صراع العقارب في إيران

خامنئي يضرب في صميم مكانته في الحوزة

الهيمنة على مقاعد مجلس الخبراء تمثل جولة جديدة في صراع العقارب في إيران, ودخول مراجع الدين الحكومية في هذه اللعبة خلق أزمة جديدة لمرشد الثورة؛ خامنئي. وفق قوانين النظام؛  يجب أن يكون الولي الفقيه مجتهدا, جامعًا للشروط, كسب اعتباره ومشروعيته من عدد من مراجع التقليد في الحوزة العلمية في “قم”. الخميني نفسه عندما زج به في السجن عام 1964، أيد أربعة مراجع التقليد آنذاك, وهم  ميلاني وشريعتمداري ونجفي مرعشي وكولبايكاني, أيدوا اجتهاده لكي يتمتع بالحصانة حسب قانون المشروطة (الدستور). أما خامنئي فلم يكن مجتهدا جامعا للشروط , ومع ذلك تم إخراجه بين ليلة وضحاها من قارورة مجلس الخبراء من قبل هاشمي رفسنجاني وأصبح الولي الفقيه, ثم بعد ذلك أجاز عدد من مراجع التقليد (الحكوميين) اجتهاده بشكل يثير الضحك بعدما أصبح الولي الفقيه. وبعد الابتعاد عن الحوزة لحوالي 15 عاما رتبوا له محاضرة لدرس الخارج.

 اذن اشتراط خميني وخامنئي تأييد مراجع التقليد أمر واضح وبين, ولكن مع تفاقم التناقضات والتجاذبات بين الأطراف، وضع مشهد الأحداث خامنئي في موقف حرج, بحيث يضطر لركل حوزة قم ومراجع التقليد للحفاظ على موقعه, ويجبر مجلس صيانة الدستور التابع له على أن يرفض أهلية حسن خميني الذي أيده عدد من مراجع التقليد في “قم” بمن فيهم وحيد خراساني وموسوي اردبيلي وشبيري زنجاني وجوادي آملي.  وكتب الملا محمد جواد حجتي كرماني في رسالة مفتوحة: “أصحاب السيادة الكرام في مجلس الصيانة يتعلقون بالحوزة العلمية في “قم” أكثر من أي شخص آخر, وأي مجموعة, ويجب أن يراعوا حرمة الحوزة أكثر من أي شخص وجهة أخرى. ولكن نرى أن السادة يعملون خلافا لرأي صريح لعدد من المراجع الكرام في قم ويتجاهلون كأنه لا يوجد أي مرجعية ولا احترام للمراجع. هناك مثل يقول إن “احترام الإمام يتولاه خادمه”. عندما لا يحترم مجلس الصيانة المرجعية فماذا نتوقع من الآخرين؛ خاصة الشباب وأهل السياسة والثقافة لكي يحترموا المرجعية ورجل الدين؟” (موقع خبر أونلاين الحكومي 31 يناير).

هناك ملا آخر يدعى سيد مهدي طباطبايي عضو “تجمع رجال الدين المناضلين” قال بشأن عدم إحراز أهلية حسن خميني: “هذا الموضوع مهم للغاية لأن مجلس الصيانة يقول نحن يجب أن نشخص فقاهة الشخص. لا ضير أنتم أهل التشخيص ولكن عندما يأتي دور المراجع المعتبرين لا تضعوا آراءكم فوق آرائهم, وهذا يعني تشويه مصداقية الحوزة والطريق الأصيل للدروس والبحث الحوزوي. ألا تعتقدون أن تشخيص الفقاهة هو عمل العلماء والمراجع؟ هناك ملا آخر يدعى محمد تقي رهبر وهو إمام جمعة اصفهان المؤقت وعضو برلمان النظام يقول: رخصة الاجتهاد تأتي حسب تشخيص العلماء لا عن طريق الامتحان وهذا كان الطريق المعمول به في الحوزات العلمية من الماضي لحد اليوم (صحيفة مردم سالاري الحكومية 31 يناير).

كما كتبت صحيفة مردم سالاري في يوم 3 فبراير: “إن رفض أهلية حسن خميني جاء في وقت تم تأييد اجتهاده من قبل العديد من العلماء ناهيك أن تبريرات مجلس الصيانة لا يسندها أي استدلال منطقي”.

ومثل هذه الآراء كثير, ولكن المهم أن خامنئي وإن رفض أهلية حسن خميني كمنافس جاد من زمرة رفسنجاني لعضوية مجلس الخبراء إلا أنه دخل أزمة أكثر خطورة, وهي ضرب مشروعية مكانته التي تحصل عليها من هذه الحوزة وتلك المراجع, وبذلك يكون قد خلق اصطفافا جديدا ضده بين الملالي.

وفي الطرف المقابل يهاجم رفسنجاني لأول مرة مجلس الصيانة والمؤسسات الموالية لخامنئي ويقول “لا تقبلون أهلية شخصية هو أشبه إلى جده الإمام خميني؛ من أين جئتم أنتم بأهليتكم؟ من سمح لكم أن تحكموا؟ من سمح لكم أن تجلسوا ف مكانكم وأن تصدروا الحكم للبرلمان والحكومة وغيرها من الجهات وأن تمسكوا الصلاحيات؟ من سمح لكم أن تكون الأسلحة عندكم والمنابر؟ من سمح لكم أن تكون لكم منابر صلوات الجمعة, والاذاعة والتلفزيون تحت رهن اشارتكم؟ من أعطاكم هذه؟» (موقع هاشمي رفسنجاني 1 فبراير2016).

 نعم.. يضرب خامنئي صميم مكانته في الحوزة, ورفسنجاني يضرب أساس ولاية الفقيه لدى النظام. وهكذا يقول القرآن « وظنّوا أنّهم مّانعتهم حصونهم مّن اللّه فأتاهم اللّه من حیث لم یحتسبوا وقذف فی قلوبهم الرّعب یخربون بیوتهم بأیدیهم وأیدی المؤمنین فاعتبروا یا أولی الأبصار» (سورة الحشر الآية 2) فقد أسس خميني هذه المؤسسات لتكون بمثابة البنية التحتية لنظام الامبراطورية المطلقة للفقيه لكي لا يفكر أحد في الحرية والسلطة الشعبية, ولكن عهد انقراض حكمه قد حان ولذلك فإن عناصره هم الذين يضربون هذا الحكم من الأساس وهذا ما أكدته الآية القرآنية من سورة الحشر.

 تحذير رفسنجاني لخامنئي: لا أحد يولد رئيسا أو مرؤوسا

وردا على الهجمات والتهديدات التي أطلقتها الزمرة المنافسة، حذر رفسنجاني يوم الأربعاء 3 فبراير خامنئي قائلا “لا أحد يولد رئيسا ولا مرؤوسا .. الناس هم الذين ينتخبون رجالا لإدارة شؤونهم كحكام”.

وأضاف رفسنجاني دفاعا عن مواقفه التي أثارت غضب زمرة خامنئي قائلا: الناس ليسوا منتوجات معمل لكي يحملوا فكرا موحدا، بل الأمزجة المختلفة هي التي تشكل الرأي الجماعي, وفي الحكومات أصوات الأكثرية هي المعيار. كما أبدى رفسنجاني في الوقت ذاته خوفه من كساد مهزلة الانتخابات وقال: الملاحظة الأخرى التي نلمسها هذه الأيام هي سعي البعض للايحاء بالعزوف عن المشاركة في الانتخابات. إن العزوف عن التوجه إلى صناديق الاقتراع لا مبرر له. يجب على الجميع المشاركة بشكل واسع.

 تحذير الملا ممدوحي عضو مجلس خبراء النظام لرفسنجاني

وحذر الملا حسن ممدوحي عضو مجلس خبراء النظام رفسنجاني يوم 4 فبراير قائلا: «أتمنى أن لا يثير السيد هاشمي بتصريحاته فتنة جديدة في البلد ويعلم أن الشعب يقف بوجه أصحاب الفتنة». وقال في مقابلة أجرتها معه وكالة أنباء تسنيم التابعة لقوة القدس: «أعتقد أن السيد هاشمي يجب أن يتكلم بحذر. هذا الوجه من  الكلام ليس لصالحه ولا لصالح البلد ومع الأسف نسمع مثل هذه التصريحات في وقت يحتاج البلد إلى هدوء». ودافع الملا ممدوحي عن رفض أهلية حسن خميني وقال “أن يكون الفرد حفيد الإمام ليس سببا لأن يكون شبيه جده، بل المعيار هو نوع العمل وسلوك الأفراد”.

رفع دعوى على رفسنجاني في المحكمة الخاصة برجال الدين

(صورة الدعوى المرفوعة على رفسنجاني في  المحكمة الخاصة برجال الدين)

أفادت المواقع المحسوبة على زمرة خامنئي يوم 4 فبراير الجاري حضور 10 أشخاص إلى المحكمة الخاصة برجال الدين لإقامة دعوى على رفسنجاني بسبب تصريحاته ضد مجلس الصيانة! وأورد موقع “رجانيوز” الحكومي الخبر بعنوان: “فتح ملف هاشمي رفسنجاني في المحكمة الخاصة برجال الدين”. وتنص الدعوى على ضرورة ملاحقة رفسنجاني بتهمة الإفساد في الأرض.

وفي الرابع من فبراير ظهر الملا يزدي رئيس مجلس خبراء النظام في اجتماع حكومي تحت عنوان «ملتقى مكانة مجلس الخبراء وواجباته وكفاءته » وأشار بشكل صريح إلى رفسنجاني وحسن خميني وهاجمهما قائلا: من يدخل مجلس الخبراء يجب أن يقف بوجه الفتن. مجلس خبراء القيادة ليس مكان لعب الأجنحة والتسيس والتشبيب وكذلك الشيوخ العجزة غير القادرين على العمل بل هو مجلس مكون من فقهاء جامعي الشروط.

يتفاقم الصراع حول السلطة في إيران, وكل زمرة تسعى لأن تكشف عما تخفيه الزمرة المنافسة بغية التفوق للحصول على حصة أكبر الثروة والسلطة. أمعنوا النظر في النموذج التالي:

حاجي دلكاني عضو برلمان النظام يقول: «نسأل أنفسنا حقا ما هذه الطريقة التي ننتهجها وندخل أيدينا في جيوب الناس؟ أليست للبلد مصادر؟  الناس يتساءلون إلى أين هذه الكمية من النفط ؟ لماذا علينا أن نضغط هكذا على المواطنين باستمرار؟ لماذا يجب علينا أن ندخل أيدينا في جيوب المواطنين لتأمين نفقات إدارة المجتمع؟ فيما أعلنت الحكومة أن المبالغ المجمدة تعود. انظروا في الشبكة العنكبوتية ماذا يقول الناس سواء بمزاح أو بجد؟ يقولون: أين حصة الناس؟ ». (اذاعات النظام 31 يناير).

هذا المسئول في برلمان النظام يعترف أن أيدي الملالي في جيوب الناس وتزداد عملية ابتزاز الناس يوميا. الناس خاصة بعد الاتفاق النووي يصرخون مطالبين بحقوقهم. الفضاء المجازي طبعا جزء من انعكاس مطالب الشعب في الفضاء الحقيقي الذي يتمثل يوميا في الاحتجاجات الاجتماعية. وفي نظرة إلى المدن يمكن مشاهدة هذه الاحتجاجات. احتجاجات عمالية واحتجاجات أطباء الأسنان والمغبونين المنهوبة أموالهم من قبل المؤسسات المدعومة حكوميا في طهران واحتجاجات عمال المناجم واحتجاجات عمال الزراعة والصناعة في “هفت تبه” بخوزستان واحتجاجات المهن المختلفة أمام برلمان النظام وغيرها من الاضرابات والاحتجاجات اليومية التي تجري هنا وهناك. ولكن يا ترى ما الجواب على سؤال هذا المسؤول؟ لماذا لم يتخلى الملالي عن هذه الأعمال ومازالت بقيت أيديهم في جيوب المواطنين؟!

الجواب واضح. نظام ولاية الفقيه بني أساسًا على النهب والسلب. هذا النظام- ومن أجل حفظ بقائه مقابل انفجار غضب المواطنين – بحاجة الى عملاء وعناصر يؤمن نفقاتهم عن طريق نهب أموال المواطنين. وإن تخلى عن هذا النهب فقد عملاءه وعناصر حمايته, وبالتالي سيفضي الأمر إلى انهيار كيانه. لذلك لا يستوعب أن يتجه للتنمية الاقتصادية, وهذا ما يزيد من اشتعال فتيل الغضب الجماهيري والجيش المليوني من الشباب والخريجين العاطلين عن العمل, وسيأتي يوم يجتاح فيه تسونامي الشباب الشوارعَ للمطالبة بحقوقهم ليحطم كيان ولاية الفقيه برمته.

Comments

comments

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …