عبد الرحمن الأحمدي يكتب: الحركة الإسلامية بين التغيير والتغرير

الظاهرة الإسلامية الحركية ككل الظواهر الإنسانية لا تكتسب قوتها ولا قدسيتها من إسلاميتها أو تاريخيتها أو تراثيتها كما قد يتوهم معتنقوها.

لأن االظواهر التي لا تخضع للقراءة والتحليل في مختبر النقد تعتبر ظاهرة عابرة لا تستحق أن يلتفت إليها التاريخ، بلا أن تكون محل دراسة واهتمام.

الحركة الاسلامية في الشرق عموما وفي الغرب الإسلامي على وجه الخصوص، شكلت حالة مناخية فكرية تغييرية منذ أواخر عشرينيات القرن الإفرنجي الروماني ( الميلادي ) الماضي وإلى اليوم، لذا حق لها أن تدرس وتكون محل نظر الباحث الحصيف.

وبالرغم من أنها حظيت بالكثير من المداد الذي سال، والصفحات التي سودت، فإن أغلب ذلك كان في الوصف والإشادة أكثر منه في النقد من الداخل والنبش في الأغوار.

يوم انطلقت هذه الظاهرة في آسيا في باكستان على يد أبو الأعلى المودودي، وفي الهند على يد محمد إلياس, وفي نجد والحجاز على يد محمد بن عبد الوهاب, وفي مصر والشرق الاوسط على يد حسن البنا, انطلقت كردة فعل تغييرية، رافضةً لامتداد الامبراطورية النصرانية الصليبية القيصرية التي اجتاحت الشرق البعيد (آسيا), والشرق القريب ( مصر والشام)، لتدق مساميرها في شريط بلاد الهلال الخصيب في خاصرة الدولة العثماني؛ة رمز الخلافة وعنوان دولة الإسلام، بعد أن وضعت حذاءها الغليظ على الشمال الإفريقي بأرجل فرنسية وإيطالية واسبانية، وهيجت أرض الحجاز وسكانها البدو الأميين، بدعوة الشاب الصليبي الأرعن المسمى (لورانس العرب) لتمهد للاستيلاء على خزان النفط العربي والتحكم فيه والالتفاف على الجزيرة العربية ومسالك البحار.

في ظل هذا الواقع المضطرب المريب، تحركت الظاهرة الإسلامية موازاة مع حركة الجهاد الشعبي التحرري في الوطن الإسلامي، لتساهم في التغيير. تغيير الواقع الذي سببه موروث عصور التخلف والانحطاط، وكرَّسه بل وحافظ عليه حكام ( السلطنة السلامية ) من أئمة ومشايخ وأمراء ورؤساء.

دخلت الحركة الإسلامية هذا المعترك من منطلق الرغبة في التغيير، فوقفت في وجه المد الفكري الاستشراقي والاحتلال الصليبي وطابور الحكام صنائع الاستعمار. واحتدم الوطيس بينها وبين هؤلاء، وتعددت أدوات الخصام واختلفت نظرة فصائل الحركة الإسلامية للحكام بين من كفّرهم وأوجب الخروج عليهم، وبين من فسقهم وجعلهم في زمرة المغضوب عليهم وثلة الضالين.

ودام هذا الصراع عقودا من السنين، وبقدر ما اتسع شعاع هذه الحركة / الظاهرة، بقدر ما مسها من لغوب الحكام الجبارين، لكنها صمدت وشبت متوقدة منتفضة, ملتهبة, مدافعة مكافحة, في عالم الأفكار والتصورات والمفاهيم، مزاحمة ومحاولة اقتحام قصور السلاطين والرؤساء وخلخلة كراسيهم.

ارهاصـات التحـــول

في العشريتين الأخيرتين من القرن الروماني الافرنجي ( الميلادي ) الماضي, وبعد رحيل الجيل المؤسس، وتصدر الجيل الثاني من القيادة، ولدت مقولة ( مراجعة النظريات والاختيارات التصورية الفكرية) وتعددت الاتجاهات في هذا المضمار وبعضها أصاب وبعضها تاه وراء الضباب! إذ تحولت عملية (المراجعة) إلى حالة ( تراجع)! من المنابذة إلى الممالأة، ومن البراء إلى الولاء، ومن المنافرة الى المناصرة، ومن شعار التغيير إلى حالة (التغرير) بالبسطاء والجماهير.

إن الجيل الجديد الحركي انطلت عليه حيل كثيرة، ولّبّس عليه أيما تلبيس. انطلت عليه حيلة الحكام المتظاهرين بحب الإسلام والدفاع عنه وحماية حماه.

ولُبّس عليه باستحلائه المناصب والمال، وبهذا بدأت علامات الانحراف تظهر جلية تحت عنوان (المراجعة) واختيار نهج الوسطية والاعتدال الى أن انجرت وسقطت في فخ المجاراة والمداهنة والتبرير، وخفت نَفَسُ مطالبتها بالتغيير، وسكتت عن كل كبائر الحكام وما أفرزه حكمهم من فساد واستبداد، بل جنحت الى تحميل المسؤولية للشعوب أو للدوائر الغربية ومؤسسات الاستعمار فيما وراء البحار، كما سقطت بعض الفصائل في شراك الغلو والتطرف والشطط والإرهاب!

إن الحركة الاسلامية بالغرب الاسلامي تحولت من شاهد على الأمة بقوة سلطان القرآن، إلى مناصر أو مبرر ـ وفي أحسن الأحوال – مستنكر في خفوت! أو متكلم بإذن الحاكم السلطان! وغلَّبت في تغيير مواقفها ومواقعها قانون الموازنات العقلية، وابتسرت بعض النصوص ابتسارا، ولم تكمل قراءة النص حينا ولا قراءة السياق أحيانا.

إن الرسول الحكيم حينما قال ( كلكم راع وكلكم مسؤولٌ عن رعيته) ( والدين النصيحة… لأئمة المسلمين وعامتهم ) وحينما بدأ في عدِّ السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، بدأ بالإمام العادل ليحدد معالم الطريق في تحديد المسؤولية وتحميلها , وَيَنصب بذلك ميزانا كي لا تقع الأجيال في اللبس والتلبس، خصوصا وأنه يستشرف المستقبل ويتراءى له أحيانا ما وراء ستار الغيب، لذا كانت أحاديثه المسهبة والمجلجلة التي تكلمت عن الفتن وجور السلطان في آخر الزمان، وجعل (حمزة سيد الشهداء، ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه، فقتله)

أسئلة محرجة وصريحة

إن الأسئلة المطروحة اليوم على الحركة الإسلامية بكل فصائلها والتي يجب عليها أن تجيب أتباعها عنها قبل أن تجيب الشعوب هي:

من المسؤول الأول والحقيقي عن الفساد في البلاد، تخطيطا وحماية وتنظيرا؟

من المسؤول عن صناعة الاستبداد حقيقة؟ الحكام المسلحون المدججون، أم الشعوب المغلوبة العزلاء؟

من المسؤول عن  التبذير والميزانيات المعصومة والصناديق السوداء؟

من المسؤول عن الإعلام الذي يُسمح له بقول كل شيىء باسم الحرية إلا أن يقول شيئا عن الحكام وأبنائهم المصونين؟ 

من المسؤول عن الإذن ببيع الخمور وحماية أسواقها ورعايتها وامتلاك ضيعات أعنابها؟

من المسؤول عن فتح البلدان للجيوش الجرارة من البعثات العسكرية والمخابراتية والسينمائية ( والفنية ) والسياحية، هل الشعوب أم الحكام؟

وهل وهل مما يجمد عن كتابته مداد الاقلام؟

وهل الشطط والتكفير من بعض الفصائل الإسلامية يساهمان في الحل، أم تزداد بهما النيران استعارا؟ وهل لهذا الانزلاق جذور في الفكر الاسلامي الرصين؟

تحذيــــــــــــر

إن الحركة الاسلامية اليوم أخشى ما يُخشى عليها ـ بعد أن كانت واقفة في وجه المنكر ـ أن تصبح مطبّعة أو مصفقة له لا قدر الله, أو صانعة ومنتجة.

وأخطر من هذا وذاك أن تصير جزءًا من المنكر فتنتقل من حركة تغييرية إلى حركة سكوت، ثم إلى حركة تبرير، ثم إلى حركة تغرير أو حركة تدمير, وغدا ـ ونعوذ ونعيذها بالله ـ إلى حركة تزوير!

حينها يلعنها الله ويلعنها اللاعنون. 

شاهد أيضاً

حافظ المرازي يكتب : هل الحل نصب تذكاري آخر في إسرائيل لشهدائنا؟!

التقيت مرة مع ضابط جيش متقاعد على عشاء بمنزل صديق مشترك في واشنطن، ودار الحديث …