عزت النمر يكتب : النخبة المصرية .. دستور يا اسيادنا!

من حق المرء أن يتساءل ما السبب في وصول مصر إلى ما وصلت اليه من تردٍ شامل في كل مناحي الحياة؟ والإجابة بسيطة وميسورة وحقيقية وهي أن أزمة مصر ببساطة في نخبتها.

التاريخ الطويل للشأن المصري ــ بكل أسف ــ يشي بالإدانة الكاملة للنخبة المصرية, وتبقى الملامة والمؤاخذة على الشعب هي فقط في عدم إنتاج وإفراز نخبة أقل أخطاءً وأكثر احتراماً تقوم على مصالحه وترعى حقوقه.

النخبة المصرية التي أوصلتنا لهذا الهوان هي كل الأرقام الفاعلة في معادلة المشهد المصري سواء في نظام الحكم أو المعارضة أو حتى جماعات الضغط إن وجدت.

نظام الحكم من زمن يقوم على شخص الرئيس الذي يبدأ ولايته غالباً بصلاحيات مناسبة وخيارات مقبولة وتصريحات منطقية, ثم ما يلبث أن يتحول بمرور الوقت ــ بفعل حاشيته ومعارضته على السواء ــ إلى فرعون يجمع بين استبداد فاشي وقرصنة كاملة ونهم في السرقة والاستحواذ ليس له حدود .

حاشية الفرعون تدخل تحت لواءه ويسعى أفرادها إلى التملك والاغتراف طيلة بقائهم فيها, حتى أن من يُخْرَج منها ينشغل بمملكته ويسعى في كَرَّة ثانية أن يعود, لا تشغله تطورات الحكم والنظام ولا سقطات الحاكم ولا المحكوم إلا فيما يرتبط بسعيه وأهدافه وأطماعه.

المعارضة بمعظم أطيافها ليست سوى قطيع يمكن أن نصنفه ضمن حاشية الفرعون وبنفس مواصفاتها, فالكثير منهم مشغول بتلقي هبات وعطايا من النظام لقاء هذه المعارضة؛ سواء بصورة ضمنية خافتة أو سافرة فاجرة.

بقي جزء من المعارضة الشريفة نظيفة اليد والتاريخ, لكنها تظل في دائرة الإدانة واللوم طالما استهلكت طاقتها في أهداف جزئية, وغابت عن برنامجها خطة استراتيجية ذات جدول زمني محدد لتغيير الواقع ومواجهة النظام وخطاياه.

الاعتذار بضغط الواقع وقسوة النظام وغيرها أعذار واهية تزيد من جرعة الملامة لهؤلاء وتطالبهم أن يربأوا بأنفسهم أن ينشغلوا باللحظة ويدوروا في ساقية الواقع ويغيبوا عن مهمة صنع الحاضر والمستقبل, الأمر الذي حولهم في الحقيقة الى ديكور تجميلي وحواشٍ زاهية في برواز الاستبداد الأسود.

جاءت ثورة يناير لتزلزل الواقع وتضع أمام الجميع فرصة تاريخية للتغيير, وانتظرنا من النخبة أن تغير من نفسها وترتدي ثوبا قشيباً يناسب الظرف والحدث, لكنها فاجأتنا بأنها ذهبت كل مذهب بعيداً عن فريضة اللحظة وواجب الوقت.

المعارضون القدامى تحولوا إلى أحذية بائسة بذلت كل جهدها في إعادة انتاج الاستبداد, وخلعوا في سبيل ذلك كل أقنعتهم الزائفة وتجردوا من كل فضيلة ظاهرة أو حجاب ساتر أو احتشام وقور.

الشرفاء لم يغادروا مواقعهم ولم يكسروا قيدهم ولم يتمردوا على سجانيهم وحبسوا أنفسهم قريباً من أصنام لم يعبدوها, لكنهم لم يحطموها.

هكذا ضاعت مكتسبات الثورة وعاد الجميع إلى مواقعهم القديمة الأثيرة. ولم يشفع لأولئك الشرفاء شهادة حسن السير والسلوك التي حصلوا عليها ولا وسام الأخلاق الرفيعة والأدب الجم الذي نالوه , فساروا بمنتهى الحماسة والجد تجاه أقبية نفس السجون القديمة التي لم يبعدوا عنها كثيراً حتى تفتقدهم أو تشتاق اليهم ربما بأكثر مما اشتاقوا لها.

الانقلاب وما تلاه بكل سوءاته وآلامه كان فيه إثم كبير ومنافع للناس, الإثم طال الجميع وإن اختلفت درجاته ودركاته, أما المنافع فأقلها ذلك التمايز التام الذي حدد بوضوح خريطة النخبة المصرية ورسم حداً فاصلاً بين الأصدقاء والأعداء, الأحرار والعبيد ,الوطنيين والعملاء , بين دعاة الكرامة وأحذية الذل وأذناب الاستبداد.

من منافع الانقلاب كذلك أنه لم يخل من دروس ملهمة وعبر وآيات يجب أن نتوقف عندها ويستشرفها الأصدقاء ودعاة الحرية والكرامة حتى لا نُلْدَغ من الجحر الواحد مرتين, خاصةً ومازال ألم القرصة الأولى وسُمها الزعاف في جسد الوطن لم يبرأ بعد.. 

من هذه الدروس..

  • لا يجب أن ننسى أن ضياع ثورتنا كان بسبب اختلافنا واستفادة أعداء ثورتنا من هذا الخلاف, لذا لا يجب ونحن نرجو نجاح ثورتنا أن نظل ندور في خلافات متعددة. 

نعم؛ مناهضو الانقلاب مشارب مختلفة ويصعب جمع ايدلوجياتهم المتنوعة لكن يمكن أن يجمعنا طريق هو كسر الانقلاب, فلنعمل جميعاً لتحقيق هذا الهدف؛ كلٌ بطريقته وأسلوبه. 

هذا الدرس البليغ ينبغي أن يدفعنا لأن نتوافق سريعا لنكون رقماً صعبا يمكنه أن يحقق شيئًا ويغير. لكن ينبغي علينا ألا يكون التوافق هدفًا وغاية بحيث يقفز على مبادئ الثورة واستحقاقاتها.

  • يمكننا أن نتوافق على أن ثورتنا ستعيد أمرها للشعب وأن آليات الشورى والديمقراطية ودولة الحقوق والحريات وسيادة القانون هي الأمل والغاية.. هل يمكن أن نلتقي على ذلك أم أنها نقطة مفاصلة وخلاف؟..

أما من يرفض ذلك فليعلن من الآن, حتى نتبين مواقفنا ونتحسس مواطن أقدامنا, لأننا بطبيعة الحال لا نسعى لاستبدال فرعون قديم بفرعون جديد, ولا أعتقد هذه التلال من التضحية وجبال البذل وضرائب الثبات يدفعها أصحابها مجاملة لشخص ما أو دعماً لمشروع خاص لصاحب طموح أو دفاعاً عن نموذج جديد لــ”عبدة مشتاق”.

  • حقيقة أثبتتها الأحداث وتستلزم المصارحة هي أن من يتحرك في مسار الثورة معتمداً على دعم خارجي أو يبنى مواقفه على مساندة من الغرب القريب أو البعيد أو حتى من الشرق الغني فهذا إما عليل الفهم أو كليل الذاكرة أو ساقط الهمة والعزم أو يحمل في نفسه أجندة خاصة لا تعنى بالاستقلال الكامل لوطن حر ولا تأبه لكرامة شعب.
  • أخيراً .. علينا جميعاً أن نعطي التقدير الواجب لثوار الداخل؛ لكل طفل وامرأة وشاب وفتاة مازال يخاطر بحياته وحريته في مواجهة بغي الانقلاب وإجرام داخليته. 
  • كذلك كل التقدير والإكبار والاحترام المستحق لأبطال السجون وعمالقة الزنازين .. فلولا عطاء الأولين وثبات الآخرين لخرست ألسنتنا وكرهنا أنفسنا ورضينا بواقعنا.

تلك نبذة من الدروس تحتاج من يضيف إليها لنتوافق جميعاً على دستور واضح للثورة.

هذا الدستور .. عليه نلتقي وعليه يكون الاصطفاف والوحدة, ويكون الرفض والبراء مما سواه.

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب :تطرّف عربي في خدمة يمين صهيوني متطرّف

كل الطرق مفتوحة أمام أشدّ عناصر اليمين الصهيوني تطرّفًا ليأتي يوم قد نجده فيه المسؤول …