عبدالرحمن يوسف يكتب : الوفد المصري في واشنطن.. القصة من بدايتها إلى نهايتها المفتوحة!


أحدثت لقاءات الوفد السياسي المصري في واشنطن قدراً كبيراً من الالتباس، وصاحَبَها كثير من التوصيفات والأقاويل التي لم تكن في محلها؛ نظراً لغياب طبيعة السياق وفهم الخلفيات، الأمر الذي يستدعي تحريراً للمسألة واستدعاء خلفيات تأسيسية مر عليها قرابة العام.

بداية القصة

لا تنفصل زيارة الوفد المصري إلى واشنطن، الأسبوع الماضي، عن واقعة اعتقال المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية جاسر عبد الرازق قبل نحو عام، وصدام الأجهزة الأمنية مع المبادرة والصحفي حسام بهجت من جهة، والنظام المصري من جهة أخرى. منذ ذلك بدأت القصة.

أتت زيارة الوفد المصري في بدايتها تحت لافتة مبادرة مجموعة الحوار الدولي التي أطلقها النائب السابق بالبرلمان المصري محمد أنور السادات، والتي أتت عقب لعب الأخير دور الوساطة بين الأجهزة الأمنية المصرية من جهة و”المبادرة المصرية” من جهة أخرى.

أثبت الرجل لجميع الأطراف قدرته أن يكون وسيطاً محترفاً ينقل الرسائل ويحرر الأمور سياسياً بين الفرقاء المصريين والمراقبين الأوروبيين أصحاب العلاقات الوطيدة مع المبادرة المصرية ومديرها المعتقل، وكذلك الدولة المصرية، التي هي بدورها طرف لا يستهان به في الإقليم.

رئيس الوفد المصري
النائب المصري السابق محمد السادات

تلقّف السادات كسياسي ذكي ومخضرم التغيّرات الأمريكية بحكم خبرته الطويلة، وفهم أنه قد يكون له دور رئيسي في المشهد السياسي، لا يقف فيه على يمين النظام، ولا يستفزه بالظهور في صورة المناوئ ويكسب ثقة الناقمين على النظام. فكانت مبادرته للإفراج عن المعتقلين السياسيين، التي وُضعت بها أسماء تطمئن النظام، ويحصل بها على نوع من الثقة أو الإجماع على حسن نواياه في ملف حساس كملف المعتقلين.

الأسماء التي احتاجها السادات لن تطغى على نجمه، هو يعرف جيداً أن السياسة تم تجريفها، وأن الكثيرين احترقوا أو حُرقوا، لا سياسة ولا سياسيين في مصر منذ بضع سنوات.

وافق النظام أو ارتضى بعد التحركات الدولية الصاخبة، رفضاً لمداهمة مقر “المبادرة المصرية” واعتقال مديرها.

أنفذ حسام بهجت وعده “ما جرى مع جاسر لن يمر”، ولم يمر.

السير على الأحبال

استطاع السادات بالسير على الحبال أن يساهم في عودة البعض من الخارج لزيارة الأهل، أو إخراج من اعتقل عند العودة كجمال الجمل وأسماء أخرى مشهورة، لكنه استطاع أيضاً أن يحرك مياه راكدة بفعل قراءته الصحيحة للمشهد، وخرج أشخاص آخرون غير مشهورين، وتمت حلحلة المشهد بشكل بسيط، واكتسب السادات ثقة عديد من الأطراف مجدداً.

السادات ليس ساحراً، لكن النظام يحتاج الآن إلى مثل هذا الصوت. فإدارة جو بايدن جادة في عدم إبقاء الوضع على ما هو عليه، يصرخون بصوت مكتوم، نحن لسنا ترامب، نحن مختلفون.

التقدميون في الإدارة الأمريكية وفي الكونغرس لديهم مواقف حقيقية وجذرية في مسألة حقوق الإنسان، لذا يضغطون على الكلاسيكيين في الحزب.

إذن السادات قد يُفيد النظام في مأزقه عبر تحركاته دون إظهار تنازل بشكل مباشر، والسادات يحتاج إلى متنفس.

“افتح لك داخل الجحيم نافذة” حكمة منسوبة للغزالي المتقدم، عمل بها السادات وهو ربما لا يعرفها نظرياً.

