عام 2019 .. عام احتجاج الطبقة العاملة المصرية علي رفع اسعار المواصلات


في نوفمبر الماضي 2019 ، يكون قد مر عام على بدء التظاهرات المناهضة لفرض ضرائب جديدة على الوقود في فرنسا، والمعروفة بمظاهرات السترات الصفراء، وخلال عام من بدء تلك الأحداث شهدت مناطق متفرقة في العالم احتجاجات عدة يجمعها شيء واحد: مطالبات الطبقات العاملة بخفض تكاليف المواصلات.

 

واظهر بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن عام 2017 -2018 ارتفاع معدل الفقر إلى 32.5% مقابل 27.8% في 2015.

 

خلال 2019 ثار المواطنون في تشيلي بسبب رفع أسعار تذاكر المترو، وعاشت الإكوادور أوقاتًا عصيبة بسبب برنامج إعادة هيكلة دعم الوقود، واشتعلت إيران بعد رفع أسعار البنزين.

 

وباستثناء احتجاجات محدودة النطاق في سبتمبر في مصر، إلا أن بيانات الفقر[i] المعلنة هذا العام تخبرنا عن ظروف قاسية عاشتها الطبقات الأكثر هشاشة بسبب برنامج للإصلاح الاقتصادي، كان تحرير أسعار الوقود أحد أهم ركائزه.

 

بين العالم المتقدم والعالم النامي يتم رفع أسعار خدمات النقل تحت دعاوى مختلفة، لكن السبب الحقيقي الذي يدفع السلطات لاتخاذ هذه الإجراءات المؤلمة هو الرغبة في الحد من عجز المالية العامة على حساب الطبقات الأقل دخلًا.

 

ماذا حدث في فرنسا؟

 

في 2014 تم تشريع ضريبة على الكربون ضمن ضريبة الاستهلاك المحلي في فرنسا، كان الهدف منها هو تشجيع الناس على تقليل استهلاكهم للمنتجات الملوثة للبيئة، وتوفير الموارد المالية لدعم وسائل النقل الخضراء، وبدأت الضريبة بـ 7 يورو على كل طن من الكربون، واستهدفت الوصول تدريجيا إلى 100 يورو للطن في 2030.

 

واتسقت هذه الضريبة مع توجهات الرئيس إيمانويل ماكرون الذي طالما عبر عن اهتمامه بقضايا المناخ، لكن محاولاته لرفع الضريبة إلى 44.60 يورو للطن اصطدمت بغضب جماهيري واسع. فشرائح واسعة من الطبقة العاملة لم تعد قادرة على تحمل زيادة تكاليف الانتقالات.

 

يبدو للوهلة الأولى أن مطالب المتظاهرين غير عادلة، فتحمل بعض الزيادة في أسعار الوقود مقابل الحفاظ على صحة هذا الكوكب شر لابد منه. لكن الواقع أن 20% فقط من عائدات ضريبة الكربون كان مخططًا أن تذهب لدعم الطاقة النظيفة أي أن التحول للطاقة الخضراء مثّل هدفًا ضئيلًا من مجمل أهداف هذه الضريبة.

 

وفي الوقت نفسه فإن ماكرون، المعروف بميله لعالم الأعمال، اتجه في بداية عهده صوب تطبيق حزمة من الضرائب كان الهدف الأكبر منها تخفيف الأعباء عن الفئات الأكثر ثراء والأعلى دخلًا. ومن أبرز هذه الإجراءات استبدال ضريبة الثروة، التي كانت تعد أحد أهم أدوات العدالة الاجتماعية في البلاد، بضريبة موحدة نسبتها 30% على الدخول والأرباح من الاستثمارات المالية.

 

عندما نضع هذه الحقائق بجوار بعضها نستطيع أن نفهم لماذا احتج أصحاب السترات الصفراء على زيادة أسعار الوقود، ولماذا توسعت احتجاجاتهم لتصبح اعتراضًا على سياسات ماكرون في مجملها، والذي أصبح يلقب برئيس الأثرياء.

 

مبررات أخرى لزيادة أسعار الوقود

 

ننتقل إلى عالمنا النامي، حيث اندلعت التظاهرات في شيلي أكتوبر الماضي احتجاجًا على زيادة في رسوم مترو سانتيجو بنسبة 3.75%.

 

لم يكن الاعتراض على هذه الزيادة البسيطة نوعًا من التدلل من الشعب الشيلي، فقد بدأت الاحتجاجات عنيفة وضارية مما اضطر رئيس البلاد للتراجع عن قراراته وإعلان حالة الطوارئ. فما السر وراء كل هذا الغضب ؟

 

سيبدو هذا الغضب منطقيًا إذا عرفنا أن الأسر الأقل دخلًا تنفق 28% من متوسط دخلها على التنقل، كما أن المترو شهد زيادة في رسومه بحوالي 100% خلال 12 عامًا.

