عبد الله معروف يكتب:كيف سيعزز “أياصوفيا” برمزيته دور تركيا في العالم الإسلامي؟


مع عودة آيا صوفيا لأصله مسجداً، تكتسب تركيا بذلك رمزية دينية كبيرة تدعم دورها القيادي في العالم الإسلامي الذي باتت تضطلع به مؤخراً.
بعد سقوط الدولة العثمانية وانهيارها عام 1923م، تشرذم العالم الإسلامي وبات فاقداً للقيادة السياسية، مما جعل بعض الدول الإسلامية تتنافس على ملء هذا المقعد الشاغر. حيث حاولت السعودية على سبيل المثال تبوّء هذه المكانة القيادية للعالم الإسلامي باعتبارها البلد الذي يحوي مكة المكرمة، أقدس بقاع الإسلام، بكل ما لها من رمزيةٍ عميقةٍ في الذهن المسلم.

وكذلك قدمت مصر نفسها زعيمةً للعالم الإسلامي، خاصةً مع وجود الجامع الأزهر بكل ما له من ثِقَلٍ علمي وحضاري. وفي كل هذه الفترات كانت تركيا منقطعةً تماماً تقريباً عن بقية أرجاء العالم الإسلامي، ومنفصلةً عن واقع هذه البلدان، ولم تسعَ طوال تلك العقود لتقديم نفسها بديلاً منافساً لزعامة العالم الإسلامي لأنها كانت منشغلةً بمحاولة سلخ نفسها من هذا المحيط والالتحاق بركب الغرب.

من دلالات إعادة آيا صوفيا إلى أصله مسجداً (2)

لكن التغييرات الكبرى التي يشهدها العالم الإسلامي منذ بداية القرن الحادي والعشرين، جعل هذه الموازين والمواقع تتغير بشكل ملحوظ، فتركيا لم تعد منعزلةً عن العالم الإسلامي كما كانت سابقاً، ولم تعد في قطيعةٍ مع تاريخها الممتد الذي جعل منها في فتراتٍ معينةٍ القوة الأولى في العالم.

ولهذا فإن تركيا التي أعادت اكتشاف نفسها بعد عقود من العزلة وجدت في نفسها الإمكانية والمؤهلات التي تجعلها قيادةً نموذجيةً وصاحبة مكانةٍ رياديةٍ طبيعيةٍ في العالم الإسلامي، ومن الطبيعي في هذا الصدد أن تبرز تركيا بقيادتها الحالية منافساً قوياً لريادة العالم الإسلامي وقيادته، خاصةً بعد أن أعادت اكتشاف نسيجها الاجتماعي والديمغرافي المرتبط طبيعياً بمحيطها الإقليمي وعمقها الاستراتيجي الإسلامي.

غير أن الرمزية التي تشكل عصب الصورة الذهنية لتركيا القائدِ والرائدِ والنموذجِ، كانت لا تزال مفقودة في هذه المعادلة، حتى الساعة الواحدة من ظهر يوم الجمعة 24 تموز/يوليو، لحظةِ إعلان أذان صلاة الجمعة الأولى في جامع آيا صوفيا.

إن جامع آيا صوفيا شكل الرمزية الأساسية التي بدأت منها الدولة العثمانية ريادتها وقيادتها للعالم الإسلامي، حيث ارتكز العثمانيون في شرعيتهم على فكرة فتح القسطنطينية الذي أنجزه السلطان محمد الفاتح عام 1453م، محققاً بذلك نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت ذات أبعاد سياسية واسعة، لأنها كانت تتعلق بالإمبراطورية البيزنطية، أقوى ممالك المشرق في عهده صلى الله عليه وسلم، وأكثرِ الدول اصطداماً بالعالم الإسلامي على مر التاريخ.

وكان تحويل آيا صوفيا بعد الفتح إلى مسجد يعتبر التمثيل الأقوى والأبرز لهذا الفتح، وذلك لمكانة آيا صوفيا الكبيرة في التاريخ البيزنطي باعتبارها الرمز السياسي الأكبر لتلك الإمبراطورية.

كيف تابع الإعلام صلاة الجمعة الأولى بمسجد آيا صوفيا؟

وبإعلان هذا المكان مسجداً نالت الدولة العثمانية رمزيتها التي كانت تحتاجها لتقديم نفسها منافساً قوياً لدولة المماليك على زعامة العالم الإسلامي. فالسلطان سليم الأول دخل دمشق ثم القدس بترحيبٍ من الناس وإقرارٍ له بالشرعية، لأنه كان في وعي المسلمين حفيد السلطان محمد الفاتح الذي تمكن من تحقيق نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بفتح القسطنطينية، ومسَحَ الإمبراطورية البيزنطية من الخريطة نهائياً.

وكان جامع آيا صوفيا هو الرمز الأبرز الذي يشير إلى هذا الفتح دائماً، ولعل هذا هو السبب الذي جعل الخطباء في آيا صوفيا يحملون سيفاً – رمز الفتح – أثناء الخطبة بدلاً من العصا. وهذا – للمفارقة – هو ما فعله كذلك رئيس الشؤون الدينية التركي السيد علي أرباش في خطبته الأولى بجامع آيا صوفيا، حيث حرص على إحياء التقليد العثماني القديم بحمل السيف على المنبر أثناء الخطبة.

لأجل هذه المكانة الرمزية لآيا صوفيا، فإن الجمهورية التركية الوليدة في عهد ما بعد سقوط الدولة العثمانية كانت حريصةً جداً على إزالة صفة “مسجد” من آيا صوفيا وتحويله إلى متحف، حيث مثل ذلك من الناحية الرمزية إعلان القطيعة الكاملة النهائية مع التاريخ العثماني للجمهورية الناشئة آنذاك، وجاء تحويل المسجد إلى متحف واحداً من سلسلة إجراءات رمزية وعملية مهمة كتحويل اللغة التركية إلى الحروف اللاتينية، ومنع الطربوش، وأغطية الرأس العثمانية واستبدالها لتحل محلها القبعات الأوروبية وهكذا.. ليكون تحويل آيا صوفيا إلى متحف حداً فاصلاً بين زمنين، انتهت فيه رمزية الفتح العثماني لهذه المدينة، لتنقطع تركيا بذلك تماماً عن تاريخها ومحيطها الإسلامي وتلحق بالركب الأوروبي.

وبما أن تركيا اليوم قد عادت للتصالح مع هويتها الإقليمية والاجتماعية والثقافية المتجذرة – التي لم تستطع الآلة العسكرية محوها على مدى أكثر من 95 عاماً – فإن من ضرورات هذه العودة أن تكتشف تركيا حقيقة مكانتها الإقليمية والدولية، والأهم من هذا وذاك صدارتها ومكانتها الريادية في العالم الإسلامي.

ولأجل ذلك كله كان لابد من عودة النموذج الرمزي الذي أعطى هذه البلاد مكانتها القيادية قديماً، أي الفتح الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ومدح القائمين عليه قادةً وجنداً، والذي نال شرفه الأتراك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من 800 سنة، وهم الذين كانوا دائماً جزءاً أصيلاً من العالم الإسلامي، وخاضوا التجارب السياسية في قلب العالم الإسلامي منذ فترةٍ مبكرةٍ ترجع إلى المئة الأولى من عهد الدولة العباسية – أي بعد مئتي سنةٍ فقط من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم – وكان لهم تجارب كثيرة خاضوها في ذلك العهد وخلال العهد السلجوقي والاحتلال الصليبي وغيرها.

كيف ساعد المعماري العثماني سنان آيا صوفيا على البقاء لقرون؟

إلا أن رمزية قيادة العالم الإسلامي التي ارتكز عليها الأتراك لاحقاً لم تكن ترتبط بأحداث عهد المعتصم أو السلاجقة، وإنما ارتبطت بفتح القسطنطينية، وذلك لما لهذا الفتح من مكانةٍ في نفوس المسلمين جميعاً عرباً وفرساً وأتراكاً وأمازيغ وأفارقة ومن الأعراق كافة. وجامع آيا صوفيا اليوم – كما كان أمس – هو المفتاح الرمزي لقيادة تركيا وريادتها في العالم الإسلامي، لأنه مثل ارتباطاً مباشراً بالنبي صلى الله عليه وسلم المؤسس والقائد الأول للأمة الإسلامية.

لهذا كله، لم يكن مستغرباً أن يثير القرار التركي بإعادة آيا صوفيا مسجداً الجدل بين الخصوم السياسيين لتركيا، ذلك أن هذه الدول والمؤسسات التي تعتبر نفسها خصماً لتركيا فهمت أبعاد ومعاني هذه الخطوة، واستوعبت رمزيتها الخطيرة في سعي تركيا لبناء صورتها ومكانتها القيادية الحديثة في محيطها الإقليمي وبين دول العالم، وبالذات العالم الإسلامي.

ولعل من الطريف أن إعلام بعض الدول المعادية لتركيا – لا سيما بعض الدول العربية – كان إلى شهور مضت يتحدى القيادة التركية أن تعيد آيا صوفيا مسجداً، ويعتبر عجزها عن ذلك دليلاً على عدم أهليتها لقيادة العالم الإسلامي. والمفارقة هنا أنه عندما أعادت تركيا آيا صوفيا إلى أصله مسجداً، بدأت حفلات التباكي في بعض وسائل الإعلام العربية – كما العالمية – على الحريات الدينية في تركيا التي ما زالت – بالمناسبة – تحتضن آلاف الكنائس والمعابد، وتضرب بذلك مثالاً حياً للتعايش والتسامح البعيد عن البهرجات الإعلامية.

إن ما أغضب هؤلاء كان علمهم بأبعاد هذه الخطوة ومراميها ورمزيتها الكبيرة، فمن البدهي في عالم السياسة والاستراتيجيات أن تتعامل الدول بالرمزيات التي تعبر عن هويتها وصورتها ومكانتها، وذلك أمر كان معروفاً على مر التاريخ. وهو ما فعلته تركيا في كل خطوةٍ أثناء عملية إعادة آيا صوفيا مسجداً، بدءاً من حمل السيف أثناء الخطبة، وليس انتهاءً باختيار يوم 24 تموز لهذا الحدث، وهو اليوم ذاته الذي جرى فيه توقيع اتفاقية لوزان عام 1923، والذي ولدت فيه الجمهورية التركية الحديثة التي قطعت نفسها في ذلك الزمن عن تاريخها ومحيطها، لتعود اليوم في التاريخ ذاته وتقدم نفسها – في رمزية جامع آيا صوفيا – نموذجاً لتركيا جديدةٍ تنافس بجدارة على قيادة العالم الإسلامي.


Comments

comments

شاهد أيضاً

علاء الاسواني: “توسيد الديمقراطية” بانتخابات “الشيوخ” واجهة زائفة يخدع السيسي بها العالم

عزيزي المواطن المصري وأنت تقرأ هذا المقال ستكون عملية “توسيد” الديمقراطية قائمة على قدم وساق …