شريف عبدالغني يكتب: سبب وجيه للهجرة من أم الدنيا

 (1)

هناك قطاع معتبر من المصريين يؤمنون بنظرية “المنقذ” أو”المخلص”. ينتظرون من ينشلهم من الفقر والمرض وقلة الحيلة والعجز، إلى عالم أرحب وحياة أكثر سعة. وحبذا لو كانت الحياة الجديدة التي يتطلعون إليها تكون بلا أعباء أو عمل.. “أكل ومرعى وقلة صنعة” حسب المثل الشعبي الراسخ في أذهانهم.

قد تكون عصور الاستبداد الطويلة التي عاشوا في ظلها سببا في هذا التفكير. في قريتنا حتى السبعينيات من القرن المنصرم لم تكن توجد مدارس. من يخرج عن الدائرة ويستكمل تعليمه ويقيم في القاهرة لم يعد يمثل نفسه فقط. إنه سفير لأهله بالعاصمة. يذهب إليه من يحتاج وظيفة. يقضي ليلته عنده من يتأخر في المدينة. والمحتاج في زواج ابنته ينتظره عند أول زيارة للقرية وبعد مقدمة طويلة عن الحال والأحوال والظرف والظروف، يطلب منه “سُلفة” لـ “ستر” البنت. في النهاية تتحول السُلفة إلى “هبة” لا تُرد.

(2)

في بداياتي بالقاهرة، استقر حالي في مكان يذكرني بالريف وأيام القرية الخوالي. الشرفة تطل على حقول خضراء على أطراف شارع الهرم الشهير. المنظر يسر النظر ويبهج القلب. من بعيد تطل أهرامات الجيزة الثلاث لتعيدك إلى زمن يجعلك تفخر بمصريتك. المشهد يتحول ليلا إلى لوحة جمالية حيث تتلون الأهرامات بألوان مختلفة بعد تشغيل عروض «الصوت والضوء» على سفحها.

لكن في مصرنا دوام الحال من المحال، والقبح الذي رعاه حكم عسكري فاقد للذوق لا يهتم بأرواح الناس من الطبيعي أن يمتد إلى كل شبر في البلد. ما حدث أن عمليات بناء عشوائية وبدون تراخيص بدأت على هذه الحقول دون أن يهتم وزير ولا خفير. تحولت المساحات الخضراء الغناء إلى أبراج إسمنتية مشوهة حجبت الأهرامات التي أبدعها الأجداد.

الدولة غابت عن هذه المأساة التي تهدد الحي. لو انهار أي برج من تلك الأبراج المخالفة لكل مواصفات البناء الآمن فستكون كارثة. لم يتحرك أحد من السكان. حتى المساحات القليلة الخالية التي ظلت أرضا فضاء بين هذه الأبراج أبى أصحابها أن تظل دون أن تسبب أضرارا. أحدهم حوّلها بالمخالفة للقانون إلى مستودع مكشوف لمواد البناء. تحول هواء المنطقة إلى غبار. تكلمت مع الجيران. كلهم استنكروا.. نددوا.. شجبوا هذا التصرف. أكدوا أنهم لن يسكتوا وحتما سيتخذون موقفا. واضح أنهم مغرمون بمشاهدة اجتماعات الجامعة العربية، فقد اختفوا بعدما أقسموا على اتخاذ موقف!

من جانبي شكوت الرجل لمحافظ الإقليم. عرف المشكو في حقه بالأمر. لم يهمه محافظ أو حتى رئيس. هو يعلم أن الدولة لا تفعل شيئا. لذلك لم يهتم وهدد من يعترض طريقه مستعينا بمجموعة من “البلطجية”.

(3)

فر الجيران أمام تهديده. لا أحد بجانبي. لكني تذكرت أحدهم. لقد سبق أن هدد “البواب” بأن يطلق عليه النار إذا لم يسمع كلامه. هو ابن عضو برلماني سابق ويفخر برجال عائلته الذين يأكلون الزلط. إذن هذا من يصلح للتعامل مع صاحب المستودع و”بلطجيته”.

حكيت له تهديد الرجل للسكان، فهاج وماج واستنكر أن يحدث كل هذا دون أن يعلم بالأمر، وقال مطمئنا: «سيب الموضوع ده عليّ.. أنا هروح للحيوان ده وأعلمه الأدب كويس.. واخليه يمشي من المكان». نمت يومها هادئ البال وأنا واثق أن نهاية «البلطجية» آتية لا ريب فيها على يد هذا الشرس. صحوت ونظرت من الشرفة فإذا بالمستودع قائم وصاحبه وبلطجيته يمرحون أمامه.

ذهلت.. جريت مسرعا إلى جاري: يعني الرجل زي ما هو مع صبيانه.. مش قلت هتعلمهم الأدب؟ أجاب: حصل فعلا.. رحت لهم في عقر مستودعهم.. وقلت لهم إن أبي كان محاميا كبيرا.. وأنا قرأت كل كتبه.. وكلها تؤكد أن اللي بتعملوه ده مخالف للقانون!!

لم أستطع الرد عليه. ومن يومها قررت الهجرة من العمارة والحي.. ومصر كلها!

شاهد أيضاً

عز الدين الكومي يكتب : “علقم في حلق كل صهيوني”

رحم الله الشهيد خيري علقم الذي هزم الصهاينة عسكرياً ونفسياً وأخلاقياً ، وأذاقهم العلقم وأظهر …