 

في نفس الشهر، أعلنت الإكوادور عن تطبيق حزمة من الإجراءات الإصلاحية للسيطرة على نفقات الدعم، ساهمت في زيادة أسعار الوقود بمعدلات تتراوح بين 25 – 120%. ولم تكفي الوعود بإجراءات بديلة، مثل زيادة الفئات المتلقية للدعم النقدي، في كبح غضب المواطنين، مما قاد إلى احتجاجات واسعة أجبرت الدولة على عقد اتفاق مع المحتجين يقضي إلى إنهاء حزمة إجراءات رفع الدعم.

 

الحديث عن الدعم النقدي كبديل لتعويض المواطنين عن زيادة أسعار الوقود يقودنا إلى التجربة الإيرانية، والتي بدأت في تحرير أسعار الطاقة في 2010 مع تطبيق المساعدات النقدية والتي كانت غير مشروطة بمستوى الدخل (أصبحت متاحة لـ 90% من المواطنين).

 

لكن النظام الإيراني الذي كان يشار إليه كنموذج ناجح للتحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي لم يستطع الحفاظ على توازنه في نوفمبر الماضي عندما أعلن عن زيادة أسعار الوقود واصطدم بغضب واسع من المواطنين.

 

وبعد ثلاثة أيام من الاحتجاج تحدثت السلطة عن تعويضات مالية جديدة ستُقدم لأكثر من 70% من السكان مقابل زيادة تكلفة الطاقة، لكن البلاد ظلت تضج بالاحتجاج

 

ما يمكن استخلاصه من الحكايات السابقة

 

هناك عدة عوامل تدفع الحكومات لزيادة تكاليف النقل على الطبقات العاملة. هذه العوامل تتعلق بالتكلفة البيئية لوسائل النقل المعتادة، والتي لم تعد البلدان المتقدمة قادرة على تحملها، وفي نفس الوقت لا توفر وسائل نقل خضراء بسعر تستطيع الطبقات الدنيا تحمله، أو تتعلق بالتكلفة المالية للوقود البترولي والذي لم تعد الدولة النامية قادرة على دعمه في ظل زيادة السكان وارتفاع أسعار الطاقة العالمية.

 

لكن هناك قاسم مشترك بين الأزمة الجارية في العالمين، وهو عدم الرغبة، أو القدرة، من صناع القرار على تطبيق سياسات عادلة في مجالات مثل الضرائب لإصلاح قطاع النقل بأقل كلفة ممكن على العمال، وهو ما أفقد تلك السلطات قدرتها على إقناع الطبقات الدنيا على الاقتطاع من دخولها الحقيقية عبر زيادة تكاليف النقل.

 

هل يعاني العاملون في مصر من عمليات مشابهة من الاقتطاع من الدخول الحقيقية ؟

تتبنى مصر منذ العام المالي 2014-2015 سياسة للتحرير التدريجي لأسعار المواد البترولية والكهرباء، وقد زاد سعر السولار -الوقود الأساسي للنقل الرخيص (الميكروباص)- خلال تطبيق هذه الإجراءات التحررية، من 2014 إلى 2019، بأكثر من 500%.

 

جاء ذلك في الوقت الذي حدّ فيه قانون جديد للخدمة المدنية من فرص نمو أجور العاملين بالحكومة، واضطرت الدولة لتطبيق أكثر من علاوة استثنائية لتعويض هؤلاء العاملين جزئيًا عن الضغوط التضخمية.

 

وأمام فرص النمو المحدودة للأجور، كان لتحرير أسعار الطاقة صدى واضحًا في تكاليف النقل العام، فالحد الأدنى لتذاكر الحافلات داخل القاهرة وصل إلى 4 جنيهات بعد أن كانت أسعار التذاكر تتراوح بين جنيه واثنين في بداية برنامج تحرير الوقود.[

 

 

 

المصدر: حسابات الباحث من بيانات الحساب الختامي[xvi].

 

ومنحت زيادة أسعار الوقود الأخيرة الفرصة لهيئة النقل العام بالقاهرة لجعل خدماتها أقرب للخدمات التجارية، بل وزادت تكلفتها عن أسعار الخدمات الخاصة المنافسة (الميكروباص) مما تسبب في عزوف المواطنين عنها، الأمر الذي دفع الهيئة لإعادة النظر مؤخرًا في طريقة تسعير خدماتها.

 

ولا يختلف الأمر كثيرًا في حالة مترو الأنفاق، الذي ظلت رسوم جميع خطوطه ثابتة لفترة طويلة عند جنيه واحد، ثم زادت تدريجيا مع عملية التحرير التدريجي لأسعار الكهرباء لتصل إلى 2 جنيه في 2017، ثم إلى سبعة جنيهات (كسعر لأطول رحلة) في 2018.