احتاج الأمريكيون إلى مصر أثناء معركة “سيف القدس”، التي تلت الاعتداءات الصهيونية على حي الشيخ جراح والمسجد الأقصى. ظنّ النظام أنه فاز، وعبّر السيسي عن ابتهاجه بمحادثة بايدن، لكن هذا لا يعني أن القصة انتهت، إظهار الجدية يلزمه قرار عملي.

اتُّخذ القرار في أروقة السياسة الأمريكية باقتطاع جزء من الـ300 مليون دولار المربوطة بتحسين أوضاع حقوق الإنسان، لا سيما في ملف المعتقلين والبنية التشريعية الخاصة بحقوق الإنسان، وعدم ملاحقة النشطاء والمؤسسات.

لم تتجاوز هذه الإدارة عن شرط حقوق الإنسان كلية، حجبت الإدارة الأمريكية 130 مليون دولار منهم، تاركةً الباب مشرعاً لتسليمهم مرة أخرى حال أثبت النظام المصري جديته في تحسين الأوضاع. هذه الجدية ليست شيئاً غامضاً بالكلية، فإغلاق القضية 173 والإفراج عن 16 معتقلاً محددين في مقدمة الشروط.

بقية الشروط لا أداة قياس واضحة جداً بشأنها، لذلك غضبت منظمات حقوقية مطالبة بالمزيد من الضغط.

استوعب النظام الدرس، واستعدّ لمبادرة واستراتيجية وطنية لحقوق الإنسان، فالعناد ليس مفيداً، خاصة أن زيارة عباس كامل، في يونيو/حزيران الماضي، تركت أثراً سلبياً لدى الأمريكيين.

لكن النظام يريد أن يرسل رسائله بشكل غير رسمي، كرامة النظام مجروحة. هنا جاء الاحتياج للسادات مرة ثانية.

يأتي السادات في زيارة سنوية إلى واشنطن، في أكتوبر/تشرين الأول على الأغلب، بدعوة من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى كزائر، أو زميل زائر، حسبما فهمت منه حين قابلته أول مرة في مكتبه بالمعهد عام 2019.

السادات إذن كان على وشك زيارته السنوية لأمريكا، في خضم تلك الأحداث المتسارعة، فلماذا لا يسافر معه أعضاء مجموعته ورئيسة المجلس القومي لحقوق الإنسان؟!

كانت فرصة جيدة للنظام ليردّ بشكل غير رسمي، ويرسل من يمثله بطريقة غير رسمية، ويجري لقاءات، ويُعد لها شخصاً ليس محسوباً عليه، ومعه أعضاء هم أبناء النظام وأحباؤه.

شبح النظام المصري 

من خلال متابعتي للقاءات السادات ومعرفتي بأسماء مراكز الدراسات التي التقى فيها ببعض الباحثين والكتاب الأمريكيين بالشأن المصري، يمكن القول إن السادات هو من أعدّ لكل هذه اللقاءات، لا أعتقد أن السفارة المصرية ساهمت في مخاطبة أي منها، جميعهم لهم معرفة مسبقة وقوية بالسادات.

حتى لقاؤه والسفيرة السابقة مشيرة خطاب مع مصريين في واشنطن -كنت واحداً منهم- تم بدعوة من السيد رامي حافظ، منسق ومؤسس المنتدى المصري الموازي في واشنطن، وأعد للقاء بحكم معرفته السابقة والممتدة لسنوات بالسادات.

النظام المصري كان حاضراً كشبح يخيم على المقابلات وفي مراجعات أمنية للتحركات، لكن السادات هو من ينسق كل شيء عملياً.

تضاعف إحساسي بهذا الدور حينما قرأت اسم السيدة “يائيل لمبرت”، مساعدة وزير الخارجية الأمريكي بالوكالة لشؤون الشرق الأدنى، التي التقت السادات ومشيرة خطاب، يوم الخميس الماضي. عملت السيدة لمبرت دبلوماسيةً سابقة في مصر، وتعرف مصر جيداً، وهي على علاقة جيدة وقوية وممتدة بالسادات.

لا أعتقد أن اختيارها للمقابلة جاء جزافاً أو بحكم المنصب أو اللقب الذي تحمله. العلاقات الشخصية حاضرة هنا أيضاً نوعاً ما، السادات يعرف أهل واشنطن جيداً، ويعرف كيف يتحدث معهم.

