عبد الناصر سلامة يكتب : انتخابات الصحفيين المصريين.. الـ600 جنيه تكسب

لم تحقق الجمعية العمومية للصحفيين يوم الثالث من مارس النسبة المؤهلة لإجراء انتخابات التجديد النصفي، ذلك أن 296 عضوًا فقط حضروا الجمعية -في سابقة خطيرة- من بين 9221 عدد الأعضاء الذين يحق لهم التصويت، في الوقت الذي كان يجب أن تحقق فيه نسبة الحضور على الأقل 50%؜؜ حتى يتم إجراء الانتخابات، وهو الأمر الذي يحمل دلالات عديدة سياسية وأمنية بالدرجة الأولى، ناهيك من مؤشرات ذلك فيما يتعلق بالمهنة الآن وفي المستقبل.

على هامش الحضور، سألني صديقي: من ستختار من بين المرشحين لمنصب النقيب؟ قلت: سوف اختار الـ600 جنيه!! في إشارة إلى المرشح لمنصب النقيب الذي حصل من الحكومة على هذا المبلغ شهريًا لكل صحفي، بما يرفع مبلغ الدعم الشهري إلى 3500 جنيه، قال: كيف ذلك؟ وهل ستنتخب نقيبًا أمنجيًا؟ قلت: وهل سيكون أسوأ حالًا من سابقه الذي حرم مجلس النقابة من عقد اجتماعات شهورًا عديدة، بحجة أن وقته لا يسمح، وهو الذي كفّن مبنى النقابة بالحديد والأخشاب والخيش طوال سنوات وجوده، حتى لا يتجمع الصحفيون على سلم النقابة، يا صديقي: الـ600 جنيه تكسب بجدارة في هذه الأيام، ولا داعي للشعارات.

بالعودة للماضي البعيد، ظلت نقابة الصحفيين منذ إنشائها عام 1941، بمنأى عن الشبهات المالية والرشاوى الانتخابية، إلى أن جاءت انتخابات 1981 التي تدخلت فيها الحكومة لحساب مرشح دون آخر، بتعليمات من الرئيس السادات شخصيًا، بعدما حصل الراحل صلاح جلال، المرشح لمنصب النقيب، على مبلغ عشرة جنيهات لكل صحفي، تحت بند (بدل مراجع)، وذلك بهدف إسقاط الراحل كامل زهيري، الذي كان يتزعم الصحفيين بالنقابة للاعتراض على التطبيع مع إسرائيل.

بعد ذلك اجتاز الراحل إبراهيم نافع انتخابات 1985 بفارق 4 أصوات فقط، عن منافسه جلال عارف، لأنها كانت من دون دعم حكومي، وفي الانتخابات التي تلتها 1987 بدأت لغة المال تفعل أفاعيلها في نقابة الصحفيين، ربما ليس في الانتخابات فقط، بل في أشياء أخرى كثيرة، ذلك أن المرشح للمرة الثانية إبراهيم نافع أيضًا، حصل على قرار حكومي بمنح الصحفيين 20 جنيهًا تحت المسمى نفسه (بدل مراجع)، ارتفعت إلى 30 جنيهًا في انتخابات 1989 مع الراحل مكرم محمد أحمد، وهكذا استمر الحال إلى أن وصلنا إلى رقم 600 جنيه في الجولة الحالية، تحت مسمى بدل التكنولوجيا.

امتيازات للمرشح الحكومي

كان المرشح الرسمي للحكومة، أو هكذا يطلقون عليه، هو الذي يأتي بهذه الامتيازات في صورة دعم من النظام لترشحه، وعلى مدى 36 عامًا لم تخسر الحكومة -ممثلة في أجهزتها الأمنية- الرهان، باستثناء انتخابات 2003 التي خاضها الراحل صلاح منتصر عن النظام، وخسر الانتخابات على الرغم من أنه كان قد حصل في ذلك الحين على مبلغ ٤٠ جنيهًا لكل صحفي، إلا أن ما يجهله الكثيرون، هو أن إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأهرام في ذلك الوقت لم يدعم منتصر على أرض الواقع، وبالتالي لم يجد دعمًا من الأهرام، لذا كان من الطبيعي أن يخسر الانتخابات، بعدها دعم إبراهيم نافع -لدى الحكومة- مرشح المعارضة الفائز، لتنفيذ الوعد الذي منحته لمنتصر بالحصول على مبلغ الدعم.

