رغم شدة الحصار ..فلسطينيو غزة يبدعون في توفير البدائل

الطباع : المواد التي تدخل إلى غزة مواد ثانوية وغير مجدية اقتصادياً

أبو حميد : الوضع الإقتصادي السيئ دفعنا لإنتاج سلع بأحجام قليلة وأسعار مناسبة

زقوت : قدرة الفلسطينيين على تغيير الواقع المرير يظهر مدى العبقرية لديهم

في قطاع غزة ضاقت الأرض على الفلسطينيين واشتدت المأساة وازداد البؤس ووصل الحال بهم إلى أن يفتقدوا لأبسط الحقوق التي كفلتها المؤسسات الحقوقية العالمية لكل إنسان يعيش على هذه الأرض .

فعلى مدار عشرة أعوام وهي عمر الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة والذي اشتدت وتيرته كثيرا خلال العامين الماضيين , ولا زال مستمرا , عاش الفلسطينيون في غزة ظروفا مؤلمة بسبب نقص مقومات الحياة الأساسية التي لا يمكنهم الإستغناء عنها .

أزمات متعددة

فتنوعت المأساة بتعدد الأساسيات التي حرم منها المواطنون كأزمة الكهرباء التي يصل تيارها في أحسن أحوالها إلى البيوت ما لا يزيد عن 8 ساعات في اليوم , ثم تتفاقم أزمتها بعد ذلك ليصل عدد ساعات الوصل إلى 6 ساعات في اليوم أو أربع ساعات , وكذلك أزمة مواد البناء التي تعد من أهم الأزمات التي تعصف بالمواطنين , نظرا لحاجتهم لبناء بيوتهم التي دمرتها طائرات الإحتلال الصهيوني في الحروب المتتالية , ولأن وجودها يمثل مصدر دخل للعاملين في مجال البناء إذ تمثل شريحة العمال في قطاع غزة الشريحة الاكبر في المجتمع .

ومن بين ما يفتقده فلسطينيو غزة في ظل هذا الواقع الصعب عدم توفر الأدوية المهمة للمرضى والجرحى , بسبب تعنت الجانب الصهيوني في إدخالها من خلال المعابر التي يسيطر عليها , إضافة إلى إغلاق معبر رفح المستمر وعدم تجاوب السلطة الفلسطينية مع مطالبات وزارة الصحة في غزة بتوفير الادوية اللازمة لعلاج المرضى

أضف إلى ذلك نقص الوقود , والمحروقات, والكثير من السلع الغذائية , ومنع الصيد في عمق البحر، إلى جانب إغلاق المعابر بين القطاع و أراضي 48 المحتلة، وغلق معبر رفح المنفذ الوحيد لأهالي القطاع إلى العالم الخارجي من جانب مصر  .

 وكل هذه العوامل ساهمت في إرتفاع معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق وفق إحصائية للخبير الاقتصادي ماهر الطباع الذي كشف أن معدلات البطالة في قطاع غزة تجاوزت 55%، وبلغ عدد العاطلين عن العمل حوالى 230 الف شخص، فيما ارتفعت معدلات البطالة والفقر المدقع لتتجاوز 65% .

اللدات

ابتكار البدائل

وفي خضم هذه الظروف الخانقة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة , فإنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي , فحاولوا  جاهدين توفير الحد الأدني من متطلبات الحياة التي لا يمكن الإستغناء عنها , وذلك بإيجاد البدائل التي تخفف عنهم العبء الاقتصادي لتسيير عجلة الحياة.

وفيما يخص أزمة الكهرباء فقد حاول المواطنون التغلب على هذه الازمة بتنظيم ظروف حياتهم حسب جدول الكهرباء الذي لا يتعدى الست ساعات في اليوم لواحد .

وتقول الحاجة أم مروان “إن عدم انتظام الكهرباء وانقطاعها المتكرر دفعنا إلى تغيير مواعيد العمل داخل البيت , وخاصة الاعمال التي تتطلب وجود الكهرباء لإنجازها , فمثلا في الليل نبقى متيقظين انتظارا لمجيئ الكهرباء من أجل تشغيل مولد المياه , وأيضا لإنجاز أعمالنا التي لم نستطع إنجازها في النهار , فنقوم بأعمال الغسل , وصناعة الخبز , وكي الملابس , وبعض الأشغال الأخرى , مضيفة أن الحياة في غزة انقلبت , فبدلا من أن يكون الليل وقتا للراحة والنوم , أصبح في كثير من الأحيان وقتا للعمل والقيام بأعباء البيت .

 ورداً على سؤال “علامات أونلاين  “للحاجّة التي تعيل أسرة من ثمانية أفراد عن كيفية التغلب على العتمة التي تنجم عن قطع الكهرباء تقول ” كنا في السابق نضيئ الشمع لإنارة البيت , ولكن نظرا لتواصل الأزمة واشتداداها في كل يوم , وللمآسي التي سببها الشمع , بدأنا في استخدام “اللدات” للإضاءة , مشيرة الى أنها تعتبر اضاءة آمنة و غير مكلفة .