زيارة رسمية وغير رسمية 

الزيارة كانت غير رسمية، لكنها ضمنياً رسمية، كيف نعرف هذا ونفهمه؟

نفهم ذلك من حالة الضبابية التي لحقت بصفات الحاضرين، وإعلان أسماء المجلس القومي لحقوق الإنسان وأعضاء الوفد، خلال تواجدهم في واشنطن وليس قبل ذلك.

في الأيام الأولى كانوا متحدثين كأشخاص عاديين، لكن حينما التقوا السيدة لمبرت كانوا يحملون صفات رسمية، أرى أن الأمر مقصود، وأنه لا عشوائية في تلك التحركات ولا في ترك الغموض يلف توصيف زيارة الوفد أو طبيعة تحركاته.

ونعرفه بالنظر لأحاديث السيدة مشيرة خطاب، والسيد أنور السادات لنا نحن المصريين، فضلاً عما نمى إلى علمي من لقاءاتهم المتعددة مع الخبراء الأمريكيين، ومعهم أعضاء الوفد، فيمكن قراءة أجندتهم في ثلاث نقاط:

الأولى: لا ضغوط على النظام

تكررت كثيراً هذه الجملة في الأحاديث الجانبية، “النظام لديه أوراق كثيرة يمكن التفاوض بها وتحسين أوضاع حقوق الإنسان والاستراتيجية الوطنية التي أُطلقت هي نابعة من شعور النظام بالاستقرار وتناقص مصادر الخطر والمخاوف التي كانت معطلة لإجراءات كهذه”.

سردية منضبطة كانت تعزف بشكل متناغم بين الحضور، النظام الجريح يرغب في استعادة الـ130 مليون دولار، المبلغ ليس كبيراً، لكن بدا كعقاب ورسالة تحذير جادة. والإدارة الأمريكية ليست على قلب رجل واحد في طريقة التعامل مع الحليف الأهم في الجوار الإسرائيلي. والعلاقات الأمريكية المصرية هي علاقات عسكرية- أمنية بالأساس، نعم هذا كله صحيح.

لكن لا مانع من إعادة ترتيب الأوراق، وبايدن ليس ترامب، وعليكم أن تأخذوا أحاديثنا بجدية. لسان حال الأمريكيين ينطق.

الأمريكيون قالوا شيئاً آخر بلسان الحال، لن تدع مصر لقمة الديمقراطية المزمع عقدها في ديسمبر/كانون الأول المقبل، الدعوة لإسرائيل والعراق فقط من الشرق الأوسط حتى الآن، هكذا سرّب أحد الأمريكيين في أحد اللقاءات.

“مصر ليست ديمقراطية”، عملياً تقول الإدارة الأمريكية.

النقطة الثانية: نرجو إعادة بناء الثقة

تكررت كثيراً تلك النقطة، مع الاعتراف بأن هناك أزمة ثقة كبيرة بين النظام المصري والإدارة الأمريكية.

الكل يسأل لماذا الآن هذا التحرك؟ الكل مُتشكك في نوايا النظام، أحكام الإعدام السياسية لم تتوقف.

وقضايا كبيرة لم يُعد النظر فيها، الحبس الاحتياطي به قدر ضئيل من التحسن، لكنه لم يُغلق ملفه، ولم يعدل قانونه بشكل جذري، ظإعادة تدوير المعتقلين في قضايا جديدة مازالت شبحاً يخيم على الجميع، كيف نصدق ولماذا؟

كان هذا لسان حال الكثيرين، مصريين وأمريكيين، الرد كان مطالبة بالتمسك بخريطة الأمل، والوعد بالإصلاح، واستقبال الاستراتيجية الوطنية كمبادرة جادة، الجميع يرد: لسان الحال أبلغ من لسان المقال.

النقطة الثالثة: الاعتراف بالمشاكل والإقرار بها

بدا المشهد وكأننا سنستعيد عصر مبارك، لكن برأيي رجالات النظام الحالي يرغبون في حالة تماس مع استراتيجية مبارك في الاحتواء، لا يرغبون في حالة تماهٍ على طريقة جمال مبارك ورجاله تحديداُ، هذا خطر عليهم، هكذا يشعرون.

اعتراف الوفد بوجود مشكلات، وأن ثمة أموراً تحتاج إلى تغيير لم يكن نابعاً من مواقف أخلاقية أو مبدئية نحو المسألة الحقوقية، الأمر بدا كمقدمات لجذب الانتباه ومنح الثقة.

