عدي حاتم يكتب : مقتدى الصدر .. عندما يكون التظاهر مسألة مصير

لاغرابة في التناقض بمواقف مقتدى الصدر فهو ديدنه منذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق، ولا جديد في محاولته تزعم حركة الإصلاح وركوبه موجة محاربة الفساد، رغم أنه أحد الأطراف الثلاثة التي كانت السبب الأكبر في تدمير العراق ونهب موازناته خلال العقد الماضي، فهو وتياره يشكل مع الضلعين الآخرين؛ وهما حزب الدعوة وزعيمه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وحزب الحكيم العائلي “المجلس الإسلامي الأعلى ” مثلث الخراب والدمار الذي أوصل العراق إلى حافة التقسيم والضياع.

الصدر لم يفعل شيئا سوى الانضمام إلى طابور زعماء الأحزاب ومعممي السلطة وأعضاء الحكومة والبرلمان المتقاسمين لسرقة المال العام، وهو يصرخون يوميا منددين بالفساد، عبر قنواتهم الفضائية ووسائلهم الإعلامية التي انشأوها بمال الدولة المسروق!، فالنفاق والتناقض أمسى أبرز سمات ساسة العراق، فهم في السلطة ويمثلون دور المعارض الناقم على فساد الحكومة، في محاولة بائسة لخداع الرأي العام، ولا يعلمون أن مثل هذه المحاولات تعكس تفاهتهم ومحدودية تفكيرهم.

الصدر يعرف أكثر من غيره أن ذاكرة العراقيين ليست مثقوبة وهم لم ينسوا بعد جرائمه ودمويته هو ومليشياته لاسيما وأن دماء ضحاياه مازالت حارة، ودموع أهلهم وذويهم وأحبتهم لم تجف بعد، أما أحاديثه عن محاربة الفساد فتفضحها مواكب حماياته المرصوفة بعشرات السيارات الفارهة ذات الدفع الرباعي، التي يكفي ثمن نصفها لإطعام كل جائعي مدينة الثورة (الصدر) التي يعتبرها معقلا له، فيما لايجد أغلب سكانها ثمن الدواء وإمكانية إطعام أطفالهم ثلاث وجبات في اليوم.

كما أن حجم ثروات الصدر الضخمة التي جمعها من نهب المال العام، لم يعد خافيا على أحد، فالصراع بين ساسة الصدفة ومعممي السلطة جعل كل طرف يكشف حجم سرقات الطرف الآخر، ولعل ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي من تهكم العراقيين وسخريتهم من الصدر وتظاهراته ضد الفساد لاسيما سؤالهم عن مصدر طائرتيه الخاصتين، كافيا في فضح جزء من سرقاته .

وفي محاولة للتملص من المسؤولية والاستخفاف بعقول الناس، أعلن الصدر، براءته من “الفاسدين”، زاعماً أن لا أحد يمثله في الحكومة والبرلمان، هذا بالرغم من أنه يمتلك 40 نائبا والعديد من الوزراء والمحافظين ومئات المناصب الحكومية الرفيعة الموزعة بين وكيل وزير وسفير وموظف في السلك الدبلوماسي ومدير عام وغيرهم، وجميعهم تحت إمرته ومراقبته, وهو يناصفهم حتى في مرتباتهم الشهرية، كما أنه من يحدد الصفقات والعقود لكل وزارة أو مؤسسة يديرها أحد أفراد تياره.

وكنوع من الإمعان في احتقار الناس وعدم احترام ذكرى ضحاياهم والقفز على مشاعرهم، اختار الصدر يوم 25 فبراير/شباط المنصرم موعداً لمظاهرته، لإفشال أي محاولة لإحياء ذكرى الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد ودعوتها لإصلاح النظام السياسي عام 2011 ، التي عاد مقتدى إلى العراق بسببها بعد أن امضى نحو أربع سنوات في إيران .

وكانت صفقة عودته تقضي بإيقاف الملاحقة القضائية ضده مقابل إفشال الاحتجاجات ومنعها من تحقيق أهدافها، وهو ما نفذه الصدر على أتم وجه، امتثالا لفتوى رجل الدين الإيراني كاظم الحائري الذي حرم المظاهرات وتنفيذا لأوامر المرشد الإيراني علي خامنئي الذي كان يريد أن يحافظ على بقاء المالكي رئيسا للوزراء فضلا عن المحافظة على سلطة الأحزاب الدينية التابعة له وتصدرها للمشهد السياسي .

وبعد عودته في 23 شباط/ فبراير عام 2011 مارس مقتدى وعصاباته الإجرامية دورا قذرا بالتنسيق مع المالكي ومنظومته القمعية في ترهيب المتظاهرين وتهديدهم بفتاوى القتل والتكفير واعتقالهم وتعذيبهم والتنكيل بهم وبعوائلهم وفي حالات كثيرة شمل حتى معارفهم، ما أدى الى وأد الحركة الإحتجاجية لاسيما بعد موجة الاغتيالات وعمليات الخطف التي طالت الناشطين والمتظاهرين.

لاتنطلي حيل مقتدى على أحد، فحركته الأخيرة وظهوره في ساحة التحرير ببغداد، لا هدف لها سوى استعراض عضلاته وإعادة إنتاج نفسه وتياره للمحافظة على نفوذه ومكتسباته في الحكومة، وهي ليست أكثر من رسالة تحذير للخصوم والشركاء من أي محاولة للمساس بحصته من خلال التلويح لهم بأنه مازال قادرا على احتلال المدن واخضاعها لسيطرته كما فعل خلال الأعوام الممتدة من 2004-2008 ، لاسيما وأن التسريبات الواردة من بغداد تؤكد أن الإصلاحات التي أعلن عنها رئيس الوزراء حيدر العبادي مؤخرا وعزمه تشكيل حكومة تكنوقراط هي في الحقيقة إملاءات وضغوط أمريكية فرضتها واشنطن على بغداد وحذرت حتى الدول الإقليمية مثل إيران وغيرها من أي محاولة للتدخل بها أو إفشالها .

وعلى ما يبدو فإن طهران والدولة الأخرى المجاورة للعراق رضخت للإرادة الامريكية بعدما لمست جديتها بالأمر وأصرارها عليه، لذلك فالصدر يعي مثل غيره من حيتان “العملية السياسية ” أن تشكيل أي حكومة خارج نظام المحاصصة الطائفية والعرقية سيفقده مناصبه وامتيازاته وحصته من موازنة البلاد، كما يدرك تماما أن الأمور لاتقف عند هذا الحد بل تتعداه لتشمل فتح ملفات فساد وجرائم الطبقة السياسية التي تزعمت المشهد العراقي بعد عام 2003 ، وبهذا فإن الصدر, ومثله كل الساسة الآخرين، يعرفون جيدا أن خسارتهم للسلطة والنفوذ تعني بداية طريقهم نحو السجون والمحاكمات، فهم مثل جميع الطغاة والمستبدين إما في القصور أو في القبور .

صحافي وكاتب عراقي مقيم في فرنسا

شاهد أيضاً

عبد الباري عطوان يكتب : ظاهرة حرق القرآن الكريم وحُريّة التعبير.. أُكذوبةٌ كبيرة

“حُريّة التعبير” التي يتم استخدامها على نطاقٍ واسع هذه الأيّام في العالم الغربيّ كذريعةٍ لحَرقِ …