سليمان صالح يكتب: الانتفاضة الثالثة ومعادلة المقاومة مع الهوية.. دلالات توضح المستقبل


هناك الكثير من الرسائل التي حملتها الأحداث في فلسطين، والتي يمكن أن تكشف المستقبل، لكن قراءة هذه الرسائل تحتاج إلى فهم عميق للتاريخ والواقع.

وهذه الأحداث يمكن أن تزيد قدرتنا على استشراف المستقبل، والتخطيط لبناء القوة، واستخدامها في الصراعات التي تستمر لزمن طويل.

من أهم الدروس التي حملتها لنا الأحداث أن الواقع مهما كانت كآبته وقسوته وقبحه، يمكن تغييره بكفاح الشعوب وإصرارها على تقديم تجاربها المتميزة التي تشكل إلهامًا لكل من يكافح من أجل الحرية.

لقد كان تحرير الإنسان مقدمة ضرورية لتحرير الأوطان، والإنسان يتحرر عندما يؤمن أنه عبد لله وحده وأن الله هو الذي وهبه الحياة، وهو وحده الذي يعطيه أسبابها، ولذلك فإن عليه أن يقوم بوظيفته الحضارية في مقاومة الظلم والطغيان والاستبداد والاحتلال.

لذلك شكلت الضربات القاسية التي وجهها شعب فلسطين للاحتلال الإسرائيلي صدمة لكل عبيد الواقع الذين ينظرون تحت أقدامهم، وأثبتت لهم أن الشعوب يمكن أن تتحدى الواقع وتغيره، وتبني مستقبلها.

في العالم العربي ارتدى الكثير من المنبطحين المنهزمين ثياب الحكمة والوعظ وإعطاء الدروس في أهمية الخضوع والاستسلام والتركيز على المصالح الخاصة للدول، وأنه لا سبيل إلى مواجهة الكيان الصهيوني الذي تدعمه أميركا وتمده بكل أسباب القوة التي تجعله الأكثر تفوقا عسكريا، وتكفل سيطرته على المنطقة.

سقوط الزيف

لكن ثبات الشعب الفلسطيني وإصراره على حماية القدس والرباط فيه، ومواجهة مخططات إسرائيل التي تهدف لتدميره مهما كانت التضحيات، يوضح نهاية مرحلة في حياة الأمة انتشر فيها الزيف والتضليل والتجهيل، وبداية مرحلة جديدة تعلو فيها قيم الشجاعة والصمود.

من أهم نتائج تلك المواجهة أن آمال الشعوب بدأت ترتفع، حيث يوضح تحليل مضمون الرسائل التي ينشرها الآلاف من العرب على وسائل التواصل الاجتماعي، أن هناك رؤية أخرى لا يتم التعبير عنها في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها السلطات.

هذه الرؤية يصنعها المؤمنون بنصر الله، والذين ما زالوا يحملون آمالهم وأشواقهم إلى تحرير الإنسان من العبودية لذلك الواقع الكئيب الذي صنعته القوة الغاشمة خلال القرنين الماضيين.

هذه الرؤية توضح أن الشعوب يمكن أن تكون عصية على الانكسار، وأنها يمكن أن تتغلب على هزائمها لتنطلق في مرحلة جديدة من الكفاح لتحرير الإنسان والأرض.

ولقد كان تحرير الإنسان مقدمة ضرورية لتحرير الأوطان، والإنسان يتحرر عندما يؤمن أنه عبد لله وحده وأن الله هو الذي وهبه الحياة، وهو وحده الذي يعطيه أسبابها، ولذلك فإن عليه أن يقوم بوظيفته الحضارية في مقاومة الظلم والطغيان والاستبداد والاحتلال.

في ضوء ذلك يمكن أن نفسر تزايد الشعور بالتفاؤل والأمل والثقة في النصر والإصرار على مواصلة الكفاح والصمود، في الرسائل التي ينشرها المؤمنون على وسائل التواصل الاجتماعي.

وربما تكون تلك المشاعر أهم الإنجازات التي تحققت من متابعة مشهد المرابطين في بيت المقدس، وصواريخ المقاومة التي تتحدى قوة إسرائيل الغاشمة.