 

وبالرغم من أن تفاصيل الإنفاق على المترو ليست متاحة بنفس القدر من الوضوح مثل هيئة النقل العام، لكن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية استنتجت أنه لم تكن هناك حاجة ملحة لزيادة الأسعار حيث لا تحقق عمليات التشغيل خسائر ضخمة تستدعي ذلك، واعتبرت أن الإجراء الأخير كان عملية خصخصة مستترة للخدمة.

 

كيف أثرت هذه الإجراءات على حياة المواطنين؟

 

على عكس شيلي تخبرنا بيانات جهاز التعبئة والإحصاء المصري أن نفقات النقل أقل عبئًا على الفقراء. فنصيب الإنفاق على النقل من إجمالي نفقات الفرد في أقل شريحة للدخل في بيانات 2017 -2018 يصل إلى 4.4%، بينما تصل هذه النسبة لدى أعلى شريحة دخل إلى 8.5%.

 

لكن إذا نظرنا لمتوسط نصيب الفرد من الإنفاق الكلي في الشريحة العليا من الدخل سنجد أنه نحو32 ألف جنيه في السنة، أي ما يعادل نحو 2,600 جنيه في الشهر.

 

هذا الإنفاق لا ينطبق طبعًا على الأثرياء، ولكن هو أقرب لنمط حياة الطبقة الوسطى.

 

وإذا نظرنا لتوزيع الإنفاق حسب التقسيم الجغرافي، سنجد أن متوسط الإنفاق على النقل في المدينة لدى الشريحة العليا من الدخل يصل إلى 8.8%

 

تعكس هذه البيانات أن الأفراد الذين يكافحون لتحقيق دخل يؤهلهم بالكاد للعيش في مستوى الطبقة المتوسطة، والذين يعيشون نمط الحياة المديني حيث يكون العمل بعيد عن المنزل في كثير من الأحيان، يوجهون ما يقرب من عشر دخلهم في التنقل، وهي نسبة لا يستهان بها، وتجعل أي زيادة في تكاليف النقل مؤثرة بشكل مباشر على المبلغ الصافي الذي يجنيه هؤلاء الأفراد من العمل.

 

أما عن المنتمين للأسر متدنية الدخل، والتي يصل متوسط استهلاكها الفعلي إلى نحو 2,700 جنيه في الشهر للأسرة، فإن بيانات البحث تُظهر أن عبء الانتقالات عليها يبدو أقل وطأة، ولا تقدم لنا البيانات تفسيرًا لذلك. وعلى الأرجح، فإن تلك الفئات تعاني من بطالة قوية، أو فضلت العمل في وظائف قريبة من مسكنها برواتب أقل.

 

ما العمل؟

 

توفر لنا التجارب الدولية في مجال التعاطي مع احتجاجات المواطنين على زيادة تكاليف النقل خبرات قد تكون مفيدة في الحالة المصرية.

 

لم يواجه ماكرون مظاهرات السترات الصفراء بالقمع المفرط، ولكنه قدم أيضًا العديد من الإجراءات التي ساهمت في تخفيض حالة الاحتقان، ولكن لم تنهها تمامًا. فلا يزال مشروع ماكرون الاجتماعي في مجمله محل نقد من الكثيرين.

 

بعد التظاهرات مباشرة، في ديسمبر 2018، طرح ماكرون زيادة الحد الأدنى لأجور العمالة وتقديم إعفاءات ضريبية موجهة للطبقة العاملة خاصة من الفئات الأقل دخلًا.

 

ولم تكتفي فرنسا بقرارات ديسمبر 2018، وإنما توسعت في التخفيضات الضريبية للشرائح الأدنى من الدخل في موازنة العام المقبل، بالرغم من أن مستوى الديون يقترب من 100% من الناتج الإجمالي

 

ومن الاقتراحات التي يقدمها الخبراء لتخفيف الاحتقان في تشيلي هو الإنفاق بشكل أكبر على النقل العام لجذب الناس للاعتماد على المواصلات العامة.

 

أما في مصر فقد تركت الدولة العديد من خطوط السير لسيطرة وسائل النقل الخاصة منخفضة الجودة، وعندما طورت أساطيلها من حافلات النقل العام، قدمت بعض خدماتها بأسعار تفوق السعر التجاري للحد من الخسارة. ولكن إذا أردنا تغيير مسار سياسات النقل العام والنظر إليها من منظور أوسع فيجب على الدولة دعمها وتطويرها على أنها وسائل دعم مباشرة وأساسية للمواطنين خاصة من الطبقات العاملة، بالإضافة إلى كونها محفزًا على تقليل استخدام السيارات ومن ثم الحد من استهلاك الوقود الضار للبيئة والذي نستورد العديد من منتجاته وننفق عليه أرصدة ضخمة من العملة الصعبة.

 

 


Comments

comments

شاهد أيضاً

فوربس: المغني “كانييه ويست” يسعى لسحب الأصوات من “بايدن” لصالح “ترامب

ألمح موقع “فوربس” إن مغني الراب الأمريكي، كاني وست، الذي أعلن الشهر الماضي نيته خوض …