زلة لسان كي مون تخرجه عن حياده وتشعل الغضب المغربي

الرباط تتهم الأمين العام للأمم المتحدة بخرق تفاهم حول الصحراء

تمثل مشكلة الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو أو الجزائر من أعقد الصراعات المستعصية على الحلول التوافقية ثنائيًا وإقليميًا ودوليًا، فكل طرف متشبث برؤيته وموقفه من النزاع حول إقليم الصحراء، حتى إن هذه المشكلة كانت السبب الرئيس والمباشر لتجميد عمل مؤسسات اتحاد المغرب العربي في ديسمبر 1995.

تصاعدت الأزمة بين منظمة الأمم المتحدة والمغرب وذلك على خلفية تصريحات الأمين العام للمنظمة بشأن مسألة الصحراء الغربية المتنازع عليها، ووصفه المغرب بالمحتل.

تصريحات “مون” أثارت الجدل داخل الشارع المغربي الذي رفض تصريحات رجل الأمم المتحدة الأول، عبر تظاهرات مليونية جابت غالبية الشوارع حاملة شعارات “كي مون ينقسم والمغرب لا ينقسم”.

ردة فعل الشارع المغربي هي الأخرى أزعجت الرجل الأقوى في الأمم المتحدة، والذي أبلغ وزير خارجية المغرب صلاح الدين مزوار بأنه يشعر بغضب وخيبة أمل من مظاهرات الرباط، قائلا: إنها كانت هجوما شخصيا عليه.

وقرر المغرب تقليص حجم الموظفين المدنيين العاملين في إطار بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية (مينورسو) وسحب مساهمته المالية التطوعية للبعثة الأممية، وذلك ردا على تصريحات للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بشأن الصحراء الغربية.

تظاهرة بالمغرب

 40 عاما من النزاع

بدأت قضية إقليم الصحراء عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده في المنطقة، ليتحول النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو إلى نزاع مسلح، استمر حتى عام 1991، وتوقف بتوقيع اتفاق لـ وقف إطلاق النار.

وتشرف الأمم المتحدة على مفاوضات بين المغرب وجبهة البوليساريو، بحثا عن حل نهائي للنزاع حول الإقليم، منذ توقيع الطرفين اتفاق وقف النار.

رد وإجراءات

وتتمثل هذه التدابير وفق البيان في “إجراء تقليص ملموس خلال الأيام المقبلة لجزء كبير من المكون المدني وخاصة الشق السياسي من بعثة المينورسو (البعثة الأممية لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية) وإلغاء المساهمة الإدارية التي تقدمها المملكة لسير عمل البعثة الأممية”.

وكشف بيان الخارجية المغربية -الذي نشرته وكالة الأنباء الرسمية- أن الرباط “تبحث صيغ سحب التجريدات (تشكيلات عسكرية) المغربية المنخرطة في عمليات حفظ السلم”.

كما لوّح البيان إلى أن “المملكة المغربية تحتفظ بحقها المشروع في اللجوء إلى تدابير أخرى قد تضطر إلى اتخاذها، للدفاع، في احترام تام لميثاق الأمم المتحدة، عن مصالحها العليا، وسيادتها ووحدتها الترابية”.

تظاهرة بالمغرب

تقليص البعثة الأممية

ويأتي هذا بعد يوم من انتقاد شديد وجهه الأمين العام بان كي مون إلى رد فعل المغرب على تصريحات أدلى بها في وقت سابق من الشهر الجاري.

وأفادت وكالة “المغرب العربي للأنباء” الرسمية بأن الحكومة قررت إجراء “تقليص ملموس خلال الأيام المقبلة لجزء كبير من المكون المدني وخاصة الشق السياسي” من بعثة الأمم المتحدة.

كما قررت الرباط “إلغاء المساهمة الإدارية التي تقدمها المملكة لسير عمل” البعثة، وكذلك “بحث صيغ سحب التجريدات المغربية المنخرطة في عمليات حفظ السلم”.

الشارع المغربي

وقال المحامي والمحلل السياسي المغربي، محمد صلاح الدين الفاتح، إن الأزمة بين الأمم المتحدة والمغرب ستزداد تعقيدًا في الأيام المقبلة، خاصة مع إصرار الأمم على موقفها ضد السيادة المغربية، وهو ما ظهر مؤخرًا حين وصف أمينها العام بان كي مون المغرب المحتل.