السادات وخطاب أكّدا للمصريين أن جميع الأصوات مرحب بها للحديث. أرسلوا لنا النقاط التي ذكرتموها، وللأمريكيين قيل ثمة تحسينات في الأفق، نريد أن نتحدث سوياً، هكذا يلح الوفد المصري. 

في الأفق تبدو تغيرات، لكن إدمان النظام للعبة شراء الوقت جعل مصداقية الصورة ناقصة، كثيرون يظنون أنها لن تكتمل، ليس كل الظن إثم.

أين الإسلاميون؟

في حديث سابق أجريته عبر الهاتف من الولايات المتحدة في يوليو/تموز الماضي، وكان مسجلاً، أخبرني السادات أن الحديث عن المعتقلين الإسلاميين ليس عملياً الآن، الرجل تحدّث ببراغماتية سياسية عن الممكن والمتاح والمسموح.

لا ينكر الرجل حق الجميع في البحث عن الخروج من السجون، لكنه يعلم حدود المسموح له.

برأيي النظام لا يثق في السادات، وإنما يريد أن يستخدمه، والجميع رأى ما جرى من حذف حوار مدى مصر، الأدلة واضحة.

بطبيعة الحال الإسلاميون وجماعة الإخوان المسلمين تحديداً ليس لهم أصدقاء في واشنطن، وربما في أي منطقة أخرى مؤثرة في العالم.

طريقة وفاة محمد مرسي وردود الأفعال حيالها خير دليل، السادات يتحرك في حدود الممكن، والنظام يأخذ مسألة الإسلاميين، وفي القلب منها الإخوان المسلمون بشكل شخصي، لا مساحة للمناورة هنا لا للسادات أو لغيره، الإسلاميون خط أحمر للنظام.

ربما تستفيد قواعدهم البسيطة في السجون من حلحلة الأمر، لكن قيادات الإخوان المسلمين وأحكام الإعدام بشأنهم هي ملف على طاولة السيسي وحده. أدعي أن السيسي وافق بالكاد وعلى مضض على استراتيجية حقوق الإنسان نفسها.

المجلس القومي لحقوق الإنسان؟

خطوة كانت ضرورية للنظام، واختيار مشيرة خطاب رئيسة للمجلس ربما يأتي كتعويض عن خسارتها لمنصب اليونسكو، فضلاً عن كونها سيدة دبلوماسية، وهي ابنة النظام. وبرأيي تعيين النظام للسادات في المجلس القومي لحقوق الإنسان هو احتواء له وتحجيم لدوره المستقل، ليس الأمر مكافأة، هو مجرد عضو مع أعضاء آخرين، لا ميزة نسبية تميزه عن الآخرين هنا، السادات يجب أن يعرف حجمه، يقول لسان حال النظام.

هل نجحت الزيارة أم أخفقت؟

برأيي الزيارة لم تنجح ولم تخفق، لم يكن هناك هدف إجرائي محدد وواضح لها، الزيارة كانت للحديث، والحديث فقط، جسّ نبض، أو كما نقول في مصر “رمي بياض”. 

لم تكن هناك مطالب علنية، والرسائل كانت مبطنة، وأرسلت للباحثين والمختصين أكثر من السياسيين المخضرمين، النظام يحتاج من يكتب عنه بشكل جيد، غسيل السمعة يجري على قدم وساق، لم يكن هناك سعي أو استرضاء لأعضاء الكونغرس، لذا الكثير من الشائعات تناثرت حول الزيارة.

مازالت نهاية القصة مفتوحة، فالجميع في حاجة للجميع الآن، ولم تنته أمريكا من إعادة ترتيب أوراقها، ومازال النظام يتحسس خطواته في مسار لم يكن ليسير فيه إذا ظل ترامب في البيت الأبيض.

حقوق الإنسان ليست هي الهدف دائماً.

فالشعوب في ذيل اهتمامات الحكام، والمصالح أقوى منها، لكنها دائماً عنوان شيق للبدايات غير المتوقعة، والنهايات المفتوحة.


Comments

comments

شاهد أيضاً

نشطاء: حديث السيسي حول بطاقة تموين باسمه “فنكوش” وتمهيد لإلغاء الدعم

تفاعل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي مع تصريحات عبدالفتاح السيسي، حول بطاقة تموين باسمه في منيا، …