رضا حمودة يكتب: لولا تركيا لزالت مصر من الخريطة منذ خمسة قرون

عندما قال نابليون بونابرت عن مصر إنها أهم بلد في العالم، كان واعياً تماماً لمغزى ومعنى الكلمة ، لأن مصر مفتاح الشرق, لا سيما إذا كانت مصر إسلامية، لذا لا يُراد لها أن تكون على وُصال أو تماسٍ بمحيطها الإسلامي أو عمقها العربي.

لا نعيش أسرى لنظرية المؤامرة دون دليل, لأن المؤامرة على مصر منذ القدم، وقضية سد النهضة ليست جديدة لكنها منذ زمن بعيد، وليس كما يُشاع منذ حكم المخلوع حسني مبارك، ذلك أن قضية مياه نهر النيل كانت ولا تزال محور اهتمام المستعمرين لتركيع مصر وخنقها.

دأب المستعمرون القدامى والجدد على تطويق مصر من خلال جيرانها، أو محيطها العربي والإسلامي إذا فشلت في اختراق الجيران، ولنا أن ندرك كيف خنقت بريطانيا مصر ونزعت عنها عمقها الإستراتيجي في حوض وادي النيل، فضلاً عن العمق الديموغرافي المهم لتفقد مصر أحد أهم أجنحتها بدفعها نحو فصل السودان عن الوطن الأم، وتم بالفعل إبان حكم جمال عبد الناصر عام 1956، وهو ما عبّر عنه شيخ المستعمرين ورئيس وزراء بريطانيا المخضرم “ونستون تشرشل” قائلا (إن السودان كغطاس ومصر كأنبوبة الأكسجين التي يستنشق منها الهواء، فإذا فُصل السودان عن مصر انقطع عنه الهواء فمات مختنقاً).

وليس ذلك فحسب، بل إن أحد أسباب العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 هو إخضاعها وتركيعها لأنها وقفت إلى جانب الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي عام 1954 ، وقد عبّر عن ذلك “جي مولييه” رئيس الوزراء الفرنسي أثناء العدوان حين قال ( إننا نريد أن نُخضع الجزائر عن طريق القاهرة).

ولسنا في حاجة لأن نُذكّر بأن أيادي الدولة الصهيونية في تل أبيب تعبث بملف سد النهضة وإن كان من وراء الستار، لما لها من علاقات دبلوماسية واقتصادية وطيدة علنية بالجانب الأثيوبي منذ خمسينيات القرن الماضي، وبالتالي فإن الغرب وفي مقدمته الولايات المتحدة ليس بعيداً عن التواطؤ والمؤامرة على الاطلاق.

والعبث الإسرائيلي في أثيوبيا ليس إلا استمراراً لمخطط ” دالبو كيرك ” منذ خمسمائة عام، وهو أحد قادة الحملات الصليبية التي لم تنقطع حتى الآن مع اختلاف الوسائل، وكان المخطط يزمع تحويل مجرى نهر النيل ليحرم مصر من أراضيها الخصبة فيتم هلاكها وإخضاعها، وقد كتب “دالبو كيرك” إلى ملك البرتغال يستدعي صناعاً مهرة ليقوموا بفتح ثغرة بين سلسلة التلال الصغيرة التي تجري بجانب النيل في الحبشة “أثيوبيا حالياً ” ولكنه توفي عام 1515، ثم أُحبط مواصلة الخطط في هذا الاتجاه انضمام مصر (التي كانت تحت حكم المماليك) إلى دولة الخلافة العثمانية في اسطنبول منذ عام 1517، لكنه يحدث الآن عبر سد النهضة الأثيوبي ليتحقق حلمٌ تأخر خمسة قرون كاملة.

تتغير الوجوه والوسائل، لكن لا تتغير الأهداف والمطامع، فعلى مدى قرون طويلة والمستعمرون يفكرون ويدبرون ويتآمرون بينما نحن في عسل الخذلان نائمون نبكي على نيلنا الذي لطالما تفاخرنا به أمام الأمم والعالم حتى قال عنا المؤرخ الإغريقي الشهير” هيرودوت ” (مصر هبة النيل)، ليصبح الواقع العملي أن (النيل ومصر معاً هبة إثيوبيا).

تركيا التي نناصبها العداء الآن، ندين لها بحياتنا؛ شئنا أم أبينا, بحقائق التاريخ التي لا تعرف الكذب، لأنها أنقذتنا وأنقذت أجيالاً من العطش والجوع ، بل والزوال من على خريطة العالم والوجود لخمسمائة عام مضت بالفتح العثماني الذي يراه نخبة الأراجوزات العسكرية العلمانية وبالاً على مصر ” الفرعونية “، ولم ينتج عنه إلا كل تخلف ورجعية وانحطاط ، لمجرد كراهيتهم في الإسلام ذاته بكل وضوح، وليس نظام الخلافة الإسلامية كما يدّعون، لأن أردوغان الإسلامي لم يعترف إلا بإرادة الشعب المصري وشرعيته المُغتصبة منذ 3 يوليه 2013.

ويبقى السؤال الملح: هل كانت أثيوبيا وحلفاؤها في الغرب والصهاينة مع بعض العرب المتآمرين ستمضي بهذه الوتيرة المتسارعة لإكمال السد الكارثي في وجود تقارب في الرؤى وتنسيق سياسي واقتصادي مصري تركي على أعلى مستوى من منطلق شرعية شعبية ودستورية معترف بها داخياً وخارجياً؟. المؤكد أن دولة 3 يوليه استعدت الشقيق بحكم الدين والتاريخ، وتصالحت وتماهت مع العدو الذي يتآمر علينا ليل نهار إلى حد الهلاك.

Comments

comments

شاهد أيضاً

حافظ المرازي يكتب : بعد غياب 70 عامًا: هل تستعيد مصر الديمقراطية بالملكية؟

في القاهرة، يوم 18 يونيو/ حزيران 1953، وبعد نحو أسبوعين فقط من تتويج إليزابيث الثانية …