وأوضح صلاح الدين الفاتح ” أن الوساطة الأممية لم تعد محايدة كما يعتقد البعض، لذلك فالشارع المغربي عبر تظاهراته اليومية قال كلمته المطالبة بالتماسك والتوحد بشأن قضيته المصيرية.

وتابع: ” منذ عام 1975 والمغرب يعمل لأجل إقليم الصحراء الغربية، وأعتقد أن صناع القرار المغربي لن يتركوا الأمر دون تحقيق انتصارات فيه.

بدوره، قال أستاذ القانون بجامعة “محمد الخامس”، تاج الدين الحسيني، إن تهديدات المغرب بالانسحاب من بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يأتي ردا على تصريحات الأمين العام بان كي مون غير المحايدة، ووصفه للتواجد المغربي في الصحراء الغربية بـ “الاحتلال”, حسبما ذكر موقع “مصر العربية” .

وأضاف الحسيني في تصريحات متلفزة، أن تلك المنطقة يدور حولها نزاع منذ 1975، وأنّ المغرب قررت تقليص مساهمتها في بعثة الأمم المتحدة بالصحراء الغربية، لافتًا إلى أن التوترات بين المغرب وبين الأمم المتحدة ليست بجديدة، مشيرا إلى أن الرباط رفضت قبل سنوات المبعوث الشخصي للأمين العام لوجود علاقات تربطه مع الجزائر.

تظاهرة بالمغرب

كيانات وهمية 

واتهم رئيس الوزراء المغربي عبد الإله بنكيران الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون “بتشجيع الكيانات الوهمية”، في إشارة إلى الصحراء الغربية، وذلك على خلفية وصف الأخير لهذه المنطقة بأنها “محتلة”.

وخلال زيارته السبت الماضي مخيما للاجئين الصحراويين قرب تندوف بالجزائر، قال بان كي مون إنه يتفهم “غضب الشعب الصحراوي تجاه استمرار حالة احتلال أراضيه”، بحسب ما نقلته عنه وسائل إعلام محلية.

وقال بنكيران الذي كان يتحدث السبت الماضي في جلسة استثنائية دعا إليها أعضاء غرفتي البرلمان، إن “الأجدر بالسيد الأمين العام للأمم المتحدة أن يقدر مخاطر الإرهاب وعدم الاستقرار في المنطقة… عوض تشجيع الكيانات الوهمية ومنطق التجزيء الذي لا يمكن أن يؤدي إلا لمزيد من عدم الاستقرار”.

وأكد أن زيارة المسؤول الأممي وتصريحاته ستدفعان بلاده إلى “اتخاذ ما تمليه عليه مصالحه الإستراتيجية، وفي مقدمتها الوحدة الوطنية والترابية”، معتبرا أن “الزيارة وما تخللها من تصريحات وتعبيرات، مست بحقوق المغرب وبمشاعر المغاربة، وبصورة ومصداقية الأمم المتحدة ذاتها”.

كما اتهم وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، بخرق اتفاق مع الملك محمد السادس في أبريل 2014 حول ملف الصحراء المتنازع عليها مع جبهة البوليساريو، وذلك بتجنب المقاربات المنحازة والاحتفاظ بمعايير التفاوض كما تم تحديدها من طرف مجلس الأمن، والحفاظ على الإطار والآليات الحالية لانخراط الأمم المتحدة في الملف.

وقال مزوار -في اجتماع مشترك للجنتي الخارجية بمجلسي البرلمان المغربي (النواب والمستشارين) مساء أمس- إنه “بدلا من أن يعمل الأمين العام للأمم المتحدة على إحياء المفاوضات حول الصحراء تحول إلى شاعل للنار في المنطقة، وخرق اتفاقه مع ملك المغرب ولم يلتزم بمضمون المكالمة التي أجراها معه” مضيفا أن وصف بان للصحراء الغربية بـ”المحتلة” سيكون له تبعات في الأيام والأسابيع المقبلة.

وأوضح الوزير أن بلاده رفضت منذ البداية تقسيم زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى المنطقة على مرحلتين، الأولى تشمل موريتانيا والجزائر والثانية للمغرب، لأن بان “سيقدم تقريره أمام مجلس الأمن الدولي، بين الزيارتين في أبريل 2016، وبذلك يكون التقرير جزئيا ومنحازا لأنه سينحصر على المرحلة الأولى، التي تهم الجزائر وموريتانيا ما سيجعل انطباعاته جزئية”.

