، وكأن القاهرة احدى الولايات الإسرائيلية التي تدين بالولاء للدولة الأم في تل أبيب، فقد ورد في التقرير الذي نشره الصحفي أمير تيفون في موقع (WALLA) الإخباريّ, نقلاً عن مصادر سياسيّة إسرائيليّة رفيعة جدًا، أنّ السيسي هو أكثر المسؤولين الأجانب الذين يتواصلون سرًّا عبر الهاتف مع نتنياهو، وفي السياق ذاته كشف المعلق المُخضرم من صحيفة (معاريف) بن كاسبيت،  النقاب عن أنّ السيسي استمتع عندما كانت إسرائيل تُدمّر بيت كل قائد في حماس أثناء الحرب الأخيرة وهذا ما جعله يرفض التوسط لوقف الحرب، على حدّ تعبيره.

أعتقد أنه قد تم الاتفاق على اللمسات الأخيرة للتنازل عن سيناء كوطن بديل للفسلطينيين, في القاهرة وواشنطن وتل أبيب ورام الله، وها هو وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” يعبر عن ترحيبه بمبادرة السيسي بعد أقل من 24 ساعة على خطابه ، فيما يتبقي الإعلان الرسمي عن عملية البيع أو التنازل، وسيكون بذريعة حماية الأمن القومي والتخفف من عبء سيناء الأمني والمادي في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، فضلاً عن حماية أمن المنطقة من أجل عيون اخواننا الفلسطينيين المعذبين، وكلام من قبيل دغدغة مشاعر البلهاء والمغفلين.

شاهد أيضاً

ممدوح الولي يكتب : العهد الذي أخلفه السيسي.. لماذا كان الرؤساء السابقون أكثر مرونة مع احتجاجات المصريين؟

يشاهد المصريون عبر شاشات الفضائيات المظاهرات العمالية في المدن البريطانية، المطالبة بزيادة الأجور كي تتواكب …