وتشبه اللمبات الموفرة “اللدات” في شكلها وإضاءتها اللمبات الموجودة في البيوت , ويتم شحنها عبر بطاريات السيارات التي تزودها بالطاقة أثناء وجود الكهرباء , وانتشرت مؤخرا هذه اللمبات الموفرة في كافة بيوت المواطنين , وخلال المرحلة الأخيرة طورت شركات من غزة متخصصة في إنتاج الكهرباء وسائل جديدة للإضاءة أكثر تطورا كالخلايا الشمسية التي تمتاز بقدرتها على الإضاءة , وتشغيل الأجهزة المختلفة في البيت , لكن هذه الوسائل الجديدة يتطلب توفيرها مبالغ ماليه مكلفة نسبيا , ما يجعلها مقتصرة على ميسوري الحال من المواطنين .

عمل المصانع

وفي الوقت الذي استطاع فلسطينيو غزة التخفيف قليلا من أزمة الكهرباء داخل البيوت فإن المصانع والشركات التي تعتمد في عملها على الكهرباء تضررت كثيرا بسبب الإنقطاع المتواصل, ما دفع أصحابها إلى إيجاد بدائل للتخفيف من المعضلة , فالبعض أصبح يستخدم المولدات الكهربائية الضخمة لتشغيل المعدات اللازمة للعمل , بينما اكتفى البعض الآخر بتغيير مواعيد الدوام وجعلها مرتبطة بوجود الكهرباء , فيوم يكون العمل في وقت المساء ويوم في الصباح .

داود خضر صاحب معمل لصناعة الطوب يوضح كيف تحولت ظروف العمل في المعمل قائلا “نظام العمل لدينا مرتبط بوجود الكهرباء , فإذا جاءت في النهار نمارس عملنا , وإن كان موعد مجيئها ليلا يكون عملنا في الليل،” مضيفا “نحن نتنقل في كل أوقات اليوم حسب الكهرباء”  .

توفير المواد الغذائية

 ظروف الحياة القاسية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة والتي أدت إلى انتشار الفقر في كل زاوية من القطاع المحاصر جعلت المواطنين غير قادرين على توفير ما يحتاجونه من سلع غذائية , وأشياء أساسية تلزمهم في حياتهم اليومية , نظرا لارتفاع سعرها وعدم قدرة المواطنين على توفيرها فلجأو إلى اقتناء بعض السلع بأحجام صغيرة وأسعار بسيطة تناسب الوضع المادي لهم .

 وهنا يقول محمد شاهين العاطل عن العمل منذ سنين الحصار الممتدة  “لم نعد قادرين على توفير ما نحتاجه من متطلبات , وخاصة إذا كانت تلك الإحتياجات غالية الثمن , لكننا اليوم نستطيع توفير بعضها , بعد إنتاج عينات منها بسعر وحجم أقل , موجها شكره إلى الشركات التي ساهمت في التخفيف من هذه الأزمة من خلال إنتاج هذه السلع الأساسية .

ويبين مدير فرع غزة بشركة أبو حميد للمنتجات الغذائية شهم أبو حميد, أن شركته تنبهت مؤخرا إلى عدم قدرة المواطنين على شراء السلع بسبب ارتفاع سعرها وقلة ما في اليد فعملت على تغليف أصناف من المواد الأساسية بأحجام مختلفة ، لكي تباع مقابل شيكل واحد أي “ربع دولار” .

ويوضح أبو حميد أن هناك إقبالًا كبيرا من المستهلكين لشراء هذه السلع، مضيفا أن شركته لديها رؤية تطويرية لإدخال العديد من المنتجات الأخرى للسوق المحلي أبرزها “الزعتر، والدقة”.

ومن أبرز المنتجات الغذائية والتموينية التي أعيد تغليفها بأحجام قليلة لتناسب أوضاع المواطنين الزيت , والقهوة , والتوابل ,والدقيق , والشاي , والطحينة وغيرها من المواد الأخرى

أساسيات منعدمة

ويقول المسؤول في الغرفة التجارية لقطاع غزة د.ماهر الطباع : “إن المواد التي تدخل إلى غزة مواد غذائية ومنزلية ثانوية , وغير مجدية اقتصادياً، وتأتي للاستهلاك الإعلامي” ويضيف “إن كميات كبيرة من البضائع محجوزة في الموانئ الإسرائيلية، مثل القرطاسية التي لم يسمح بإدخالها العام الماضي، وألعاب الأطفال التي لم تدخل منذ ثلاثة أعوام وغيرها الكثير”.

شعب لا يستسلم

ويعلق الكاتب عماد زقوت على قدرة الفلسطينيين بغزة  في إيجاد البدائل والتكيف مع الواقع الذي يعيشونه بالقول ” الشعب الفلسطيني ولاسيما مواطني القطاع يدفعهم الواقع الصعب الذي يعيشونه إلى التفكير في بدائل وحلول للمشاكل والعراقيل التي يضعها الاحتلال أمامهم , مشيرا إلى الوضع الذي كان أيام الإنتفاضة الأولى عندما كانت تفرض سلطات الإحتلال منع تجول على الناس يوميا والتي كانت تبدأ س 6 م حتى صباح اليوم التالي , حيث تعامل الناس مع هذا الواقع بتوفير احتياجاتهم بشكل منظم وتخزين المواد الغذائية , ومن هنا جاءت قصة التفكير المستمر في البدائل باعتباره يعيش حياة غير طبيعية ويتعرض لمشاكل ممنهجة من قبل المحتل , لافتا إلى أن القدرة على التغلب على الواقع الصعب يظهر مدى عبقرية الشعب الفلسطيني وعدم استسلامه للواقع المرير والظروف المستعصية .

شاهد أيضاً

حسن نافعة في حوار لـ«ذات مصر»: رأيت وجه النظام السياسي عندما يكون شرسا