وقال المسؤول المغربي إن الرباط تلقت “التزامات مكتوبة” من مقربين من الأمين العام حتى لا يتم استغلال الزيارة سياسيا لكن لم يتم احترام ما تم الالتزام به. وأضاف أنه على العكس من ذلك قام بان بـ”إشارات رمزية خطيرة” من خلال “الانحناء أمام راية الجمهورية الوهمية، ورفع يده بإشارة النصر وحضور قادة البوليساريو إلى جانبه، وهو تعبير صريح عن تساهل مدان مع دولة وهمية تفتقد كما نعرف لكل مقومات الدولة المعترف بها من طرف القانون الدولي ومن طرف الأمم المتحدة نفسها”.

وسجل مزوار في الوقت نفسه عدم إشارة المسؤول الأممي لـ “الخروقات المكثفة لحقوق الإنسان في المنطقة” و”الاختلاس المؤكد منذ أربعة عقود للمساعدات الإنسانية الموجهة لسكان المخيمات الذي أكدته تقارير المفوضية السامية للاجئين وبرنامج الغذاء العالمي ومكتب محاربة الغش للاتحاد الأوروبي”.

وأوضح فرحان حق المتحدث باسم الأمين العام أن استخدام مفردة “احتلال” كان يقصد به عدم قدرة اللاجئين الصحراويين على العودة لديارهم وعلى التعبير عن رغباتهم بحرية، مضيفا أن الدول الأعضاء بما فيها المغرب توافق على قرارات الجمعية العامة بأن وضع الصحراء الغربية ما يزال معلقا.

ومن المقرر أن يعقد أعضاء مجلسي النواب والمستشارين بالمغرب مساء اليوم السبت جلسة عامة -ينقلها التلفزيون الرسمي مباشرة- لمناقشة تطورات ملف وقضية الصحراء لإطلاع الرأي العام على تطوراتها.

تظاهرة بالمغرب

أتالي ينتقد الانحراف اللفظي لـ”كي مون”

وانتقد الخبير الاقتصادي، والكاتب والمستشار الفخري للدولة الفرنسي جاك أتالي، الانحراف اللفظي للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون والمتمثل في استعماله كلمة “احتلال” بشأن قضية الصحراء المغربية.

وقال جاك أتالي بأن هذه العبارة غير مألوفة حتى الآن في القاموس اللغوي المستخدم من قبل دبلوماسيي الامم المتحدة عند حديثهم عن هذه المنطقة ،مذكرا بالمظاهرات الضخمة التي شهدها المغرب احتجاجا على هذا الانزلاق .

ودعا جاك أتالي في افتتاحية اليوم من مدونته على الانترنيت إلى مغرب عربي موحد، معتبرا أن تفاهم بلدان المغرب العربي أضحى يكتسي أهمية بالغة أكثر من أي وقت مضى.

وقال إذا اتحدت بلدان المغرب العربي اقتصاديا وعسكريا، وانخرطت في سوق مشتركة طال انتظارها، ستشكل حتما قوة عالمية حقيقية، مبرزا الامكانيات الهامة للتنمية بهذه المنطقة.

ويرى أتالي الذي شغل في السابق منصب رئيس للبنك الأوروبي لاعادة الاعمار والتنمية أن بلدان المغرب العربي ، من خلال موقعها الجغرافي بين أروبا،وذات مستوى عيش فريد في العالم ، وافريقيا جنوب الصحراء، التي ستضم قريبا 1.5 مليار نسمة، بنموها المطرد،يمكن ان تشكل منطقة استثنائية، لخلق الثروة ومناصب الشغل.

وانتقد الخبير الاقتصادي الفرنسي في هذا السياق ، إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر، موضحا أن التصريحات الاخيرة للامين العام الاممي، ليست في صالح مسار تسوية الامور.

سابقة أممية

واعتبر بنكيران أن استعمال الأمين العام كلمة “الاحتلال” يعد “سابقة في قاموس الأمم المتحدة في تناولها لملف الصحراء المغربية، إذ لا تستند إلى أي أساس سياسي أو قانوني، ويعتبر استحضارها في هذه الحالة مخالفا للقانون الدولي وللأعراف المعمول بها”.

