عبدالواسع الفاتكي يكتب: اليمن وطريق النصر الشائك

أدرك المخلوع علي عبد الله صالح ، أنه ليس بمقدوره القضاء على ثورة  11 فبراير 2011م ، ومشروعها الوطني، عبر العمل السياسي، فلجأ ومراكز قواه لوسائل أخرى، تخلق بؤر صراع للسلطة الانتقالية؛ تعيقها عن أداء مهامها، وذات تأثير مباشر على مختلف الأصعدة.  فعلى الصعيد الأمني، أوعز-  بُعيد انتخاب عبدربه منصور هادي رئيسا انتقاليا- لقادة عسكريين وأمنيين، موالين له في محافظتي أبين وشبوة، بتسليم المعسكرات لتنظيم القاعدة أو ما عرف بأنصار الشريعة، وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، حرص المخلوع علي عبد الله صالح وأتباعه، على تجريف وتجفيف الموارد المالية والاقتصادية للسلطة الانتقالية، عبر رعاية وتمويل ضرب وتفجير أنانبيب نقل النفط والغاز، وخطوط نقل الطاقة الكهربائية، وعندما لم تؤت هذه الوسائل أكلها، وتفلح في ثني المرحلة الانتقالية عن مسارها، تحالف المخلوع وأنصاره مع الحركة الحوثية، وانقلبوا على السلطة الشرعية، وجروا اليمنيين لمربع العنف والاقتتال، مدخلين اليمن في أتون حرب أهلية، وتدخل عسكري خارجي.

سيسقط الانقلاب، وستنتصر الشرعية، لكن التحدي الكبير الذي ينتظرها، هو ما سيحدث بعد النصر، الذي سيتحول لظاهرة صوتية، أو نوع من الهزيمة، إذا لم jكن لدى الشرعية رؤية استراتيجية، واضحة ودقيقة,  بإسناد من دول الخليج لاسيما السعودية، ذات منظومة ضبط قيمية قوية ومحكمة، ترفع مستوى ثقة الرأي العام اليمني بها، وتمنع من الانتقام وتصفية الحسابات، التي سيدفع للدخول فيها المتربصون بالنصر، برغبة هيستيرية ثأرية؛ لخلط الأوراق، واستغلالها في التعبئة الإعلامية ضد الشرعية والتحالف العربي.

لقد تمكنت قوات الشرعية والتحالف العربي، من الانتصار العسكري على المليشيات الانقلابية في عدن، لكن سرعان ما تعرض هذا الانتصار لجملة من الانتكاسات، تعتبر بمثابة خيانة للأمل في عيون اليمنيين، أبرزها ارتفاع وتيرة الاغتيالات والتفجيرات، وعدم قدرة الأجهزة الأمنية التابعة للشرعية، على فرض الأمن، وبسط سيطرتها في عموم أرجاء عدن، ويعود ذلك لوجود انفصام، بين الحامل السياسي داخل بيئة الشرعية، والحامل العسكري لها، المتمثل بالمقاتلين على الأرض، الذين أُرغموا على الانخراط في ساحة الحرب، التي ولدت لديهم اعتدادا بالذات، على حساب غاياتهم التي يقاتلون من أجلها، فتلاشت غاياتهم، وتضخمت شخصياتهم، وثقافتها الطاردة بطبيعتها للقيم الأخلاقية والسياسية، ولكي يتحقق الأمن والاستقرار في المحافظات التي تحررت أو ستتحرر من المليشيات الانقلابية، ينبغي على الشرعية ومن يقف في صفها، أن تصنع توازنا، بين مكونها السياسي ومكونها العسكري الحامل للسلاح، ولا تسمح للأخير أن يستخدم القوة للتحكم في الفعل المقاوم لصالحه وبشروطه، وإذا كانت الضرورة دعت لتكوين الميدان العسكري المقاوم على عجالة، فإن ذلك يعني أن الحاجة استدعت صنع قيادات عسكرية مقاومة على عجالة أيضا، وأن ينضم لهذا الميدان من يراه سبيلا لجني مكاسب شخصية؛ مادية كانت أو معنوية، ولذلك فإن من الأهمية بمكان، قطع الطريق أمام المنتفعين والفاسدين، من التسلل لمراكز القرار، وملء فضاءات ميدان الشرعية السياسية والعسكرية بقيم مناقضة لها، تشوه الشرعية والتحالف، وتضع عراقيل أمام سرعة إنجار النصر، وإذا لم يؤخذ ما أشرت إليه بعين الاعتبار، فإننا سنكون أمام وضعٍ يعاد فيه إنتاج قيم نظام حكم، تربع على عرش الفساد لثلاثة عقود ونيف، ما يجعل الفاتورة الباهظة التي دفعها الشعب اليمني والتحالف؛ لاجتثاث هذا النظام الذي عاد بصورة انقلاب تذهب أدراج الرياح.

أخوف ما أخافه أن تُختزل مرحلة ما بعد إسقاط الانقلاب ، بثنائية الشهداء والقتلة، وبترها عن المبادئ والدلالات العظيمة التي من أجلها ضحى الشهداء بأرواحهم؛ فليس من الصواب بعد تهاوي المليشيات الانقلابية، الانتقال للمحاسبة المجردة من قيم المصالحة الوطنية، والبعيدة عن أهداف ثورة 11 فبراير 2011 م ، ومخرجات الحوار الوطني ، والتي بدون التقيد بها فإن المحاسبة ستتحول إلى صورة من صور الانتقام الساذج، الناجم من نشوة الشعور بالنصر، وعلينا أن نعي، أننا في يمنٍ نُهبت خيراته، وعطلت إمكانياته، وعبثت به قوى عصبوية، ذات فكر مسنود بأدوات العقاب والقمع والتكفير، وعلينا بعد أن تضع الحرب أوزارها أن نتجه لبناء دولة ضامنة للتطور والسلام تعبر باليمن نحو التنمية والاستقرار، متجاوزة أمراض النخب السابقة، وصراعاتها وأيدلوجياتها الجاهزة، برؤية ذات روح وطنية جديدة، ليست ملوثة بنزعات التغلب وعقليات التعالي، تخرجها لحيز الوجود أياد وطنية، لم تشارك في الإنكسارات التي عطلت سير اليمن للإمام، وفتحت الباب على مصراعيه لعودة الماضي البغيض بكل تعقيداته وآلامه.

شاهد أيضاً

د عز الدين الكومي يكتب : خيانة الأوطان و”العودة بخفي حنين”

تتلخص قصة هذا المثل العربي “عاد بخفي حنين” أن حُنَيناً هذا كان إسكافياً من أهل …