لم يكن أحد يتوقع أن تعبّر الشعوب العربية عن مشاعر التفاؤل والأمل بعد أن شكلت وسائل الإعلام السلطوية حالة اليأس والإحباط والاكتئاب والخوف من السلطات التابعة لإسرائيل، فما بالك بقوة إسرائيل نفسها.

الشعب القائد

هذا التحول في المزاج العام، والتحرر من حالة الإحباط واليأس، قاده الشعب الفلسطيني الذي تعرض لأشد أشكال المعاناة والاضطهاد.

لذلك كان مشهد المرابطين يثير الأمل، فإذا كان أولئك الذين عاشوا كل تلك التجارب المؤلمة يعبّرون عن الكرامة والعزة والاستعداد لتقديم التضحيات لحماية المسجد الأقصى، فإن كل الشعوب العربية المبتلاة بطغاتها والمقهورة بأنظمتها المستبدة يمكن أن تنتفض.

والقيادة لا تتمثل فقط في فرد يتميز بسمات تؤهله للتعبير عن أشواق شعبه للحرية، لكنها يمكن أيضا أن تكون قيادة جماعية تتمثل في شعب يقود الشعوب الأخرى ويلهمها.

ولقد قاد شعب تونس ثورات الربيع العربي، عندما غنى:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة

فلا بد أن يستجيب القدر

ولا بد لليل أن ينجلي

ولا بد للقيد أن ينكسر

واستمر شعب تونس في ثورته حتى هرب بن علي، فألهم ذلك المشهد الشعوب العربية التي كانت تحلم بهروب طغاتها. وشعب فلسطين يقوم اليوم بدور الشعب القائد، حيث اضطر المستوطنين إلى الهروب من ساحات القدس، وكسر أحلامهم في السيطرة عليه.

كما هرب المستوطنون من بيوتهم في اللد بعد أن انتفض الفلسطينيون، وبدا واضحا للجميع أن خطط الكيان الصهيوني في إخضاع شعب فلسطين ودفعهم لنسيان قضيتهم باءت بالفشل، ومشهد الهروب هو مشهد مهم يثير خيال الشعوب، سواء في ذلك هروب الطغاة أو هروب المستوطنين.

نريد أن نشارك

الرسائل على وسائل التواصل الاجتماعي حملت أيضا الكثير من الدلالات التي يمكن أن تساهم في بناء المستقبل، فهناك الكثير من العرب يريدون المشاركة في مجد المقاومة، والحصول على شرف تحرير القدس، ومواجهة القوة الصهيونية الغاشمة.

لكن الأمر لم يتوقف على التعبير على مواقع التواصل الاجتماعي، فهناك قبائل عربية أصيلة كريمة في الأردن طالبت بفتح الحدود، وقالت إنها تستطيع أن تحرر فلسطين.

ومن المؤكد أن هناك الكثير من القبائل العربية في كل أنحاء هذا الوطن، يتوقون إلى الحصول على شرف المشاركة في تحرير القدس، وهو أعظم شرف يمكن أن يناله الإنسان.

والبطولة في هذه القبائل إرث تاريخي يمكن أن يتحول إلى فعل، ولذلك فإنها يمكن أن تشكل الطليعة التي تقود الأمة في حركة تحرير ممتدة في الزمان والمكان. وإذا كانت الصهيونية لم تتمكن منذ عام 1948 باستخدام كل وسائل القهر أن تجعل أهل اللد والداخل الفلسطيني ينسون هويتهم وأملهم في التحرير والعودة، فإن كل قوى الاستعمار الغربي لم تستطع أن تجعل القبائل العربية تنسى أصالتها وشجاعتها ونخوتها وبطولتها، خاصة أنها من أحفاد أولئك الفرسان الذين حرروا فلسطين من الاستعمار الروماني في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وتحت قيادته. فهل يعني ذلك أن تلك القبائل العربية قد بدأت رحلتها الجديدة للقيام بوظيفتها الحضارية، وقررت أن تنطلق لتحرر فلسطين، وهي لا تحتاج إلا إلى فتح البوابات وكسر الحدود.