وفي هذا السياق، دعا برلمانيون مغاربة خلال جلسة البرلمان إلى مساءلة بان أمام مجلس الأمن الدولي عما اعتبروه “خرقا سافرا” لميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن بخصوص الصحراء.

كما دعت الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني في المغرب إلى مظاهرة صباح الأحد في العاصمة الرباط احتجاجا على تصريحات الأمين العام الأممي.

وكانت الحكومة المغربية انتقدت بشدة زيارة بان واتهمته “بالتخلي عن حياده وموضوعيته” وبالوقوع في “انزلاقات لفظية”، مؤكدة أن “هذه التصريحات غير ملائمة سياسيا، وغير مسبوقة في تاريخ أسلافه ومخالفة لقرارات مجلس الأمن”.

ورد فرحان حق المتحدث باسم بان على الاتهامات المغربية الأربعاء الماضي، مؤكدا أن “الأمين العام يعتبر أنه والأمم المتحدة شريكان حياديان” في ملف الصحراء الغربية المتنازع عليها بين المغرب وجبهة بوليساريو بدعم من الجزائر.

مساعي حميدة

في حين، قال بوبكر حمداني، إن ما وصفه بـ” المساعي الحميدة التي تحسب للأمم المتحدة، جنبت البلاد الوقوع في أتون الحرب وويلاتها”، مشددًا على أن “تمسك الأطراف بالوساطة الأممية، هو صمام أمان للسلم بالمنطقة، رغم تباعد مواقفهم حاليًا في تقديم تصور مشترك لحل نهائي وعادل للنزاع”.

وتصر الرباط على أحقيتها في إقليم الصحراء، وتقترح حكمًا ذاتيًا موسعًا تحت سيادتها، بينما تطالب “البوليساريو” بتنظيم استفتاء لتقرير مصير الإقليم، وهو طرح تدعمه الجزائر التي تؤوي النازحين الفارين من الإقليم، بعد استعادة المغرب له إثر انتهاء الاحتلال الإسباني.

d887059b-ea16-4475-b5b3-117f61a99270

خيبة بان كي مون

وكان بان كي مون قد عبر عن خيبته البالغة وغضبه إزاء المسيرات التي نظمت الأحد (في الرباط) واستهدفته شخصيا، معتبرا أن “مثل تلك الهجمات مهينة” له “وللأمم المتحدة”. وطلب من الوزير “ضمان أن تحظى الأمم المتحدة بالاحترام في المغرب”.

وشارك عشرات الآلاف من المغاربة في مسيرة بشوارع العاصمة يوم الأحد للاحتجاج على موقف الأمين العام للأمم المتحدة، وإعلان التأييد للملك محمد السادس.

كما تظاهر الآلاف عصر الثلاثاء قرب مقر بعثة الأمم المتحدة في مدينة العيون، كبرى محافظات الصحراء الغربية.

وشارك نحو مليون متظاهر في مسيرات جابت شوارع العاصمة المغربية الرباط يوم الاحد احتجاجا على التصريحات التي ادلى بها الامين العام للامم المتحدة بان كي مون حول الصحراء الغربية والتي استخدم فيها كلمة “احتلال”.

ومثلت المظاهرات تعبيرا كبيرا جدا للغضب الذي يشعر به المغاربة، وشجعت الاحزاب السياسية الناس على المشاركة فيها.

ويعتبر المغرب الصحراء الغربية الغنية بالمعادن “محافظات جنوبية” وجزء لا يتجزأ من المغرب، وشعر بالغضب عندما استخدم الامين العام للمنظمة الدولية تعبير “احتلال” بعد زيارة قام بها هذا الشهر الى مخيمات يسكنها لاجئون صحراويون في جنوب الجزائر.

وخرج المتظاهرون الى شوارع الرباط يوم الاحد بعد دعوات للاحتجاج وجهتها الاحزاب السياسية والنقابات والجماعات غير الحكومية، وقالت السلطات إن عدد المشاركين في المظاهرات بلغ 3 ملايين.

وهتف المتظاهرون “الصحراء لنا”، فيما لوحوا بالاعلام المغربية وصور العاهل المغربي محمد السادس.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …