أخبار عاجلة
عز الدين شكري فشير

عز الدين فشير يكتب : العالم العربي يواجه تحديات أكبر من مجرد إسقاط المستبدين


هذا هو أول عمود يكتبه عز الدين فشير باعتباره الزميل الجديد لبرنامج جمال خاشقجي التابع لصحيفة الواشنطن بوست

تُذكرنا الصور القوية للاحتجاجات المؤيدة للديمقراطية الآتية من بيروت وبغداد والجزائر العاصمة بأنّ السلطوية العربية أصبحت غير مرحب بها. ولكن في نظر الكثيرين، فإنها لم تفقد فائدتها بعد. لقد وصل ضعف الدول العربية إلى نقطة أصبحت فيها السلطوية هي الغراء الوحيد الذي يبقيها متماسكة. والتحدي الذي يواجه الديمقراطيين العرب هو الانتقال من مجرد الدعوة إلى الديمقراطية إلى بناء مسارات واقعية للتغيير الديمقراطي.

السلطوية العربية ليست استبدادًا تقليديًا. لقد تحولت إلى استراتيجية معقدة للتعامل مع ضعف الدولة. لم تكن الدول العربية قوية منذ البداية: فهي لم تكن قادرة أبدًا على توفير أطر سياسية تعزز التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، أو إدارة النزاعات الاجتماعية والسياسية، أو حماية مكانتها في العالم.

اليوم تجلس هذه الدول فوق خليط من الفقر المتنامي والفساد المستشري والمؤسسات الجوفاء وأجهزة الأمن الوحشية والاستقطاب الاجتماعي الشديد والصراعات المدنية والإقليمية. وكلما كبرت هذه التحديات، كلما ضعف نمو هذه الدول، مما يزيد من تفاقم هذه التحديات، وهكذا.

تبنت الأنظمة العربية القمع من أجل كبت النزاعات الاجتماعية والسياسية التي لم تتمكن من حلها وإسكات المطالب التي لم تتمكن من مواجهتها. وقعت المؤسسات السياسية الضعيفة في بلدان مثل مصر في قبضة الأجهزة الأمنية التي تولت السيطرة على الأمور السياسية من النزاعات الطائفية إلى النزاعات العمالية. وتدريجيًا، أصبح أمن النظام هو الشغل الشاغل لهذه الأجهزة، مما أدى إلى تآكل احترام سيادة القانون وشيوع انتهاكات حقوق الإنسان. كما أدى ذلك إلى مزيد من تفريغ مؤسسات الدولة، التي لا يبقيها متماسكة الآن سوى خوف يدار بشكل منهجي.

كذلك تعتمد السلطوية العربية على المحسوبية المنظمة والفساد. فمن خلال الاعتماد على الانقسامات القبلية أو العائلية أو الطائفية أو العرقية، حافظ الحكام على شبكات محسوبية وتبادل مصالح مع حلفاء محليين أقوياء. أصبحت الدولة العربية المانحة النهائية، حيث يدير قادة المجموعات الاجتماعية الرئيسية توزيع العطايا الآتية من أعلى وتأمين الولاء من أسفل. وكما تُظهر احتجاجات لبنان ضد هذه الأنماط بالذات، فإن النتيجة النهائية هي إضعاف المعايير والقواعد والعمليات المؤسسية.

ونظرًا للأهمية الحيوية لإدارة العطايا والرشاوى، تجذرت “رأسمالية المقربين”، حيث احتل الحكام العرب موقعًا مسيطرًا على الاقتصاد ودفعوا بقوى السوق إلى درجات مختلفة من التبعية. فبدلاً من القواعد واللوائح المعمول بها التي يمكن أن تصمد أمام تغيير الأنظمة، تعمل الأسواق العربية بشكل أساسي من خلال نظام المحسوبية. ويعد احتجاز ولي العهد السعودي لرجال الأعمال في فندق ريتز كارلتون بالرياض – متهمًا إياهم بالفساد وعدم الإفراج عنهم إلا بعد دفع مبالغ كبيرة – مثالًا صارخًا على قدرة الحكام على سحق رأس المال حين يريدون.

وأخيرًا، وللتعويض عن عدم قدرتهم على حل النزاع المستمر منذ قرن بين الإسلاميين والعلمانيين، قمعت الدول العربية الطرفين واستوعبتهما، وجعلت من نفسها حكمًا بينهم والبوابة التي تحمي المجتمع – والعالم – من الفوضى التي من شأنها أن تأتي إن تعرضت هذه البوابة للانهيار. بالطبع، لم تخلق الأنظمة الاستبدادية التطرف الإسلامي من أجل تخويفنا، لكنها حرصت على أن تصبح الحاجز الوحيد بيننا وبين عنفه. إن توظيف “الدولة الإسلامية” من قبل النظام السوري يقدم مثالًا جيدًا على هذه الديناميكية.


Comments

comments

شاهد أيضاً

د . عزالدين الكومي يكتب : ثورة يناير والتحول الديمقراطي

مما لاشك فيه أن ثورة يناير نجحت فى تحقيق بعض الأهداف التى قامت من أجلها …