أنا أعرف جيداً أسماء القبائل العربية وتاريخها، لكنني تعمدت عدم ذكر تلك الأسماء مع حبي لها حتى لا أنسى أية قبيلة، ولأنني أتحدث عن حالة نهضة، وبداية انتفاضة تستعيد فيها القبائل العربية مجدها وتاريخ أجدادها وتنال شرف تحرير فلسطين.

وإذا كان شعب فلسطين يمكن أن يكون الشعب القائد لمرحلة جديدة من الكفاح تماما كما قاد شعب تونس الربيع العربي، فإن القبائل العربية التي تنشر في كل أنحاء العالم العربي يمكن أن تكون القائدة في مرحلة جديدة من تاريخ العرب، ليقوموا بدورهم الحضاري تماماً كما قام به أجدادهم.

ولقد كان فتح فلسطين من الاحتلال الروماني مقدمة لانطلاق المسلمين إلى تحرير مصر وأفريقيا والأندلس، في رحلة نهضة استمرت لقرون طويلة أقام فيها العرب الحضارة القائدة التي نشرت المعرفة والعلم والأدب، وكانت الفترة التي سادت فيها هذه الحضارة هي أعظم فترات التاريخ.

وسيهرب المستوطنون!

ماذا يمكن أن يحدث لو فتحت الحدود أمام قبائل العرب لتعيد تجربة الأجداد العظماء في التحرير وبناء الحضارة؟ سؤال يمكن أن يشكل نقطة انطلاق للمستقبل ستجيب عنه تلك القبائل بعد أن ألهمها صمود شعب فلسطين القائد.

ويلاحظ أيضا أن المظاهرات في الجزائر قد طالبت منذ زمن بفتح الحدود، وقال الجزائريون كلمتهم الخالدة إن النصر قريب عندما يتم فتح الحدود.

وشعب الجزائر صاحب تجربة تاريخية عظيمة في المقاومة والكفاح والصمود، وقد قدم أكثر من مليون شهيد طوال 10 سنوات فقط لكي يحرر الجزائر من الاستعمار الفرنسي الذي لم يكن يتخيل أحد في فرنسا أنه سينتهي.

ماذا يمكن أن يحدث إذا توحدت آمال القبائل العربية في استعادة دورها التاريخي مع تجربة الجزائر لتدعم وتساند شعب فلسطين؟ وهناك ملايين الأحرار في الوطن العربي يمكن أن ينتفضوا، ليقدموا إبداعهم في مرحلة الكفاح الجديدة لتحرير فلسطين.

في ضوء ذلك يمكن أن نفهم لماذا شكل مشهد المقاومة الفلسطينية صدمة قاسية للطغاة العرب، وجعل المنافقين المطبعين يفقدون قدرتهم على التحكم في أعصابهم!

إن الشعوب هي التي تغير واقعها عندما تنتفض وتتغلب على وهنها وخوفها، وتقرر بإرادتها الحرة أن تقاوم، وسيهرب الطغاة والمستوطنون أمام صمود الأحرار وإصرارهم وإبداعهم.

وشعب فلسطين يقود انتفاضة جديدة يتحدى فيها القوة الغاشمة للطغاة والاحتلال.. وتلك أهم دلالات المشهد التي سيكون لها تأثيرها على العالم الذي ستضيئه دماء شهداء فلسطين، وتوضح له أن القوة الغاشمة لا يمكن أن تجعل الشعوب الحرة تخضع وتستسلم.

ودماء شهداء فلسطين توضح أن الأحرار سيتمكنون من بناء المستقبل بعد أن يتمكنوا من تغيير ذلك الواقع البائس.

وستكون تجربة شعب فلسطين ملهمة لكل الشعوب التي تتطلع للحرية وتشتاق للعدل، وتريد أن تبني الحضارة بصمودها وكفاحها.


Comments

comments

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : هل تمتد اليد الأثمة إلى عملاق الصناعة “مصر للألومنيوم”؟

في نهاية فترة الستينيات من القرن الماضي تم تأسيس مجمع مصر للألومنيوم، أكبر مصنع لإنتاج …