عامر عبد المنعم يكتب:الشبكة السرية والهجوم على الأزهر؟!


الهجوم الذي يتعرض له الأزهر في الفترة الأخيرة تجاوز كل الحدود، ويكشف عن سوء أدب، وعدوان وتطاول غير مبرر على أكبر مؤسسة دينية في العالم الإسلامي، ويسيء إلى سمعة مصر، ويشير إلى انقلاب الموازين، وتجاوز كل معايير الاحترام للشعب المصري المسلم.

الهجوم الأخير على الأزهر جاء من مهندس البترول طارق حجي على قناة On E مع الإعلامي خالد أبو بكر، وتبادل كلاهما الحديث بأسلوب لا يليق عن المؤسسة الدينية في حوار ماكر، معد جيدا، ومقصود منه الاستهزاء والإساءة.

اتهم طارق حجي شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بأنه لا يؤمن بالدولة المدنية وعدم التجاوب مع سياسة الدولة في تجديد الخطاب الديني، وادعى أن المؤسسة تغولت بعيدا عن رؤية الدولة وأصبحت جزءا من المشكلة وفي حاجة شديدة إلى التغيير!

طالب طارق حجي بوقف تمويل الدولة للأزهر، وزعم أن مصر ليست دولة إسلامية وإنما دولة عصرية بها أغلبية مسلمة! وبمنطق ساذج قال إن المؤسسة الإسلامية أشد خطرا لأنها صاحبة نفوذ أكبر وتخاطب ملايين المصريين كل جمعة من خلال 180 ألف مسجد.

احتواء الإسلام
ورد اسم طارق حجي في تقرير مؤسسة راند الأمريكية عام 2007 بعنوان “بناء شبكات الاعتدال الإسلامي” بوصفه واحدا من مجموعة من العلمانيين والليبراليين والحداثيين الذين يمثلون النواة للشبكات السرية التي ستقود عملية تغيير الإسلام من داخله!

دعت مؤسسة راند التي تعتمد عليها وزارة الدفاع والحكومة الأمريكية في رسم سياساتها في الشرق الأوسط للاستفادة من الخبرة التي اكتسبتها الولايات المتحدة من الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي، لاحتواء الإسلام، ولم تفرق بين الشيوعية كأيديولوجيا والإسلام كدين.

ملخص التقرير أن التصور الأمريكي عن تقسيم المسلمين إلى معتدلين ومتطرفين ثبت أنه مضلل، وأن كل التيار الإسلامي متطرف، ينبغي مواجهته بشبكات أطلق عليها “شبكات المسلمين المعتدلين” وهم الذين يؤمنون بالمعايير العالمية وحقوق الانسان الدولية والمساواة بين الجنسين وحرية العقيدة ويرفضون الشريعة الإسلامية.

وضع التقرير معايير للاعتدال بالمفهوم الأمريكي، تنطبق فقط على الذين يطعنون في الإسلام، ويشككون في القرآن والسنة، ورصد التمويل اللازم لبناء شبكة عالمية، مع تحقيق السرية للحفاظ على الأعضاء، واستدعاء تجربة المخابرات الأمريكية مع التنظيمات التي تم تجنيدها في الحرب الباردة.

حذر التقرير من خطورة المؤسسات الإسلامية في الشرق الأوسط وأهمها الأزهر في معركة الأفكار، وأشار إلى أن تأثيرها القوي يجعلها تصدر الأفكار لكل العالم، ودعا إلى العمل على تغيير اتجاه الأفكار من الأطراف إلى قلب الشرق الأوسط من خلال طرق عدة منها تغيير فرض الأفكار الحداثية على التعليم الديني.

حذر التقرير من دور المساجد في التأثير وأشار إلى أن حجر الأساس لتدشين “الشبكات المعتدلة” يتكون من أساتذة الجامعات العلمانيين والليبراليين الذين يؤثرون في قطاعات واسعة من الطلاب، ومعهم رجال الدين الشبان وفقا للمعايير، وناشطو المجتمع والمجموعات النسائية والصحفيون والكتاب والمحاورو التلفزيونيون.

اليمين المتطرف
لقد انتقلت الرؤية العدائية من مواجهة التيارات الجهادية إلى التيارات المتشددة ثم المتطرفة ثم انتهت بالتصدي للتيار الإسلامي العام، ووجدت تأييدا ودعما مع وصول الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، حيث بدأت السياسة الأمريكية تتبنى أفكار اليمين المتطرف الذي يتعامل بعدوانية مع الإسلام، خاصة مع التغيرات السياسية بالمنطقة ووجود قيادات تابعة تنفذ الأجندة الجديدة ولا تحترم العقائد والثوابت.

يتحدثون عن معركة الأفكار والعقول وهم أبعد ما يكونوا عن المنطق والتفكير السليم، فالمسلمون لديهم عقيدة راسخة لا يهزها جهال لا يجيدون الحديث باللغة العربية، كما أن حملات المشككين في القرآن والسنة ليست جديدة، وسبق أن فشلت كل محاولات الطعن في الإسلام عبر التاريخ.

إن الدين الإسلامي مكتمل، والقرآن ليس أفكارا يمكن تغييرها، والسنة النبوية ليست وجهات نظر نختلف حولها، كما أن محاولات تقديم تفسيرات جديدة واجتهادات لا يكون من شخصيات معادية أو كارهة أو من شبكات تديرها أصابع خارجية.

لكن هذه الخطط التي تسوي بين الإسلام والشيوعية وتفتعل معركة ضد الدين تثير الفتن داخل مجتمعاتنا، وتهدد السلم الأهلي، وتشيع موجة من الكراهية في كل أنحاء العالم ضد منفذيها والمخططين لها، ولا يغريهم تبني بعض القادة في دوائر الحكم لها فإن هذا المكر سيرتد على أصحابه.

من الجنون استدعاء الأفكار القديمة التي فشلت الحملات الصليبية والحروب الاستباقية في تحقيقها؛ فالأزهر الذي يريدون هدمه وتفكيكه هو الذي يقدم الإسلام الصحيح منذ ألف عام، وهو رمز التسامح الذي يدعو إلى الحوار بين أتباع الأديان.

لكن بقدر إدانتنا لاستمرار التطاول على الأزهر من دوائر مشبوهة تحركها الأحقاد والتعصب ضد الإسلام فإننا نستغرب صمت الحكماء والعقلاء الذين يرون ما يحاك ضد الصرح الإسلامي ويلتزمون الصمت والتجاهل وكأن الأمر لا يعنيهم.

إن احترام الأزهر احترام لمصر، والإساءة للأزهر إساءة لمصر، لذا لم يعد مقبولا استمرار هذه الاساءات التي تتخفى خلف شعارات كاذبة حول تجديد الخطاب الديني، من أشخاص مدفوعين لاختلاق صراعات حول الدين في بلد مستقر لا توجد به خلافات مذهبية.


Comments

comments

شاهد أيضاً

جون ألترمان يكتب : لماذا على السيسي الحذر والخوف من انزلاقه في مستنقع الصراع الليبي؟

يُشاع في أوساط التدريبات الشرطية أنّك لا يجب أن تسحب مسدسك إلا حين تكون جاهزاً …