عصام عبد الشافي يكتب : مصر وتركيا ونظرية الأركان الأربعة


شاركت، بين مارس/ آذار 2011 ومارس/ آذار 2013، في ورش عمل شارك فيها ممثلون عن وزارة الخارجية المصرية، والمجلس المصري للشؤون الخارجية، وأكاديميون متخصصون في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية، ومسؤولو الشؤون الخارجية في أحزاب سياسية مصرية، وكان الهدف الرئيس وضع رؤية استراتيجية للسياسة الخارجية المصرية بعد ثورة 25 يناير (2011). وبعد سلسلة ممتدة من اللقاءات، كان آخرها لقاء في مقر رئاسة الجمهورية، بحضور الرئيس الراحل محمد مرسي، عرض المشاركون أفكاراً ومقترحات وتصورات عديدة، وكانت إحدى أهم هذه الأطروحات ما جرى التوافق على تسميتها “نظرية الأركان الأربعة”، التي تقوم في جوهرها على أن منطقة الشرق الأوسط ترتكز على أربعة أركان، تشكل قوى إقليمية تمتلك من الإمكانات والقدرات ما تستطيع به، في حال تعزيز التعاون والتنسيق والفاعلية فيما بينها، أن تعيد تشكيل خريطة تحالفات وإدارة قضايا المنطقة، وهذه الدول أو الأركان: مصر، السعودية، إيران، تركيا.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، جاءت فكرة الرباعية التي تبناها الرئيس مرسي لتسوية الأزمة السورية، ولم يكتب لها النجاح، لاعتبارات عديدة، منها التعارض في السياسات بين إيران والسعودية من ناحية، والسياسات الإيرانية تجاه الثورة السورية من ناحية ثانية، ثم وقوع الانقلاب العسكري على مرسي في 2013، من ناحية ثالثة. لكن النظرية تبقى قائمة، وتبقى تركيا ومصر من أهم أركانها، ولا يمكن تجاهل الدولتين، بغضّ النظر عن التراجع في الأدوار لهما أو لأيٍّ منهما في مراحل معينة، في ظل طبيعة النظم السياسية التي تحكم في أيٍّ منهما.

تعدّدت القضايا التي كانت سبباً في تأزيم العلاقات بين النظامين كالموقف التركي من انقلاب 2013 في مصر

وقد شهدت علاقات الدولتين تميزاً ونهوضاً كبيراً في السنوات الأخيرة من حكم حسني مبارك، ثم تعزّزت بعد ثورة 25 يناير، حتى جاء الانقلاب في مصر، ليضرب هذه العلاقات سلبياً في كثير من أبعادها، وخصوصاً مع الموقف التركي المبدئي من قضايا الانقلابات العسكرية أولاً، وثانياً أمام توجهات النظام الجديد في مصر، المدعوم إماراتياً وإسرائيلياً من تركيا، وثالثاً أمام استقرار قيادات المعارضة المصرية في تركيا بعد الانقلاب. وبين 2013 و2020، تعدّدت القضايا التي كانت سبباً في تأزيم العلاقات بين النظامين، ومن بينها:
أولاً، الموقف التركي من انقلاب 2013 في مصر، ورفض أنقرة الاعتراف بشرعية نظام عبد الفتاح السيسي، واحتضانها قيادات معارضة مصرية ومؤسساتها السياسية والإعلامية. وفي المقابل، السياسات الإعلامية لمنظومة السيسي وحلفائه الإقليميين تجاه تركيا وسياساتها في المنطقة، وتبنّيها حملات عديدة مناهضة لهذه السياسات، تنال مباشرةً من الرئيس رجب أردوغان.
ثانياً، أنماط التحالفات السياسية في المنطقة، وخصوصاً بعد اصطفاف كل من الإمارات والسعودية وإسرائيل خلف نظام السيسي، وكذلك اتجاه الأخير إلى تعزيز تحالفاته مع كل من قبرص واليونان وفرنسا وإيطاليا على حساب المصالح التركية في المنطقة.

