عبد الحافظ الصاوي يكتب : بعد تعثُّر كورونا.. هل استعاد القطاع السياحي التركي حيويته؟

تحتفي الأمم المتحدة بيوم السياحة العالمي في 27 سبتمبر/أيلول من كل عام، والمطّلع على موقع منظمة السياحة العالمية، أو موقع الأمم المتحدة، يجد لهجة تفاؤلية بأداء السياحة في عام 2022، على الرغم من تقديرات صندوق النقد الدولي التي ترى تراجع معدل النمو الاقتصادي العالمي في 2022 ليصل إلى 3.2% بعد أن كان 6.1% عام 2021.

كما لم يُشَر إلى التداعيات السلبية التي يمكن أن تحدثها الحرب الروسية على أوكرانيا، وهي حرب لها دلالتها السلبية على قطاع السياحة تحديداً، سواء على الصعيد العالمي، أو على منطقة الشرق الأوسط التي تعتمد كثيراً على السياحة الأوروبية الوافدة، إذ تُعتبر كل من روسيا وأوكرانيا من الدول المصدّرة للسياحة إلى بعض الدول بالمنطقة بصورة كبيرة، بخاصة مصر وتركيا، ودول أخرى.

فحسب البيان الصحفي الصادر عن منظمة السياحة العالمي يوم الاثنين 26 سبتمبر 2022، فإن أداء السياحة العالمي بلغ نسبة 57% من معدلات ما قبل جائحة كورونا، خلال الأشهُر السبعة الأولى من عام 2022.

تميُّز تركيا سياحيّاً

تحافظ تركيا منذ عدة سنوات على مكانتها كمقصد سياحي على مستوى العالم، وعادة ما تكون بين أكبر 10 مقاصد سياحية على مستوى العالم، وفق تقارير مختلفة لمنظمة السياحة العالمية. وإذا كانت العائدات من أنشطة قطاع السياحة تقدر بنحو 24 مليار دولار في عام 2021، أو 34.5 مليار دولار في عام 2019، فإن ذلك لا يعبر عن مدى مساهمة نشاط السياحة في الناتج المحلي لتركيا بالمطلق.

فخلف هذه الأرقام الخاصة بعوائد السياحة، ارتباطات لأنشطة خلفية لقطاع السياحة، متمثلة في النقل والإسكان والصناعة والزراعة، إذ تساعد مجتمعة على توليد فرص عمل داخل هذه القطاعات، من أجل توفير الاحتياجات المباشرة لقطاع السياحة. وحسب بعض التقديرات تصل فرص العمل التي وفّرها قطاع السياحة في تركيا عام 2021 إلى 2.5 مليون فرصة عمل، بشكل مباشر وغير مباشرة.

وبلا شك من شأن انتعاش قطاع السياحة في عام 2022، في ضوء نتائج النصف الأول، أن يزيد فرص العمل في النصف الثاني، لتكون المحصلة انخفاض نسبة البطالة في البلاد، التي انخفضت بالفعل في شهر يوليو/تموز 2022 إلى نسبة 10.1%.

ومما يميز قطاع السياحة في تركيا تمتُّعها بعدة مقومات مهمة تعمل على جذب السائحين، منها مقومات حضارية، ذات خلفية ثقافية ودينية، وكذلك سياحة المؤتمرات، والسياحة التعليمية، والسياحة العلاجية التي شهدت تطوراً ملحوظاً خلال الفترة الماضية، كما أن المدن الساحلية على مختلف الحدود التركية أتاحت لها فرصة تنافسية لترويج السياحة الترفيهية، من خلال سياحة الشواطئ التي تنشط كثيراً في فصل الصيف، سواء للسياحة الخارجية أو المحلية.

وساهمت كذلك الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركية خلال الفترة الماضية من منح الأجانب بعض المزايا، في استمرار التدفق السياحي، وبقاء السائحين لفترات ممتدة، مثل الإقامة السياحية، أو الإقامة العقارية التي تتمتع بمزايا أفضل، ثم كانت الخطوة الكبيرة التي منحت الأجانب حق الحصول على الجنسية مقابل شراء عقار، أو إيداع مبالغ كبيرة لفترات زمنية متوسطة المدى في البنوك الحكومية، أو الاستثمار المباشر داخل الأراضي التركية بمبالغ تصل إلى نصف مليون دولار.

عوائد السياحة التركية

حسب بيانات معهد الإحصاء التركي، ظلت عوائد السياحة متزايدة خلال الفترة 2012-2021، باستثناء عامي 2016 و2020، إذ شهد عام 2016 محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، وجعل ذلك عوائد السياحة في ذلك العام في حدود 22 مليار دولار، بعد أن كانت 31 مليار دولار عام 2015.

أما عام 2020 فهو العام الذي ضربت فيه جائحة فيروس كورونا العالم أجمع، وكان من الطبيعي أن تتأثر عوائد السياحة سلباً في تركيا بسبب توقف حركة الطيران، وعمليات الحجر التي مارستها دول العالم كافة، وبلغت العوائد السياحة لتركيا في ذلك العام 12 مليار دولار فقط، لتقفز في عام 2021 إلى 24 مليار دولار.

أما النصف الأول من عام 2022، فقد أظهرت الأرقام الرسمية لمعهد الإحصاء التركي أن عوائد السياحة بلغت في الربع الأول من عام 2022 نحو 5.4 مليار دولار، وفي الربع الثاني 8.7 مليار دولار، أي إن إجمالي العوائد السياحية التركية في النصف الأول من عام 2022 بلغت نحو 14.1 مليار دولار.

ويُتوقع أن يشهد النصف الثاني من عام 2022 عوائد أعلى مما تحقق في النصف الأول، بسبب الإقبال السياحي على تركيا من الدول الأوروبية، في ظلّ الأخبار المنشورة حول إقدام الأوروبيين على الإقامة في تركيا في الشتاء، رغبة في توفير تكلفة التدفئة، نظراً إلى قلّتها في تركيا مقارنة بغيرها من الدول الأوروبية.

ويُعتبر عاما 2014 و2019 هما العامين الأعليين من حيث العوائد السياحية لتركيا خلال الفترة 2012-2021، إذ بلغت تلك العوائد في 2014 نحو 34.3 مليار دولار، فيما بلغت عام 2019 ما يقرب من 34.5 مليار دولار.

ويُعتبر قطاع السياحة في تركيا من القطاعات ذات المرونة الإنتاجية العالية، إذ استطاعت أن تقدّم خدماتها للأجانب خلال عام 2021 والنصف الأول من عام 2022، في ظلّ تراجع كبير في قيمة العملة المحلية، فثمة تكاليف يتحملها قطاع السياحة في ظلّ ارتفاع معدلات التضخم، وكذلك انخفاض قيمة العملة، ولكن مع ذلك أمكن استعادة القطاع أداءً إيجابياً يحاول أن يقترب من أداء عام 2019، بخاصة من حيث قيمة العوائد السياحية.

السياحة تجني ثمار السياسة

شهد عام 2022، بخاصة في موسم الصيف، عودة السياحة العربية بشكل ملحوظ، بخاصة السياحة من دول الخليج العربي، وذلك بعد الانفتاح الذي شهدته تركيا على كل من السعودية والإمارات والبحرين وتَمثَّل بالزيارات المتبادلة لقادة هذه الدول وتركيا، ونجم عنها توقيع عديد من الاتفاقيات الاقتصادية.

وحسب بيانات وزارة الثقافة والسياحة التركية، عن أداء السياحة في شهر يوليو 2022، بلغ عدد السائحين من السعودية إلى تركيا 110.9 ألف سائح، ومن الإمارات العربية 37.9 ألف سائح، ومن الكويت 90 ألف سائح.

وعلى صعيد الدور التركي في التوصل إلى حلّ للنزاع بين طرفي الأزمة الروسية-الأوكرانية، مثلت تركيا وجهة مرغوبة بها من الفارّين من روسيا وأوكرانيا بحثاً عن الاستقرار، ومن المعلوم أن الهجرة الكبيرة من بين سكان أوكرانيا اتجهت إلى أوروبا، فيما تُمكِّن مَن لديهم أموال، مِن تحمل نفقات المعيشة أو ممارسة نشاط اقتصادي، وقد قدم عدد منهم إلى تركيا. يُذكر أن عدد السائحين إلى تركيا من أوكرانيا في يوليو/تموز 2022 بلغ 69.1 ألف سائح، ومن روسيا 741 ألفاً.

يمكن أن يسهم قطاع السياحة التركي النشط بتخفيض نسب التضخم، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار تراجع قيمة النفط بالسوق الدولية إلى 85 دولاراً للبرميل من خام برنت، و77 دولاراً للبرميل من الخام الأمريكي، والمعلن أن تركيا تعتمد على استيراد ما يقارب من 90% من احتياطاتها من النفط.

وفي حالة استمرار انخفاض أسعار النفط بالسوق الدولية، فسوف تتراجع أسعار الطاقة في تركيا، وبالتالي تنخفض معدلات التضخم وتكاليف الإنتاج بما يعود بنتائج إيجابية على نشاط قطاع السياحة خصوصاً، وعلى الاقتصاد التركي عموماً.

شاهد أيضاً

عز الدين الكومي يكتب : الفتاوى والمدائح الشاذة .. وصناعة الطواغيت

تروي كتب الأدب أن الخليفة المتوكل رمى عصفوراً فلم يصده ، فقال الوزير : “أحسنت …