المتفائلون ينظرون للانتخابات الحالية نظرة مختلفة عن كل ما سبق، على اعتبار أن المهنة في وضع مترد على المستويات كلها، سواء من حيث الحريات أو التوزيع أو ثقة القارئ، وأن الصحفيين أيضًا في وضع أكثر ترديًا، ما بين الحبس والتهديد بالحبس والفصل والتنكيل، وهو الأمر الذي كان يوجب اكتمال الجمعية العمومية، بنصف العدد، يوم 3 مارس من أجل إجراء الانتخابات، إلا أن عدم اكتمال الجمعية يؤكد أن هذه الأزمات رغم أهميتها لا تشغل بال الأغلبية العظمى لأسباب عديدة، أهمها أن تركيبة الجمعية العمومية الآن اختلفت تمامًا عما كانت عليه في السابق، ذلك أن صحافة (بير السلم) هي الأكثر هيمنة الآن عددًا وعُدة، وذلك من خلال عمليات تعيين وهمية، يحصل من خلالها الشخص على خطاب موجّه للنقابة للقيد بالجدول، على الرغم من أنه أبعد ما يكون عن المهنة، أو ربما لم ولن يمتهنها أبدًا.

الغريب في الأمر، هو أن الأرقام تتحدث عن نحو 48 صحفيًا ما بين معتقل من دون محاكمة، وسجين بحكم محكمة، من بينهم 14 عضوًا بنقابة الصحفيين، لم أر قضيتهم مطروحة على أي من برامج المرشحين الـ55 الذين من بينهم 13 لمنصب النقيب، يقينًا منهم بأن أي حديث في هذا الموضوع هو مجرد كلام لا يسمن ولا يغني من جوع من جهة، ومن جهة أخرى خوفًا من الأجهزة الأمنية، ناهيك من أن الجمعية العمومية لا تتناول هذه القضية في أي من المناقشات مع المرشحين، وهو ما جعل من قضايا المرور وتخفيض قيمة المخالفات، أو قضايا الصحة والحصول على تخفيض بالمستشفيات، أولوية أولى يطرحها المرشحون خلال لقاءاتهم بزملائهم، ولم يعد نشازًا إعلان المرشحين في برامجهم أن النقابة خدمية بالدرجة الأولى.

قد تكتمل بصعوبة

هذه الأوضاع وغيرها توارت خلفها قضايا الرأي والحريات والديمقراطية وحرية إصدار الصحف وتنقية جداول القيد، وهي القضايا التي كانت تتفرد بها دون غيرها في السابق البرامج الانتخابية للنقباء والأعضاء على السواء، حينما كان الحديث عن توفير السلع التموينية أو اللحوم والدواجن، ضربًا من التهريج والاستفزاز، وهو الأمر الذي يشير إلى تحولات كبيرة طرأت على المجتمع المصري، ليس فقط، بل في أوساط النخبة الصحفية والثقافية وغيرها من المؤسسات، أو بمعنى أدق السلطات، في ظل ذلك القمع وهذا الغلاء في آن واحد، وبذلك فقدت مصر أهم أيقونة للحراك السياسي، وهي نقابة الصحفيين، التي كانت تمثل مع المحامين والقضاة، مثلثًا مهمًا وفاعلًا في شارع عبد الخالق ثروت وسط القاهرة.

أستطيع التأكيد أن الجمعية العمومية المطلوب اكتمالها مرة أخرى في الرابع عشر من هذا الشهر، بربع عدد الأعضاء فقط من أجل إجراء الانتخابات، قد تكتمل أيضًا بصعوبة بالغة، ذلك أن الأعضاء قد ضمنوا المبلغ المرسل من الحكومة في الموعد المحدد، وفي الوقت نفسه لا يعني الأعضاء من الذي يحكم أو يتقلد الموقع؟ حتى لو استمر الأمر معلقًا إلى حين، وهو ما يمكن القياس عليه بشكل عام على المستويات كلها، بعد أن أصبحت اللامبالاة أمرًا طبيعيًا، والشعور بالهزيمة أمرًا سائدًا، لذا فإن الـ600 جنيه سوف تحقق نصرًا ساحقًا على المبادئ والأخلاقيات كلها، وما شابه ذلك، فنحن هنا نتحدث عما يوازي 2 كيلو لحمة، أو 3 دواجن برازيلي.. ولا عزاء للصائمين، وكل عام وأنتم بخير.

شاهد أيضاً

د إسماعيل علي يكتب : حقٌّ يأبى النسيان رئاسة الرئيس مرسي، وحكم الانقلاب عليه

خلال زيارة وزير الخارجية التركي، “مولود تشاووش أوغلو” إلى مصر، أمسِ 18/3/2023، اصطحبه “سامح شكري” …