 

برز التعارض واضحاً بقوة في أزمة حصار قطر، حيث كان النظام المصري أحد أطراف دول الحصار الأربع

ثالثاً، ملف غاز شرقيّ المتوسط، وتبني السيسي سياسات معارضة للمصالح التركية، وتوقيعه اتفاقيات عديدة، وكذلك معاهدات ترسيم الحدود البحرية مع كل من قبرص واليونان، وتأسيس منتدى غاز شرقيّ المتوسط الذي جرى فيه استبعاد تركيا وتجاهل حقوقها، على الرغم من محورية دورها في المنطقة. وفي المقابل، قامت تركيا بترسيم المنطقة الاقتصادية المشتركة بينها وبين ليبيا في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، ورفض مصر وحليفَيها (قبرص واليونان) هذا الترسيم، انطلاقاً من أنه يتعارض مع أهدافهما في المنطقة.
رابعاً، الملف الليبي، وخصوصاً بعد توقيع كل من تركيا وحكومة الوفاق الليبية اتفاقيات تعاون أمني وعسكري، ما كان له الأثر الكبير على سير العمليات العسكرية والميدانية في الساحة الليبية، ووقف تمدد قوات اللواء المنشق خليفة حفتر، المدعوم مصرياً وإماراتياً، وفرض مساراتٍ للتسوية السياسية، وإجبار مصر على إعادة النظر في توجهاتها، ولو مرحلياً، في ليبيا، وصولاً إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية ليبية، استعداداً لانتخابات 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021 في ليبيا.
خامساً، أزمة حصار قطر، التي بدأت في الخامس من يونيو/ حزيران 2017، حيث برز التعارض واضحاً بقوة، حيث كان النظام المصري أحد أطراف دول الحصار الأربع بجانب السعودية والإمارات والبحرين، بينما كانت تركيا من أهم الشركاء الاستراتيجيين للدوحة في مواجهة الحصار، وهو ما انعكس سلباً على سياسات دول الحصار التي رأت في الدور التركي مُعوِّقاً إن لم يكن مهدِّداً لسياساتها وتوجهاتها في هذا الملف.

 

شهد الميزان التجاري بين البلدين نمواً بنسبة 20% ليتجاوز 5.2 مليارات دولار في 2018 مقارنة بـ 4.38 مليارات خلال 2017

إلا أنه على الرغم من هذه الأزمات، فإن العلاقات الأمنية والاقتصادية بين مصر وتركيا لم تتوقف، وكانت بمثابة شعرة معاوية التي حافظ عليها الطرفان، للإبقاء على جسور الاتصال فيما بينهما، بما عرف باسم “دبلوماسية الباب الخلفي”، فقد كشف تقرير للهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات في مصر، ارتفاع حجم الصادرات إلى تركيا، بنسبة 9.7% في 2018 لتصل إلى 2.2 مليار دولار، مقارنة بـ 1.9 مليار دولار خلال عام 2017، وارتفع حجم واردات مصر من تركيا بنسبة 29% في 2018 ليبلغ نحو ثلاثة مليارات دولار، مقارنة بـ2.3 مليار دولار في 2017. وشهد الميزان التجاري بين البلدين نمواً بنسبة 20% ليتجاوز 5.2 مليارات دولار في 2018 مقارنة بـ 4.38 مليارات خلال 2017، وخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2019 جاءت تركيا في المرتبة الرابعة بقائمة الدول المستوردة من مصر، بقيمة مليار و273 مليون دولار، وفق إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر.
جاءت الأشهر الأخيرة من عام 2020، لتشهد تحولاتٍ مهمةً في كثير من ملفات العلاقات بين الدولتين، كان محرّكها الرئيس تغير الإدارة الأميركية، ونجاح الديمقراطي جو بايدن، على الجمهوري دونالد ترامب، منهياً مرحلة شديدة الاضطراب في السياسة الأميركية في المنطقة، وهو الاضطراب الذي استفاد منه نظام السيسي وحلفاؤه الإقليميون، ومع توجهات إدارة بايدن وتصريحاته الرافضة سياسات النظم الحاكمة في مصر والسعودية بل وتركيا أيضاً، ودخول الفاعل الأميركي بقوة على خط كل قضايا المنطقة، حتى تغيرت خرائط التحالفات والأدوار، وتغيرت أولويات القضايا، فتمّت تسوية أزمة حصار قطر في قمة العلا، يناير/ كانون الثاني 2021، وتصاعد الحديث عن تهدئةٍ في اليمن، وفي ليبيا، ومفاوضات ومناقشات لتسوية في سورية، وتحول في مواقف مصر من غاز شرق المتوسط، يتعارض مع توجهات اليونان في المنطقة، ثم تصريحات إيجابية متعدّدة من مسؤولين أتراك، من بينهم الرئيس أردوغان، ووزيري الخارجية والدفاع، ومستشاره السياسي حول أهمية مصر وضرورة تعزيز العلاقات معها، وصولاً إلى إعلان وزير الخارجية التركي في 12 مارس/ آذار الجاري “أن بلاده استأنفت اتصالاتها الدبلوماسية مع مصر لإعادة العلاقات إلى طبيعتها، من دون أي شروط مسبقة”، مؤكّداً من جهة أخرى أنه لا يوجد أي سبب يمنع تحسين العلاقات مع السعودية”، ليكون السؤال المركزي الآن: ما مستقبل هذه التطورات، وهل يمكن أن تُفضي إلى تعزيز العلاقات وتجاوز قضايا الخلافات بين الطرفين؟

التقارب مع تركيا ليس من باب القناعة بأهميته وضرورته، ولكنه من أنواع التهدئة المؤقتة

هنا يمكن القول إن المتغير الرئيس الآن هو توجهات إدارة بايدن، وسعيه إلى إعادة ضبط التحالفات والعلاقات وموازين القوى في المنطقة، وسعي النظم السياسية في مصر والسعودية والإمارات إلى احتواء حالات الغضب على سياساتهم ومواقفهم من بايدن، وخصوصاً في الملفات الحقوقية وملفات اليمن وليبيا وحصار قطر، وأن التقارب مع تركيا ليس من باب القناعة بأهمية هذا التقارب وضرورته، ولكنه من أنواع التهدئة المؤقتة، وخصوصاً في ظل التحالف الاستراتيجي بين نظامي الإمارات والسيسي، ورفض الإمارات أي تقارب بين الأخير وتركيا، لأنه سيكون بطبيعة الحال على حساب توجهاتها في المنطقة.
الأمر الآخر المهم، الموقف المبدئي للرئيس التركي من الانقلابات العسكرية عامة، وانقلاب السيسي خصوصاً، وهو ما يجعل من الصعب تجاوزه، لأن تحوله قد ينال من الصورة الذهنية التي رسمها أردوغان خلال السنوات العشر الماضية لنفسه داعماً الثورات الشعبية، وحاضناً لملايين من المهاجرين واللاجئين من دول الثورات، كذلك فإنه أيضاً يفتح الباب للطعن في شرعية مواقفه من الانقلابات عامة، وهو من تعرّض لعدة انقلابات سياسية وعسكرية واقتصادية خلال السنوات العشر الماضية.

صعوبات يمكن أن تواجه تسوية ملف المعارضة المصرية في تركيا، ومدى قبول تسليم بعض رموزها للنظام في مصر أو المطالبة بترحيلهم

الأمر الثالث صعوبة تنصّل السيسي من الاتفاقيات والمعاهدات التي وقّعها مع قبرص واليونان وفرنسا، سواء بشأن الحدود البحرية أو الغاز الطبيعي، وهي اتفاقيات تتعارض جذرياً مع المصالح التركية في المنطقة، وبالتالي يمكن أن تحدّ من حجم التقارب المصري ـ التركي.
الأمر الرابع، الصعوبات التي يمكن أن تواجه تسوية ملف المعارضة المصرية في تركيا، ومدى قبول تسليم بعض رموزها للنظام في مصر أو المطالبة بترحيلهم من تركيا، وكذلك الموقف من القنوات الإعلامية المعارضة نظام السيسي من تركيا، وهو ملفٌّ شائكٌ سيكون ورقة للتفاوض بين الطرفين، إلا إذا تمّ الأمر في إطار نوع من أنواع الحلحلة أو التسوية السياسية الداخلية في مصر، بضغوط أميركية ورعاية بعض الأطراف الإقليمية.
وأمام هذه الاعتبارات، ومع تعدّد التصريحات الرسمية، سواء من تركيا أو مصر، المرحبة بتعزيز العلاقات، يمكن القول إن هذا مجرد تحوّل تكتيكي سيقف عند حدود معينة، ولن يطاول الكثير من قضايا التوتر والنزاع، فالكل مدفوعٌ بتغير الإدارة الأميركية، ووصول بايدن إلى السلطة، ومواقفه المعلنة من النظامين، المصري والتركي، وغالبها سلبية، ورغبة الطرفين في الاحتواء والتهدئة، حتى تتكشف الخرائط الحقيقية لتوجهات الإدارة الأميركية، وقدرة كل طرف على الصمود أو التعاطي معها.


Comments

comments

شاهد أيضاً

محمد سيف الدولة يكتب : مصر والردة المستحيلة لما قبل الميلاد

ان الذين يتصيدون اى حدث أو مناسبة ولو كان استعراضا ناجحا نظمته الدولة للترويج عالميا …