عاصفة الحزم .. دوافع ونتائج

بعد رحيل الملك عبد الله بن عبد العزيز ووصول الملك سلمان إلى الحكم في 23/1/2015، كان بإمكان المراقب أن يلاحظ تغيرا في التوجهات المعلنة للسياسة السعودية إقليميا ودوليا، وإن كان جوهر تلك السياسة يستند على ذات المبادئ التي حافظت عليها المملكة لعدة عقود من الزمن، ولعل في مقدمتها ما يميزها من أناة وحكمة وتجنب ردود الفعل المتسرعة على ما يحيط بها من أحداث، وإذا ما نحينا دورها في التحالف الدولي ضد العراق عام 1991 جانبا، فإن السياسة السعودية حافظت على خط واضح المعالم وهو عدم التدخل في أي نزاع مسلح مباشر ما لم تشعر أن أمنها القومي دخل مرحلة الخطر وأن عليها أن تتصرف بسرعة لدرء ذلك الخطر قبل أن يستفحل وينتقل من مرحلة الحدس والتخمين إلى مرحلة الفعل والتنفيذ.

إلا أن من يفترض أن الآليات التي تم اعتمادها من قبل الملك سلمان هي استنساخ كامل للآليات التي كانت سائدة خلال فترة الملك عبد الله، ربما يرتكب خطأ لا يمكن تجاوزه بنفس السهولة التي تطرح بها هذه الفرضية، وربما كان عدد من المهتمين بالسياسة السعودية الخارجية يصفها بأنها تعاني من التردد النابع من خشية التورط في حروب تهدد ما تم بناؤه من صروحٍ اقتصادية وخاصة في قطاع النفط على الساحل الغربي للخليج العربي، باعتباره بناءً ضعيفا أمام أي قصف جوي أو بحري خارجي وخاصة من إيران، لأن النفط مادة شديدة الاشتعال حتى من دون حروب، وربما استغلت القوى الإقليمية والدولية هذه المخاوف المبالغ بها لممارسة مزيد من الابتزاز لكل دول الخليج العربي، بالتركيز على أن بناءها الاقتصادي يقع في متناول النيران الإيرانية، مع تركيز على أنه بناءٌ من زجاج, كما كان يحلو لكثير من المسؤولين الإيرانيين وصفه، وكان هذا هو الدافع الرئيس للمملكة العربية السعودية لنقل كثير من فعالياتها الاقتصادية وأقامت ميناء ينبع لتصدير جانب من النفط، بدلا من حصر طريق مروره في مضيق هرمز، وعندما نتحدث بهذا الشأن نضع خطا فاصلا بين المغامرة والتردد.

سلاح لا يُستخدم!

ولكن الموقف السعودي كان يثير كثيرا من التساؤلات عن جدوى صفقات السلاح التي كانت المملكة توقعها مع كثير من الدول الغربية المنتجة للسلاح وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، والتي كان كثير منها يفقد عمره الافتراضي من دون أن يشارك في معركة واحدة، حتى كانت مقولة إن المملكة كانت تشتري السلاح لغرض عرضه في المتاحف الحربية، نتيجة ظهور أجيال جديدة من الأسلحة وخاصة الطائرات، مما يجعل من وجود الطائرات القديمة أمرا مكلفا من النواحي الاقتصادية والعسكرية والسياسية، ويضعف دور الدول المالكة لهذا النوع من الأسلحة في التوازنات الإقليمية والدولية، وخلال معركة 2009 ضد الحوثيين في اليمن أظهرت القوات السعودية كفاءة محدودة في الحرب، وقدمت أعدادا من الأسرى لدى الحوثيين، ثم توقفت المواجهات بصورة مثيرة للشكوك بعد أن وصلت القوات المشتركة “الحكومية – والسعودية” إلى مشارف النصر على الحوثيين! نعم توقفت المعارك، وأضاعت القوات المشتركة فرصتها في إنهاء خروج الحوثيين على سلطة الدولة بالاستقواء بالحليف الإيراني. والآن وبعد اتضاح حقيقة التنسيق بين الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح والحوثيين، يمكن الاستدلال على أن ما كان يجري من أحداث في الساحة اليمنية لا يعدو عن كونه عملية خلط للأوراق وإثارة زوبعة من الدخان للإمساك بكرسي الحكم لأطول زمن ممكن من خلال ما أسماه الرئيس المعزول بـ”الرقص على رؤوس الأفاعي”، ربما يذهب بعض المراقبين إلى تقديم فرضية بشأن التدخل السعودي الذي جاء متأخرا كثيرا عن موعده المفروض، هذه الفرضية تقول إن الزعامة السعودية السابقة كان ترى في حزب الإصلاح “الإخوان المسلمون” خطرا مباشرا وأكثر جدية على الأمن السعودي من الحوثيين، ولهذا تجاهلت أو غضت الطرف عن الانقلاب الحوثي على الشرعية حتى بسط سيطرته على كل المدن اليمنية التي كانت تتساقط بصورة لم يجد لها المراقبون تفسيرا إلا أنها نتيجة لتواطؤ قوات الحرس الجمهوري الموالية للرئيس المعزول مع الحوثي.

ويوم 26 مارس 2015 استيقظ العالم على وقع أحداث كبرى عندما شنت طائرات التحالف العربي غارات عنيفة على المواقع العسكرية وشبكة الدفاعات الجوية ومستودعات الأسلحة والذخيرة ثم أعلنت أجواء اليمن أجواء محظورة، وفرضت حصارًا على الموانئ البحرية لمنع تدفق الأسلحة على تحالف الحوثي – صالح.

ومع أن العملية تأخرت كثيرا عن الوقت الذي كان على السعودية أن تتحرك فيه لأن إيران كانت تخطط لتطويق المملكة من كل الجهات، إلا أنها حققت الكثير من أهدافها منذ اليوم الأول للبدء بها، فقد بات تمدد المشروع الإيراني محل تساؤل حتى من قبل أكثر المتعاطفين والمتعاونين معه.

خطأ العمر الذي ارتكبه الحوثيون

لقد ارتكب الحوثيون والإيرانيون خطأ العمر، عندما أعلن أكثر من مسؤول في قيادة الحوثيين “اليوم صنعاء وغدا مكة والمدينة” وهذا سلوك غبي إلى أبعد الحدود، لكن ما أعطاه شيئا من جدية نوايا السوء المشتركة والمبيتة ضد السعودية, دخولُ مسؤولين إيرانيين على خط رفع درجة الإنذار في كثير من العواصم العربية إلى اللون الأحمر. إن مسؤولين إيرانيين كبار أعلنوا أن دولتهم صارت تتحكم بأربع عواصم عربية وهي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وبأهم المضائق البحرية في المنطقة، وهكذا نجد أن عاصفة الحزم كانت خطة دفاعية عن الأمن الوطني، ولكنها في واقع الحال أكدت على أن السعودية أعلنت في بيانها الأول عن نفسها كقوة إقليمية قادرة على التحرك عند الضرورة دفاعا عن الأمن القومي العربي المرتبط مصيريا مع الأمن الوطني لكل دولة عربية، ولا شك في أن العالم بما في ذلك الولايات المتحدة أصبح إزاء موقف سياسي سعودي حازم ومتماسك يحظى بالتفاف عربي فقده الشارع العربي من زمن طويل، وعلى هذا يمكن الافتراض بأن العالم الذي يحترم القوي والقادر على الدفاع عن مصالحه وحقوقه، ليس على استعداد للتورط في مغامرات غير محسوبة لحساب الغير أو العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم.

إن القوة الذاتية عسكريا واقتصاديا والمستكملة لشرط عدم الانقطاع، مع الإرادة السياسية، هما من يصنع القدرة الحقيقية على مواجهة التحديات التي تواجه الأمن القومي العربي أو أيا من أمن البلدان العربية مع التأكيد على وجوب وجود رؤيا واضحة ومشتركة لمفهوم الأمن القومي العربي وتحديد الأخطار الداخلية والخارجية ومصادر كل تهديد، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون للعرب مفهومهم الخاص للإرهاب وليس بالضرورة الانسياق وراء تعريفات أطراف دولية يمكن أن تلتقي مع التفسير العربي لزمن يسير ولكنها سرعان ما تترك العرب مكشوفي الظهر في مواجهة تحديات حقيقية من “إرهابات” كثير منها لا يشاركنا العالم الرأي نفسه بشأن توصيفها بالإرهاب، فالإرهاب من وجهة نظر غربية هو ذلك التهديد الذي يستهدف المصالح الغربية وحدها دون أن توضع في الحسبان المصالح العربية أو ما يتعرض له العرب في فلسطين على سبيل المثال من مخاطر جاثمة على صدره من احتلال، ولنا مثلٌ في التجربة السورية التي دخلت لعبة الأمم في عقد الصفقات السياسية، فالولايات المتحدة في واقع الحال لم تكن حريصة على وقف الانتهاكات الصارخة التي يتعرض لها الشعب السوري من جانب القوات الروسية والإيرانية والنظامية، وجهات إرهابية مثل حزب الله اللبناني والمليشيات الشيعية المستقدمة من إيران والعراق وأفغانستان وباكستان، وكلها تحظى بدعم الحكومة الإيرانية المعروفة عالميا بأنها أكثر بلد يدعم الإرهاب في العالم، ولكن أنشطة التنظيمات المرتبطة بها وبناءً على قراءة إيرانية متأنية للمشهد، وجدت أن وقف استهدافها للمصالح الغربية والأمريكية منها بشكل خاص، يعتبر الخطوة اللازمة لتوظيف رصيد الماضي المتحقق في مكاسب سياسية لإيران في ملفاتها العالقة مع العالم، أما بالنسبة لدول الشرق فإن إيران لم تتحرك فيها استنادا إلى مبدأ تمرحل التعاطي مع دول العالم وفقا للمعسكرات، ولهذا رأينا أن تأكد العالم من استخدام النظام السوري للسلاح الكيمياوي ضد المدن السورية لم تتبعه الخطوة التي هددت بها الولايات المتحدة، بل اكتفت بإخراج خزين الأسلحة الكيمياوية من سوريا، لما في هذه الخطوة من مصلحة إسرائيلية مباشرة، وكأن الولايات المتحدة تجيز القتل الجماعي بأسلحة أخرى.

إعلان التحالف الإسلامي

من المؤكد أن الثقة العالية بالنفس التي صارت المملكة العربية السعودية تستشعرها, والمكانة الخاصة التي تحتلها في ضمير كل عربي ومسلم، والالتفاف الشعبي الذي نجحت في تحقيقه باعتبارها قوة مدافعة عن الأمن القومي العربي بوجه التحدي الإيراني المتصاعد، يعدان الخطوة الأولى على طريق طويل من العمل السياسي والتحرك على كافة المحاور، وخاصة دور العلماء المسلمين في إيقاظ العرب من غفلتهم أو غفوتهم، والتأكيد على قيامهم بجولات على مختلف مناطق العالم، من أجل حشد المزيد من الدعم للتحرك العربي الجديد.

ما تشهده الساحة العربية وخاصة في سوريا هو نتاج للحلف الروسي الإيراني مع نظام بشار الأسد وحكومة التحالف الشيعي الحاكم في العراق، ومع أن العالم يقف عاجزا عن الوقوف بوجهه، إلا أن أصحاب القضية أولى بالتصدي له وإفشاله، ووقف حمامات الدم التي ترتكب كل يوم في المدن السورية بالقصف الجوي الروسي الهمجي على حد وصف أحمد داود أوغلو رئيس وزراء تركيا، والتدخل البري من جانب حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني والمليشيات الشيعية القادمة من العراق وأفغانستان وشبه القارة الهندية، والتحالف الإسلامي الذي أعلنت السعودية عن قيامه، ويضم عدة دول عربية وإسلامية، يستطيع بما يمتلكه من قدرات ذاتية من التدخل لوقف جرائم القتل والإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب السوري، والتقاط الخيط مجددا من أيدي النظام الدولي الذي يحاول توظيف الدم العربي لخدمة التفاهمات وعقد الصفقات السياسية على حساب الأمة وقضاياها المركزية.

الحديث عن تدخل بري أخذ قوة دفع بعد الدعم الاستثنائي الذي قدمه الطيران الروسي لعمليات الحركة الكردية في إدلب وحلب وحماة، حتى باتت على مقربة من الحدود التركية مما اعتبرته أنقرة تهديدا قويا للأمن القومي التركي، دفع الحكومة التركية لقصف مطار منّغ وإعزاز بالمدفعية واعتبر مسؤولون أتراك منطقة إعزاز خطا أحمر لن يسمحوا للحركة الكردية بالسيطرة عليها، ولكن المفاجئ أن دعوات وقف القصف التركي انطلقت من واشنطن وباريس وبرلين، ومن اللافت أيضا أن الحركة الكردية كانت قد حظيت بدعم أمريكي غير محدود في العمليات التي نشبت في مدينة عين العرب “كوباني” وهو ما قوبل برضا تركي صامت أو على كراهة، ولكن المحزن أن فصائل المعارضة المسلحة السورية العربية كانت ضحية لخديعة أمريكية كبيرة عندما أقنعتها بأن الوقوف مع الأكراد في معركة عين العرب سيفتح آفاقا واسعة من التعاون الأمريكي معها، ولكن بعد انتهاء المعركة لصالح الحركة الكردية اتضحت حقائق المشهد، بأن هدف الولايات المتحدة ليس الوقوف مع العرب السنة في أي مكان، بل مساعدة أعدائهم من العرب والأكراد والإيرانيين وكل الأقوام الآخرين، وكأنها تحملهم مسؤولية ما تعرضت له في سبتمبر 2001.

التدخل البري آتٍ لا محالة

مسؤولون سعوديون وأتراك أكدوا أن العملية البرية آتية لا محال لوقف المجازر التي يتعرض لها الشعب السوري وسط صمت دولي وغياب للضمير الإنساني عما يحصل في المدن السورية، وإذا كنا نعي جيدا أن البدء بعاصفة الحزم في اليمن كان ساحة الاختبار الأولى لهذا الصعود العربي اللافت، وأن اختيار اليمن على وفق أولويات الاستراتيجية السعودية بسبب حالة التماس المباشر لليمن مع الحدود السعودية، ومن أجل قياس ردود الفعل الإيرانية التي نعيها نحن العراقيين، بأن إيران أجبن من أن تدخل في مواجهة مباشرة مع العرب تكشف حقيقة قوتها الكرتونية، فإن جدول الأولويات العربي كان يستدعي التدخل في سوريا أولا خاصة عندما نراجع الأرقام الناتجة عن حرب طاحنة لخمس سنين؛ نصف الشعب السوري مهجّر، ونحو مليون قتيل، ومئات الآلاف من المعتقلين، وعشرات المدن المحاصرة بالتجويع حتى الموت، مع صلف رسمي لم تعرف البشرية له مثيلا.

من هنا نرى أن دمشق هي بوابة النصر العربي على كل خطط التوسع والهيمنة الإيرانية والروسية والأمريكية، وهي الطريق السالكة نحو بغداد.

……………..

مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية

Comments

comments

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …