سوريا .. جدلية التوافق والتنافس الأمريكي الروسي

 في الوقت الذي أصبحت فيه الأزمة السورية أزمة دولية بامتياز ودخلت مرحلة التدويل على وقع التوافق الأمريكي – الروسي الذي تبلور في اتفاق فيينا ثم استمر في لقاء ميونيخ وصولاً إلى اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، ضمن مسار يكاد يهدد علناً كل القوى المحلية والإقليمية المعترضة أو المتحفظة عليه بتهمة الإرهاب وعقوبة الحرب، تزداد أهمية الفهم السليم والدقيق للموقفيْن الأمريكي والروسي باعتبارهما المتحكميْن في مسار الأحداث حالياً.

وتبدو الإشكالية الكبيرة في التعارض الكبير بين التنافس/التواجه النظري بين واشنطن وموسكو من ناحية، واتفاقهما عملياً على المبادئ الرئيسة للحل، وهو تعارض مفترض أدى إلى مقاربات متعددة ومتضاربة لهذه العلاقة الملتبسة، أهمها: مقاربة الانسحاب الأمريكي والاستغلال الروسي، ومقاربة التوريط الأمريكي للدب الروسي.

تناول المفكر منير شفيق في مقال له مؤخراً هاتين المقاربتين وأظهر أنهما تكتنفان إشكالية منهجية، إذ تتعارضان مع الأمثلة الواقعية التي يسوقها مؤيدو كل منهما على صحتها. وأعتقدُ أن المأخذ الرئيس على هاتين المقاربتين – بما يؤدي لهذا الالتباس والتناقض -هو النظر لأزمة دولية شائكة بعدسة لا ترى إلا لونين؛ الأبيض والأسود.

 لا شك أن دوافع روسيا للتدخل العسكري المباشر في سوريا متعددة، أهمها دعم حليفها (النظام وليس الشخص) التقليدي، وسد الطريق أمام السيناريوهات التي تستبعدها في الحل على غرار النموذج الليبي، وضمان وصولها الآمن والمستدام للمياه الدافئة، والحفاظ على خطوط نقل النفط، وتأمين قواعدها العسكرية هناك.

بيد أن الناظم لكل هذه المصالح هو الرغبة في إعادة روسيا مرة أخرى “قوة عالمية” بعد أن تعامل الغرب معها لسنوات طويلة على أنها “قوة إقليمية كبيرة” (كتطبيق عقوبات اقتصادية عليها)، وهي رؤية بوتين المستندة إلى نظريات المفكر الاستراتيجي ألكسندر دوغين وخاصة تلك التي أودعها في كتابه “أسس الجيوبوليتيكا”.

من ناحية أخرى، يبدو الموقف الأمريكي غامضاً بالنسبة للكثيرين، المترددين بين من يعتبر أوباما رئيساً “جباناً” تسبب بهزيمة بلاده أمام روسيا، وبين من يرى واشنطن متآمرة مع موسكو، لكن نظرة متأنية وعميقة على أسس المصالح الأمريكية في المنطقة عموماً وسوريا خصوصاً لا تشي بتحفظ أمريكي عميق إزاء التدخل الروسي في سوريا في سبتمبر 2015، بل يبدو الأخير ضامناً لما تريد تحقيقه من مصالح، ومنها:

1- ضبط المشهد السوري ومنع تدحرجه نحو الفوضى الشاملة، من خلال الانهيار السريع والمفاجئ للنظام.

2- محاربة تنظيم الدولة – ولو اسمياً – ومنع تمدده، وإضعاف الفصائل المسلحة الأخرى.

3- وجود قوة قادرة على فرض الحل على نظام الأسد حين تنضج شروطه.

4- منع انفراد إيران بالسيطرة على المشهد السوري، بما يمكن أن يزعج “إسرائيل”.

هذا فضلاً عن أن الولايات المتحدة لم تخسر استرايتيجياً على إثر هذا التدخل، فسوريا جزء من منظومة التحالفات الروسية منذ الحرب الباردة وحتى اليوم.

لكن الذي اختلف هو مضي موسكو إلى آخر الشوط في تثبيت واستدامة وجودها، بعدة خطوات مدروسة ومتلاحقة قامت بها بعد إسقاط أنقرة لمقاتلتها في نوفمبر 2015، ويبدو أنها أرادت من وراء ذلك تنفيذ استراتيجية عقابية لتركيا باعتبارها معتدية على مقاتلتها، وباعتبارها قوة إقليمية داعمة للمعارضة السورية التي تواجه حليفها الأسد.

وفي هذا السياق، يرى “فابريس بالونش”، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى في مقاله “معركة حلب: مركز رقعة الشطرنج السورية” أن الاستراتيجية الروسية منذ سبتمبر 2015، قامت على ثلاثة أسس:

أ-  الحفاظ على حدود “سوريا المفيدة” أي الدولة العلوية على الساحل، بما تتضمنه من قواعد عسكرية روسية.

ب- منع المعارضة المسلحة من تحقيق أي إنجازات مهمة في المدن الكبيرة.

ج – خنق المعارضة السورية من خلال حصار تركيا بالفصائل الكردية المسلحة في الشمال السوري، وفق سيناريو تبدو وكأنها تتنافس مع الولايات المتحدة على تنفيذه.

وعليه، قد يكون من المفيد أن نقسم الموقف الأمريكي من السيطرة الروسية على سوريا إلى جزئين: الأول، رضا عن ضبط المشهد السوري، بحيث تضمن واشنطن وجود شريك لها قادر على إنفاذ رؤيتها/ رؤيتهما للحل. والثاني، استياء من تمادي روسيا في فرض سيطرتها وإدامة وجودها وزيادة وتيرة انتهاكاتها للأجواء التركية، أي المجال الجوي لحلف الناتو (بعد مغامراتها في جورجيا والقرم وأوكرانيا).

والجزءان – فيما أعتقد – متكاملان لا متناقضين، إذ يفسر الأول سكوت واشنطن عن تدرج بوتين في تثبيت وجوده العسكري في سوريا على مدى أشهر وصولاً للإعلان المباشر عن ذلك في نهاية سبتمبر 2015، بينما يقدم لنا الثاني استشرافاً لما يمكن أن تقدم عليه الولايات المتحدة مستقبلاً.

ومن مظاهر الغموض في الموقف الأمريكي بالنسبة للكثيرين التحالف الأمريكي مع تركيا (منذ عشرات السنين) ودعمها لمن تعتبرهم الأخيرة إرهابيين (الفصائل الكردية المسلحة)، وتنسيقها الواضح مع روسيا فيما هما خصمان تاريخياً وحاضراً، فضلاً عن مواقفها من الأسد المتراوحة بين إعطاء الشرعية له ونزعها عنه وبين التهديد بحربه وقبوله جزءاً من الحل.

إن أكثر ما أتقنته السياسة الأمريكية على مدى عشرات السنين من الحرب الباردة هو الاحتواء والاحتواء المزدوج، وإعطاء الضوء الأخضر لطرف ثم دعم الطرف الآخر، وليس مثال غزو صدام حسين للكويت عنا ببعيد. لكن واشنطن، فيما يبدو، تنتهج الآن سياسة الاحتواء متعدد الأطراف والتوريط للجميع.

لذلك، فليس من المستبعد أبداً أن يكون السماح لروسيا بالسيطرة على سوريا مجرد مقدمة لاستنزافها على المدى البعيد، عقاباً على سياساتها التمددية ضد حلف الناتو، خصوصاً وأنها تعاني من أزمة اقتصادية يفاقم من انعكاساتها الإنخفاض المتعمد لأسعار النفط.

ومن هذه الزاوية أيضاً يمكن فهم السقف الأمريكي المانع لتقديم أي مساعدات عسكرية نوعية (مضادات طائرات) للمعارضة السورية، بينما توحي استعدادات تركيا والسعودية بقرب حصولها على ضوء أخضر أمريكي لتدخل عسكري محدود في سوريا، والذي لن يكون إلا توريطاً لهما ولروسيا معاً، أو على الأقل حماية للحدود الفعلية القائمة اليوم ودعماً لسيناريو التقسيم المستقبلي، فعلياً إن لم يكن رسمياً.

إن “انسحاب” الولايات المتحدة من منطقة الشرق الأوسط لمصلحة منطقة الباسيفيك مفهوم أُخذ على غير حقيقته وحُمّل أكثر مما يحتمل، فهو لا يعني سحب واشنطن يدها تماماً من المنطقة وتركها لغيرها، بقدر ما يعني – وفق فهمي -انخفاض الوزن النسبي للمنطقة في الاستراتيجية الأمريكية، وعدم رغبة واشنطن في التدخل الفعلي والعسكري بنفسها وجنودها إلا في حالات الضرورة القصوى، بينما تكتفي حالياً بالاعتماد على لاعبين محليين وإقليميين للحفاظ على مصالحها فيها.

وبهذا تصدق توقعات من قال في الأشهر الأولى من الثورة السورية إن واشنطن لن تبقى مكتوفة الأيدي بل ستتدخل لتعمّق الأزمة وتورط الجميع فيها، بحيث تصبح الأزمة السورية “محرقة” لجميع الأطراف: سوريا الدولة، وسوريا النظام، والمعارضة، و”الجهاديون”، وتيارات وقوى إقليمية أخرى. ويبدو أن هذا ما حدث ويحدث وسيحدث، طالما ما زلنا نرفض رؤية الأشياء على حقيقتها، ومصرين على تفسير الأحداث المعقدة والسياسات الدولية وفق سيناريوهات مبسطة، ومنخرطين فيما نعتقد أنه حقنا وتخطيطنا ومصلحتنا بينما لا نعدو في أحيان كثيرة أن نكون مجرد بيادق على رقعة شطرنج من يملك الرؤية والأدوات.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …