سالم الفلاحات
سالم الفلاحات

سالم الفلاحات يكتب: خط حديد الحجاز .. بين التصميم الجازم والمعطيات الصعبة

قبل مائة وثمانية أعوام كان القطار ينطلق من اسطنبول إلى المدينة المنورة، حيث استغرق إنشاء سكة الحديد ثمانية أعوام بين دمشق والمدينة المنورة، وكانت الخطة التي أصر عليها السلطان عبد الحميد أن يتم ربط اسطنبول بمكة المكرمة وبموانئ على البحر الأحمر رغم المعيقات الكثيرة سواء في تمويل المشروع أو عرقلته من بعض الدول الاوروبية.

إلاَّ أن تصميم السلطان واستعانته بتبرعات المسلمين من أطراف العالم الإسلامي خدمة لحجاج بيت الله الحرام، وحفاظاً على أمنهم من القراصنة وقطاع الطرق، ولربط العالم الإسلامي ببعضه، ولأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية وعسكرية أخرى جعلت المشروع يرى النور.

  • وصل خط الحديد من دمشق إلى عمان عام 1903، وإلى معان 1904، وفي 1906 وصل إلى مدائن صالح، وإلى المدينة المنورة عام 1908، وكان طوله من دمشق إلى المدينة المنورة 1464كم.
  • بعد الوصول إلى مدائن صالح، مُنع المهندسون من غير المسلمين من الاستمرار للمحظور الشرعي، فوقع عبء إكمال المشروع على المهندسين المسلمين.
  • عمل في المشروع أربعة وثلاثون مهندساً نصفهم من الأجانب برئاسة مهندس ألماني (مايستر باشا)، وما يزيد عن خمسة آلاف عامل عثماني معظمهم من الجنود العثمانيين، وقد استشهد الكثيرون بسبب حر الشمس، أو قلة الماء، أو الأمراض، أو غارات البدو عليهم.
  • حاولت بريطانيا وفرنسا إعاقة جهود المتبرعين وبخاصة من الهند ونشروا الشائعات الكاذبة عن أن الاموال لا تنفق لإنشاء الخط الحديدي، ووضعتا ضرائب باهظة على مسلتزمات خط الحديد، وعطّلتها في بعض الموانئ.

وأنظر كيف وفر التصميم الجازم التمويل للمشروع:

  1. خصصت الدولة العثمانية 18% من ميزانيتها لخط الحديد الحجازي.
  2. جاءت تبرعات المسلمين حتى من مسلمي أوروبا وأمريكا وافريقيا والهند وافغانستان وباكستان بعد أن بدأها السلطان عبد الحميد بنفسه.
  3. إصدار طوابع وجعلها لتمويل الخط الحديدي.
  4. اقتطاع من رواتب الموظفين لهذه الغاية في نهايات المشروع ولم يحتَجّ موظف على هذا الاقتطاع.
  5. البدء بتشغيل فوري للقطار في الأجزاء المكتملة ورصد ناتجها لإتمام المشروع.
  6. بيع جلود الأضاحي ورصدها للمشروع.

 

ومع وجود معيقات كثيرة إلاّ أنها لم توقف المشروع:

  1. دخول الدولة العثمانية مرحلة الرجل المريض.
  2. الدولة مثقلة بالديون الخارجية.
  3. المشروع مكلف جداً ولا رصيد له.
  4. عرقلة بريطانيا وفرنسا للمشروع.
  5. صعوبة المنطقة الجغرافية والمناخية التي سيمر بها الخط.
  6. قلة الخبرات الذاتية والاعتماد على مهندسين أجانب في البداية.
  7. حرمة دخول المهندسين الاجانب بعد مدائن صالح لأنها منطقة حرام يحظر دخول غير المسلمين لها.
  8. معارضة بعض البدو للمشروع وإغارتهم المستمرة على العاملين فيه أثناء التنفيذ.
  9. توصية المهندسين وفي مقدمتهم المهندس الألماني الذي كان يرى استحالة تجاوز الخط مدينة معان لأسباب فنية، لكثرة الرمال وقلة المياه.

كان أمل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله أن يصل القطار مكة المكرمة، وأن يُربط بموانئ على البحر الأحمر، لكن تغييب السلطان عبد الحميد أوقف المشروع.

كم تأملنا ونتأمل ونحلم بعودة هذا الخط أو بعضه للحياة من جديد.

قبل مائة وثمانية أعوام كنت تسافر إلى مدينة الحبيب صلى الله عليه وسلم وإلى اسطنبول بواسطة القطار وبكلفة زهيدة، وبأمان تام.

وحفاظاً على المشروع قرر السلطان عبد الحميد الثاني أن يكون الخط الحديدي الحجازي وقفاً إسلامياً حتى لا يتمكن أحد من التصرف به.

عُطل الخط الحديدي ومُزق الجسد العربي والإسلامي معه، فهل كان المقصود تدمير الخط الحديدي الحجازي، أم تمزيق الجسد العربي الإسلامي؟

إذا زرت المدينة المنورة فأبحث عن محطة سكة الحديد وأنظر إلى بقايا القاطرة التي توقفت طويلاً، وإن كانت تنتظر إشارة الانطلاق من شباب الأمة .. فمن يطلقها؟

Comments

comments

شاهد أيضاً

حافظ المرازي يكتب : بعد غياب 70 عامًا: هل تستعيد مصر الديمقراطية بالملكية؟

في القاهرة، يوم 18 يونيو/ حزيران 1953، وبعد نحو أسبوعين فقط من تتويج إليزابيث الثانية …